Press "Enter" to skip to content

قانون الاحوال الشخصية الكويتي ومذكرته الايضاحية

Last updated on 2 نوفمبر، 2018

قانون رقم 51 /1984 في شأن الاحوال الشخصية

القسم الاول – الزواج

(الكتاب الاول (انشاء الزواج
(الباب الاول   (مقدمات الزواج
المادة 1
الزواج عقد بين رجل وامرأة، تحل له شرعا، غايته السكن، والاحصان وقوة الامة.

المادة 2

الخطبة لا تلزم بالزواج، ومثلها الوعد به، وقبض المهر، وقبول او تبادل الهدايا.

المادة 3
أ- لكل من طرفي الخطبة ان يعدل عنها.
ب- اذا لم يحصل عدول، وتزوجت المخطوبة بآخر، فلا يفسخ الزواج.

المادة 4
أ- اذا عدل احد الطرفين عن الخطبة، فللخاطب ان يسترد المهر الذي أداه او قيمته يوم قبضه ان تعذر رد عينه.
ب- يعتبر من المهر الهدايا التي جرى العرف باعتبارها منه.
ج- اذا اشترت المخطوبة بمقدار مهرها او بعضه جهازا، ثم عدل الخاطب، فلها الخيار بين اعادة المهر، او تسليم ما يساويه كلا او بعضا من الجهاز وقت الشراء.
المادة 5
اذا عدل احد الطرفين عن الخطبة، وليس ثمة شروط او عرف:
أ- فان كان عدوله بغير مقتضى، لم يسترد شيئا مما أهداه الى الآخر.
ب- وان كان العدول بمقتضى، استرد ما اهداه ان كان قائما او قيمته يوم القبض ان كان هالكا او مستهلكا.
المادة 6
أ- اذا انتهت الخطبة بعدول الطرفين، فان كان بسبب من احدهما، اعتبر عدول الآخر بمقتضى، وطبقت الفقرة “ب” من المادة السابقة والا استرد كل منهما ما اهداه ان كان قائما.
ب- واذا انتهت بالوفاة او بعارض حال دون الزواج، لم يسترد شيء من الهدايا.
المادة 7
في جميع الاحوال لا ترد الهدايا التي لا بقاء لها.
الباب الثاني
اركان الزواج
المادة 8
ينعقد الزواج بايجاب من ولي الزوجة وقبول من الزوج او ممن يقوم مقامهما.
المادة 9
أ- يكون الايجاب والقبول في الزواج مشافهة بالالفاظ التي تفيد معناه عرفا او بأي لغة.
ب- ويجوز ان يكون الايجاب بين الغائبين بالكتابة او بواسطة رسول.
ج- وعند العجز عن النطق تقوم مقامه الكتابة، فان تعذرت فبالاشارة المفهمة.

————————-

الباب الثالث
شرائط عقد الزواج
الفصل الاول

الصيغة
المادة 10
يشترط في الايجاب والقبول:
أ- ان يكونا منجزين غير دالين على التوقيت.
ب- موافقة القبول للايجاب صراحة او ضمنا.
ج- اتحاد مجلس العقد للعاقدين الحاضرين، ويبدأ المجلس بين الغائبين منذ اطلاع المخاطب بالايجاب على مضمون الكتاب، او سماعه بلاغ الرسول، ويعتبر المجلس في هذه الحال مستمرا ثلاثة ايام يصح خلالها القبول ما لم يحدد في الايجاب مهلة اخرى كافية، او يصدر من المرسل اليه ما يفيد الرفض.
د- بقاء الايجاب صحيحا الى حين صدور القبول.
ه- ان يكون كل من العاقدين الحاضرين سامعا كلام الآخر، فاهما ان المقصود به الزواج.

المادة 11
أ- يشترط في صحة الزواج حضور شاهدين مسلمين، بالغين، عاقلين، رجلين، سامعين معا كلام المتعاقدين، فاهمين المراد منه.
ب- وتصح شهادة كتابيين في زواج المسلم بالكتابية.
الفصل الثاني
العاقدان
الفرع الاول
الحل والحرمة

المادة 12
يشترط لصحة الزواج الا تكون المرأة محرمة على الرجل تحريما مؤبدا او مؤقتا.
المبحث الاول
الحرمات المؤبدة

المادة 13
يحرم على الشخص بسبب النسب:
أ- اصله وان علا.
ب- فرعه وان نزل.
ج- فروع ابويه وان بعدوا.
د- الطبقة الاولى من فروع اجداده وجداته.

المادة 14
يحرم على الرجل بسبب المصاهرة:
أ- من تزوجت احد اصوله وان علوا.
ب- من تزوجت احد فروعه وان نزلوا.
ج- اصول زوجته وإن علون.
د- فروع زوجته التي دخل بها دخولا حقيقيا وان نزلن.

المادة 15
يحرم على الشخص فرعه من الزنى وان نزل، ولا يحرم سواء بسبب الزنى.

المادة 16
أ- يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
ب- وتثبت حرمات المصاهرة بالرضاع.

المادة 17
يشترط في التحريم بالرضاع ان يكون في الحولين الاولين، وان يبلغ خمس رضعات، متيقنات، مشبعات.
المبحث الثاني
الحرمات المؤقتة

المادة 18
لا ينعقد:
1- زواج المسلمة بغير المسلم.
2- زواج المسلم بغير كتابية.
3- زواج المرتد عن الاسلام او المرتدة، ولو كان الطرف الآخر غير مسلم.

المادة 19
لا ينعقد زواج الرجل بزوجة غيره او معتدته.

المادة 20
لا يجوز الجمع ولو في العدة بين امرأتين لو فرضت كل منهما ذكرا حرمت عليه الاخرى.

المادة 21
لا يجوز ان يتزوج الرجل بخامسة قبل ان ينحل زواجه باحدى زوجاته الاربع وتنقضي عدتها.

المادة 22
لا يجوز ان يتزوج الرجل امرأة طلقت منه ثلاث مرات الا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر، دخل بها فعلا، في زواج صحيح.

المادة 23
لا يجوز ان يتزوج الرجل امرأة افسدها على زوجها الا اذا عادت الى زوجها الأول ثم طلقها، او مات عنها.
الفرع الثاني
الاهلية والولاية
المبحث الاول
اهلية الزواج والنيابة في عقده

المادة 24
أ – يشترط في اهلية الزواج العقل والبلوغ.
ب- وللقاضي ان يأذن بزواج المجنون او المعتوه، ذكرا كان او أنثى اذا ثبت بتقرير طبي ان زواجه يفيد في شفائه، ورضى الطرف الآخر بحالته.

المادة 25
لا يصح زواج المكره ولا السكران.

المادة 26
يمنع توثيق عقد الزواج، او المصادقة عليه ما لم تتم الفتاة الخامسة عشرة، ويتم الفتى السابعة عشرة من العمر وقت التوثيق.

المادة 27
أ- يجوز التوكيل في عقد الزواج.
ب- ليس للوكيل ان يزوج من وكله من نفسه الا اذا نص على ذلك في الوكالة.

المادة 28
أ- زواج الفضولي اذا وقع صحيحا يتوقف على اجازة صاحب الشأن.
ب- اذا جاوز الوكيل في الزواج حدود وكالته كان فضوليا.
المبحث الثاني
الولاية في الزواج

المادة 29
أ- الولي في زواج البكر التي بين البلوغ وتمام الخامسة والعشرين هو العصبة بالنفس حسب ترتيب الارث وان لم توجد العصبة فالولاية للقاضي.
ويسري هذا الحكم على المجنون والمعتوه، ذكرا كان او انثى.
ب- يشترط اجتماع رأي الولي والمولى عليها.

المادة 30
الثيب او من بلغت الخامسة والعشرين من عمرها، الرأي لها في زواجها، ولكن لا تباشر العقد بنفسها، بل ذلك لوليها.
واستثناء من الفقرة السابقة يجوز للثيب ان تطلب من قاضي التوثيقات الشرعية ان يتولى مباشرة عقد زواجها من زوجها السابق، وذلك بعد اخطار وليها لسماع رأيه.

المادة 31
اذا عضل الولي الفتاة، فلها ان ترفع الامر الى القاضي ليأمر او لا يأمر بالتزويج، وكذلك اذا تعدد الاولياء وكانوا في درجة واحدة، وعضلوا جميعا، او اختلفوا.

المادة 32
للولي غير المحرم ان يزوج نفسه من موليته برضاها.

المادة 33
أ- من بلغ سفيها، او طرأ عليه السفه، له ان يزوج نفسه.
ب- اذا كان زواجه بعد الحجر فلولي المال ان يعترض على ما زاد على مهر المثل.

——————————-

الفرع الثالث
الكفاءة

المادة 34
يشترط في لزوم الزواج ان يكون الرجل كفئا للمرأة وقت العقد، ويثبت حق الفسخ لكل من المرأة ووليها عند فوات الكفاءة.

المادة 35
العبرة في الكفاءة بالصلاح في الدين.

المادة 36
التناسب في السن بين الزوجين يعتبر حقا للزوجة وحدها.

المادة 37
الولي في الكفاءة من العصبة هو الاب، فالابن، فالجد العاصب، فالأخ الشقيق ثم لأب، فالعم الشقيق ثم لأب.

المادة 38
اذا ادعى الرجل الكفاءة، ثم تبين انه غير كفء، كان لكل من الزوجة ووليها حق الفسخ.

المادة 39
يسقط حق الفسخ بحمل الزوجة، او بسبق الرضا، او بانقضاء سنة على العلم بالزواج.

——————–
الفرع الرابع

اقتران العقد بالشروط
المادة 40
أ- اذا اقترن عقد الزواج بشرط ينافي اصله بطل العقد.
ب- واذا اقترن بشرط لا ينافي اصله، ولكن ينافي مقتضاه، او كان محرما شرعا بطل الشرط وصح العقد.
جـ- واذا اقترن بشرط لا ينافي اصله ولا مقتضاه، وليس محرما شرعا صح الشرط ووجب الوفاء به، فان لم يوف به كان للمشروط له حق طلب الفسخ.
د- ويسري حكم الفقرة السابقة عند فوات الوصف المعين المشروط في احد الزوجين.

المادة 41
يجب ان يكون الشرط مسجلا في وثيقة العقد.

المادة 42
يسقط حق الفسخ اذا اسقطه صاحبه صراحة او ضمنا.

————————-

الباب الرابع
انواع الزواج واحكامهاالفصل الاول
الانواع

المادة 43
أ- الزواج نوعان: صحيح او غير صحيح.
ب- الزواج الصحيح ما توافرت اركانه، وجميع شرائط صحته وفق احكام هذا القانون، وما سواه غير صحيح، وهو باطل او فاسد.

المادة 44
الزواج الصحيح نافذ لازم، او نافذ غير لازم، او غير نافذ اصلا.

المادة 45
أ- الزواج النافذ اللازم هو ما لا يكون موقوفا على اجازة احد، ولا قابلا للفسخ، طبقا لاحكام هذا القانون.
ب- الزواج النافذ غير اللازم هو الذي يقبل الفسخ بسبب يسوغه هذا القانون.
جـ- الزواج غير النافذ هو ما انعقد موقوفا على اجازة من له حق الاجازة.

———————-
الفصل الثاني
الاحكام

المادة 46
الزواج الصحيح النافذ اللازم تترتب عليه منذ انعقاده جميع آثاره الشرعية.

المادة 47
أ- الزواج الصحيح غير النافذ لا يترتب عليه شيء من الآثار قبل الاجازة، او الدخول.
ب- واذا اجيز اعتبر نافذا من وقت العقد.
جـ- وبالدخول فيه يأخذ حكم الزواج الفاسد بعد الدخول.

المادة 48
الزواج الباطل لا يترتب عليه شيء من آثار الزواج.

المادة 49
يكون الزواج باطلا:
أ- اذا حصل خلل في الصيغة، او في اهلية العاقد يمنع انعقاد العقد.
ب- اذا كانت الزوجة من المحارم قرابة، او رضاعا، او مصاهرة، او زوجة للغير، او معتدته، او مطلقة الزوج ثلاثا، او لا يحل الجمع بينها وبين من في عصمته، او لا تدين بدين سماوي.
جـ- اذا كان احد الزوجين مرتدا، او كان الزوج غير مسلم والمرأة مسلمة.
ويشترط في الفقرتين ب، جـ ال����ابقتين – ثبوت العلم بالتحريم وسببه، ولا يعتبر الجهل عذرا اذا كان ادعاؤه لا يقبل من مثل مدعيه.

المادة 50
كل زواج غير صحيح سوى المذكور في المادة السابقة يعتبر فاسدا، ويترتب على الدخول فيه:
أ- وجوب الاقل من المهر المسمى ومهر المثل عند التسمية، ومهر المثل عند عدمها.
ب- ثبوت نسب الاولاد بشرائطه، ونتائجه المبينة في هذا القانون.
ج- وجوب العدة عقب المفارقة، رضاء، او قضاء، وبعد الوفاة.
د- حرمة المصاهرة.

المادة 51
الزواج الفاسد لا يترتب عليه اي اثر قبل الدخول.

————————-
الباب الخامس
آثار الزواج
الفصل الاول

المهر
المادة 52
يجب المهر للزوجة بمجرد العقد الصحيح.

المادة 53
لا حد لاقل المهر ولا لأكثره.

المادة 54
كل ما صح التزامه شرعا يصلح ان يكون مهرا، مالا كان، او عملا، او منفعة، مما لا ينافي قوامة الزوج.

المادة 55
أ- يجب المهر المسمى تسمية صحيحة في العقد.
ب- اذا لم يسم المهر، او كانت التسمية غير صحيحة، او نفى اصلا، وجب مهر المثل.

المادة 56
أ- يجوز تأجيل بعض المهر، وعند عدم النص يتبع العرف.
ب- يسقط الاجل المعين في العقد لاستحقاق المهر بالبينونة، او الوفاة.

المادة 57
اطلاق التأجيل في المهر ينصرف الى اقرب الاجلين: البينونة، او الوفاة.

المادة 58
للزوج الزيادة في المهر بعد العقد، وللزوجة الحط منه اذا كانا كاملي اهلية التصرف، ويلحق ذلك بأصل العقد اذا قبل الآخر.

المادة 59
للأب، ثم للجد العاصب قبض مهر البكر حتى الخامسة والعشرين من عمرها، ما لم تنه عن ذلك.

المادة 60
اذا اختلف الزوجان في قبض حال المهر، فالقول للزوجة قبل الدخول، وللزوج بعده ما لم يكن ثمة دليل، او عرف مخالف.

المادة 61
يتأكد المهر كله بالدخول الحقيقي، او بالخلوة الصحيحة، او بموت أحد الزوجين.

المادة 62
اذا قتلت الزوجة زوجها قتلا مانعا من الارث قبل الدخول، استرد منها ما قبضته من المهر، وسقط ما بقي منه.
واذا كان القتل بعد الدخول فلا تستحق شيئا من الباقي.

المادة 63
أ- يجب للزوجة نصف المهر المسمى بالطلاق قبل الدخول او الخلوة الصحيحة.
ب- واذا قبضت زيادة على النصف، رجع عليها بالزيادة.
جـ- واذا وهبت لزوجها نصف مهرها او اكثر، لا يرجع عليها بشيء في الطلاق قبل الدخول او الخلوة الصحيحة وان كان ما وهبته اقل من نصف المهر رجع عليها بباقي النصف.

المادة 64
تجب للمرأة متعة يقدرها القاضي بما لا يزيد على نصف مهر المثل، اذا وقعت الفرقة قبل الدخول او الخلوة الصحيحة في الحالات المبينة في الفقرة (ب) من المادة (55).

المادة 65
يسقط المهر كله او المتعة اذا وقعت الفرقة بسبب من الزوجة قبل الدخول او الخلوة الصحيحة.

المادة 66
اذا تزوج الرجل في مرض موته بأكثر من مهر المثل يجري على الزيادة حكم الوصية.

المادة 67
أ- لا تسمع عند الانكار دعوى ما يخالف ما جاء بوثيقة الزواج من اصل المهر او مقداره.
ب- واذا خلت الوثيقة من بيان المهر، طبقت المادتان التاليتان.

المادة 68
أ- اذا اختلف الزوجان في اصل تسمية المهر بعد تأكيده، وعجز المدعي عن الاثبات، قضى بالمسمى عند النكول، وبمهر المثل عند الحلف، بشرط الا يزيد على ما ادعته الزوجة، ولا ينقص عما ادعاه الزوج.
ب- ويسري ذلك عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر
جـ- واذا كان الاختلاف بين ورثة الزوجين قضى بالمسمى ان ثبتت التسمية، والا فبمهر المثل.
د- واذا كان الاختلاف قبل تأكيد المهر قضى بنصفه ان ثبتت التسمية بالمتعة ان لم تثبت، بشرط الا تزيد على نصف ما تدعيه الزوجة، ولا تنقص عن نصف ما يدعيه الزوج.

المادة 69
اذا اختلف الزوجان في مقدار المهر المسمى، فالبينة على الزوجة، فان عجزت كان القول للزوج بيمينه الا اذا ادعى ما لا يصلح ان يكون مهرا لمثلها عرفا، فيحكم بمهر المثل، على الا يزيد على ما ادعته الزوجة.
ويسري ذلك عند الاختلاف بين احد الزوجين وورثة الآخر، او بين ورثتهما.

المادة 70
أ- تصح الكفالة بالمهر ممن هو اهل للتبرع، بشرط قبولها في المجلس، ولو ضمنا.
ب- للزوجة ان تطالب الزوج، او الكفيل، او هما معا، وللكفيل ان يرجع على الزوج ان كفل باذنه.
جـ- الكفالة في مرض موت الكفيل في حكم الوصية.

المادة 71
يصح تعليق الكفالة بالشرط الملائم، ولا تنقضي بموت الكفيل، او المكفول له، او المكفول عنه.
الفصل الثاني
الجهاز ومتاع البيت

المادة 72
أ- لا تلزم الزوجة بشيء من جهاز منزل الزوجية، فاذا احضرت شيئا منه كان ملكا لها.
ب- للزوج ان ينتفع بما تحضره الزوجة من جهاز، ما دامت الزوجية قائمة، ولا يكون مسئولا عنه الا في حالة التعدي.

المادة 73
اذا اختلف الزوجان في متاع البيت ولا بينه لهما، فالقول للزوجة مع يمينها فيما يعرف للنساء، وللرجل مع يمينه فيما عدا ذلك.
ويسري هذا الحكم عند الاختلاف بين احد الزوجين وورثة الآخر، او بين ورثتهما.

————————–
الفصل الثالث
نفقة الزوجية
الفرع الاول
احكامها

المادة 74
تجب النفقة للزوجة على زوجها بالعقد الصحيح، ولو كانت موسرة، او مختلفة معه في الدين، اذا سلمت نفسها اليه ولو حكما.

المادة 75
تشمل النفقة الطعام، والكسوة، والسكن، وما يتبع ذلك من تطبيب، وخدمة وغيرهما حسب العرف.

المادة 76
تقدر النفقة بحسب حال الزوج يسرا وعسرا، مهما كانت حال الزوجة، على الا تقل عن الحد الادنى لكفاية الزوجة.

المادة 77
أ- تجوز زيادة النفقة ونقصها بتغير حال الزوج او اسعار البلد.
ب- ولا تسمع دعوى الزيادة او النقص قبل مضي سنة على فرض النفقة الا في الحالات الاستثنائية الطارئة.
جـ- وتكون الزيادة او النقص من تاريخ الحكم.

المادة 78
أ- تعتبر نفقة الزوجة من تاريخ الامتناع عن الانفاق مع وجوبه دينا على الزوج لا يتوقف على القضاء او التراضي، ولا يسقط الا بالاداء او الابراء مع مراعاة الفقرة التالية.
ب- ولا تسمع الدعوى بها عن مدة سابقة تزيد على سنتين نهايتهما تاريخ رفع الدعوى، الا اذا كانت مفروضة بالتراضي.
جـ- واذا كان الزوج غير مقر بهذا التراضي، فلا يثبت الا بالكتابة.

المادة 79
أ- للقاضي في اثناء نظر دعوى النفقة ان يأمر الزوج بأداء نفقة مؤقتة الى الزوجة اذا طلبت ذلك، وتتجدد شهريا، حتى يفصل نهائيا في الدعوى.
ويكون هذا الامر واجب التنفيذ فورا.
ب- وللزوج ان يحط او يسترد ما أداه، طبقا للحكم النهائي.

المادة 80
اذا طلبت الزوجة مقاصة دين نفقتها بما عليها لزوجها اجيبت الى طلبها، ولو بدون رضاه.

المادة 81
اذا طلب الزوج المقاصة بين نفقة زوجته، ودين له عليها، لا يجاب الى طلبه الا اذا كانت موسرة، قادرة على أداء الدين من مالها.

المادة 82
تقدم نفقة الزوجة في التنفيذ على مال الزوج، وان لم يتسع لسواها.

المادة 83
أ- تصح الكفالة بنفقة الزوجية ماضية كانت، او حاضرة، او مستقبلة، سواء افرضت قضاءً، او رضاءً ام لم تفرض.
ب- تسري احكام المادتين 70، 71 على الكفالة بالنفقة.

———————–
الفرع الثاني
احكام المسكن والطاعة

المادة 84
أ- على الزوج اسكان زوجته في مسكن امثاله.
ب- وعليها بعد قبض معجل المهر ان تسكن معه.

المادة 85
ليس للزوج ان يسكن مع زوجته ضرة لها في مسكن واحد بغير رضاها.

المادة 86
ليس للزوج ان يسكن احدا مع زوجته سوى اولاده غير المميزين، ومن تدعو الضرورة الى اسكانه معه من اولاده الآخرين، ووالديه، بشرط الا يلحق الزوجة من هؤلاء ضرر.

المادة 87
أ- اذا امتنعت الزوجة عن الانتقال الى منزل الزوجية بغير مسوغ، او منعت الزوج ان يساكنها في منزلها، ولم يكن ابى نقلها، سقط حقها في النفقة مدة الامتناع الثابت قضاء.
ب- ولا يثبت نشوز الزوجة الا بامتناعها عن تنفيذ الحكم النهائي بالطاعة.
جـ- ويكون امتناعها بمسوغ اذا كان الزوج غير امين عليها، او لم يدفع معجل المهر، او لم يعد المسكن الشرعي، او امتنع عن الانفاق عليها، ولم تستطع تنفيذ حكم نفقتها، لعدم وجود مال ظاهر له.

المادة 88
لا يجوز تنفيذ حكم الطاعة جبرا على الزوجة.

المادة 89
لا يكون نشوزا خروج الزوجة لما هو مشروع، او لعمل مباح ما لم يكن عملها منافيا لمصلحة الاسرة.

المادة 90
على الزوجة ان تنتقل مع زوجها الا اذا رأت المحكمة ان المصلحة في عدم انتقالها.

المادة 91
للزوجة ان تسافر مع محرم لاداء فريضة الحج، ولو لم يأذن الزوج، وتستمر لها نفقة الحضر مدة السفر.

——————————
الباب السادس
دعوى الزوجية

المادة 92
في الحوادث الواقعة من تاريخ العمل بهذا القانون:
أ- لا تسمع عند الانكار دعوى الزوجية، الا اذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية، او سبق الانكار اقرار بالزوجية في اوراق رسمية.
ويستثنى مما ذكر ما اذا كانت الدعوى سببا لدعوى نسب مستقل، او نسب يتوصل به الى حق آخر، ويكون الحكم بالنسب في ذلك حكما بالزوجية تبعا.
ب- ولا تسمع دعوى الزوجية اذا كانت سن الزوجة تقل عن خمس عشرة سنة او سن الزوج عن سبع عشرة سنة وقت رفع الدعوى.

المادة 93
يكون اهلا لدعوى الزوجية، ولجميع الآثار المترتبة عليها كل عاقل بلغ السن المبينة في المادة السابقة.

المادة 94
ترفع الدعوى على الزوجة وحدها، ولكن اذا كان الزوجان متصادقين على زواج يشترط فيه رضا الولي، وجب اختصامه ايضا.

المادة 95
اذا ادعيت الزوجية على ذات زوج ظاهر وجب اختصامه ايضا.

المادة 96
أ- لا تصح دعوى الزوجية اذا سبق من المدعي ما يناقضها تناقضا مستحكما.
ب- من اقر بحرمة امرأة عليه بالرضاع، ثم ادعى الزوجية، يغتفر تناقضه، اذا رجع عن اقراره قبل الدعوى.

———————–
الكتاب الثاني
فرق الزواج
الباب الاول
احكام عامة

المادة 97
ال��ل��ق هو حل عقده الزواج الصحيح بارادة الزوج، او من يقوم مقامه، بلفظ مخصوص، وفق المادة (104).

المادة 98
أ- الطلاق نوعان: رجعي وبائن.
ب- الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية قبل مضي العدة.
جـ- والطلاق البائن يزيل الزوجية في الحال.

المادة 99
فسخ الزواج هو نقض عقده، عند عدم لزومه، او حيث يمتنع بقاؤه شرعا، وهو لا ينقص عدد الطلقات.

المادة 100
أ- يتوقف الفسخ في جميع الاحوال على قضاء القاضي، ولا يثبت له حكم قبل القضاء.
ب- ولكن اذا كان سبب الفسخ يجعل المرأة محرمة على الرجل، وجبت الحيلولة بين الزوجين من وقت وجود موجب الفسخ حتى حكم القاضي.

المادة 101
أ- فسخ الزواج بعد الدخول او الخلوة الصحيحة يوجب للمرأة من المهر المسمى او من مهر المثل عند عدم التسمية مقدارا مناسبا بحسب بكارة المرأة او ثيوبتها والمدة التي قضتها مع الزوج قبل الفسخ.
ب- اذا كان الفسخ بعد الدخول او الخلوة الصحيحة بسبب ارتداد الزوج عن الاسلام استحقت الزوجة جميع المهر.

———————
الباب الثاني
الفرقة بالارادة
الفصل الاول
الطلاق

المادة 102
يقع طلاق كل زوج عاقل، بالغ، مختار، واع لما يقول، فلا يقع طلاق المجنون، والمعتوه، والمكره، والمخطئ، والسكران، والمدهوش، والغضبان اذا غلب الخلل في اقواله وافعاله.

المادة 103
لا يقع الطلاق على الزوجة الا اذا كانت في زواج صحيح، وغير معتدة.

المادة 104

أ- يقع الطلاق باللفظ الصريح فيه عرفا، ولا يقع بلفظ الكتابة الا بالنية.
ب- ويقع بالكتابة عند العجز عن النطق به.
جـ- ويقع بالاشارة المفهمة عند العجز عن النطق والكتابة.

المادة 105
يشترط في الطلاق ان يكون منجزا.

المادة 106
للزوج ان يوكل غيره بالطلاق، وليس للوكيل ان يوكل غيره الا باذن الزوج، وتنتهي الوكالة بالعزل، بشرط علم الوكيل.

المادة 107
يملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات.

المادة 108
اذا تزوجت المطلقة بآخر انهدم بالدخول طلقات الزوج السابق، ولو كانت دون الثلاث، فاذا عادت اليه ملك عليها ثلاثا جديدة.

المادة 109
الطلاق المقترن بعدد لفظا او اشارة او كتابة لا يقع الا واحدة.

المادة 110
كل طلاق يقع رجعيا الا الطلاق قبل الدخول، والطلاق على بدل، والطلاق المكمل للثلاث، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون.

——————
الفصل الثاني
الخلع

المادة 111
أ- الخلع هو طلاق الزوج زوجته نظير عوض تراضيا عليه، بلفظ الخلع، او الطلاق او المبارأة، او ما في معناها.
ب- ولا يملك الخلع غير الزوجين، او من يوكلانه.

المادة 112
يشترط لصحة المخالعة اهلية الزوجين لايقاع الطلاق، وفق هذا القانون.

المادة 113
لكل من الطرفين الرجوع عن ايجابه في المخالعة قبل قبول الآخر.

المادة 114
كل ما صح التزامه شرعا صلح ان يكون عوضا في الخلع.

المادة 115
يجب العوض المتفق عليه في الخلع، ولا يسقط به شيء لم يجعل عوضا عنه.

المادة 116
يشترط لاستحقاق الزوج ما خولع عليه، ان يكون خلع الزوجة اختيارا منها، دون اكراه، او ضرر.

المادة 117
أ- اذا اشترط في المخالعة ان تقوم الام بارضاع الولد، او حضانته دون اجر، او بالانفاق عليه مدة معينة، فلم تقم بما التزمت به، كان للأب ان يرجع بما يعادل نفقة الولد، او اجرة رضاعه، او حضانته.
ب- واذا كانت الام معسرة يجبر الاب على نفقة الولد، وتكون دينا عليها.

المادة 118
اذا اشترط الاب في المخالعة امساك الولد عنده مدة الحضانة، صح الخلع، وبطل الشرط، وكان للحاضنة اخذ الولد، ويلزم ابوه بنفقته، واجرة حضانته.

المادة 119
يصح خلع المريضة مرض الموت، ويعتبر العوض من ثلث ما لها عند عدم اجازة الورثة.
فان ماتت وهي في العدة، فللمخالع الاقل من ميراثها، ومن العوض، ومن ثلث المال.
وان ماتت بعد العدة، او قبل الدخول، فله الاقل من العوض، ومن ثلث المال.

———————-
الباب الثالث
الفرقة بالقضاء
الفصل الاول
التطليق لعدم الانفاق

المادة 120
أ- اذا امتنع الزوج الحاضر عن الانفاق على زوجته، وليس له مال ظاهر، ولم يثبت اعساره، فلزوجته طلب التطليق، ويطلق القاضي عليه في الحال وله ان يتوقى التطليق بدفع نفقتها الواجبة من تاريخ رفع الدعوى.
ب- اذا اثبت الزوج اعساره، او كان غائبا في مكان معلوم او محبوسا، وليس له مال ظاهر، امهله القاضي مدة لا تقل عن شهر، ولا تجاوز ثلاثة اشهر، مضافا اليها المواعيد المقررة للمسافة، ليؤدي النفقة المذكورة، فان لم ينفق طلقها عليه.
جـ- اذا كان الزوج غائبا في مكان مجهول، او مفقودا، وليس له مال ظاهر، طلق عليه القاضي بلا امهال.

المادة 121
تطليق القاضي بعدم الانفاق يقع رجعيا.
وللزوج ان يراجع زوجته في العدة اذا اثبت للمحكمة ايساره بحيث يقدر على مداومة نفقتها، واستعد للانفاق.

المادة 122
اذا تكرر رفع الدعوى لعدم الانفاق اكثر من مرتين وطلبت الزوجة التطليق لضرر طلقها القاضي عليه بائنا.

————————–
الفصل الثاني
التطليق للايلاء

المادة 123
اذا حلف الزوج على ما يفيد ترك مسيس زوجته مدة اربعة اشهر فأكثر،أو دون تحديد مدة، واستمر على يمينه حتى مضت اربعة اشهر، طلقها عليه القاضي طلقة رجعية بطلبها.

المادة 124
اذا استعد الزوج للفيء قبل التطليق، اجله القاضي مدة مناسبة، فان لم يفىء طلق عليه.

المادة 125
يشترط لصحة الرجعية في التطليق للايلاء ان تكون بالفيء فعلا في اثناء العدة، الا ان يوجد عذر فتصح بالقول.

———————–
الفصل الثالث
التفريق للضرر

المادة 126
لكل من الزوجين قبل الدخول او بعده، ان يطلب التفريق، بسبب اضرار الآخر به قولا او فعلا، بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين امثالهما.

المادة 127
على المحكمة ان تبذل وسعها للإصلاح بين الزوجين، فإذا تعذر الإصلاح وثبت الضرر، حكمت بالتفريق بينهما بطلقة بائنة، وإن لم يثبت الضرر عينت حكمين للتوفيق او التفريق.

المادة 128
يشترط في الحكمين: ان يكونا عدلين من اهل الزوجين ان امكن، والا فمن غيرهم ممن يتوافر فيهم حسن التفهم، والقدرة على الاصلاح.

المادة 129
على الحكمين ان يتعرفا اسباب الشقاق، ويبذلا جهدهما في الاصلاح بين الزوجين بأي طريقة ممكنة.

المادة 130
اذا عجز الحكمان عن الاصلاح:
أ- فان تبين ان الاساءة كلها من الزوج، وكانت الزوجة طالبة للتفريق اقترح الحكمان التفريق، والزامه جميع الحقوق المترتبة على الزواج والطلاق.
وان كان الزوج طالبا للتفريق، اقترح الحكمان رفض دعواه.
ب- وان كانت الاساءة كلها من الزوجة، اقترحا التفريق بين الزوجين، نظير رد ما قبضته من المهر، وسقوط جميع حقوقها المالية المترتبة على الزواج والطلاق.
جـ- وان كانت الاساءة مشتركة اقترحا التفريق دون عوض او بعوض يتناسب مع الاساءة.
د- وان لم يعرف المسيء من الزوجين، فان كان طالب التفريق هو الزوج اقترحا رفض دعواه، وان كانت الزوجة هي الطالبة، او كان كل منها يطلب التفريق، اقترح الحكمان التفريق دون عوض.
هـ- التفريق للضرر يقع طلقة بائنة.

المادة 131
أ- على الحكمين ان يرفعا الى المحكمة تقريرهما مفصلا، وللقاضي ان يحكم بمقتضاه، اذا كان موافقا لاحكام المادة السابقة.
ب- واذا اختلف الحكمان، ضمت المحكمة اليهما حكما ثالثا مرجحا من غير اهل الزوجين، قادرا على الاصلاح.

المادة 132
أ- يرفع المحكمون الثلاثة تقريرهم بالاتفاق، او بالاكثرية الى المحكمة، لتفصل في الدعوى، وفق المادة (130).
ب- واذا تفرقت آراؤهم، او لم يقدموا تقريرا، سارت المحكمة في الدعوى بالاجراءات العادية.

المادة 133
يثبت الضرر بشهادة رجلين، او رجل وامرأتين.

المادة 134
يكفي في اثبات الضرر الشهادة بالتسامع المبني على الشهرة في نطاق حياة الزوجين، ولا تقبل هذه الشهادة على نفي الضرر.

المادة 135
تقبل شهادة القريب، ومن له صلة بالمشهود له، متى كانوا اهلا للشهادة.

———————–
الفصل الرابع
التفريق للغيبة او الحبس

المادة 136
اذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول، جاز لزوجته ان تطلب تطليقها، اذا تضررت من غيبته، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه.

المادة 137
أ- ان امكن اعلان الغائب ضرب له القاضي اجلا، واعذر اليه بأنه يطلقها عليه، ان لم يحضر للاقامة معها، او ينقلها اليه، او يطلقها، فاذا انقضى الاجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا، فرق القاضي بتطليقه بائنة.
ب- وان لم يمكن اعلان الغائب، فرق القاضي بلا اعذار ولا اجل.

المادة 138
اذا حبس الزوج، تنفيذا لحكم نهائي بعقوبة مقيدة للحرية، مدة ثلاث سنين فأكثر، جاز لزوجته ان تطلب التطليق عليه بائنا بعد مضي سنة من حبسه، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه.

——————–
الفصل الخامس
الفسخ للعيب

المادة 139
لكل من الزوجين ان يطلب فسخ الزواج اذا وجد في الآخر عيبا مستحكما من العيوب المنفرة او المضرة، او التي تحول دون الاستمتاع سواء اكان العيب موجودا قبل العقد ام حدث بعده.
ويسقط حق كل منهما في الفسخ اذا علم بالعيب قبل العقد، او رضي به صراحة بعده.

المادة 140
استثناء من المادة السابقة لا يسقط حق الزوجة في طلب الفسخ، بسبب عيوب الرجل التي تحول دون الاستمتاع، كالعنة، اصلية او طارئة، ولو رضيت بها صراحة.

المادة 141
اذا كانت العيوب المذكورة غير قابلة للزوال تفسخ المحكمة الزواج في الحال وان كان زوالها ممكنا تؤجل القضية مدة مناسبة فاذا لم يزل العيب خلالها، واصر طالب الفسخ، حكمت به المحكمة.

المادة 142
يستعان بأهل الخبرة من الاطباء المسلمين في تحديد المدة المناسبة وفي معرفة العيوب التي يطلب الفسخ بسببها.

———————–
الفصل السادس
الفسخ لاختلا�� الدين

المادة 143
أ- اذا كان الزوجان غير مسلمين، وأسلما معا، فزواجهما باق.
ب- واذا اسلم الزوج وحده وزوجته كتابية، فالزواج باق، وان كانت غير كتابية، عرض عليها الاسلام، فان اسلمت او صارت كتابية، بقي الزواج، وان ابت فسخ الزواج.
جـ – واذا اسلمت الزوجة وحدها يعرض الاسلام على الزوج، ان كان اهلا للعرض فان اسلم بقي الزواج، وان ابى فسخ الزواج.
وان لم يكن اهلا للعرض فسخ الزواج في الحال، ان كان اسلامها قبل الدخول، وبعد انقضاء العدة ان اسلمت بعد الدخول.

المادة 144
أ- يشترط لبقاء الزوجية في الاحوال السابقة، الا يكون بين الزوجين سبب من أسباب التحريم المبينة في هذا القانون.
ب- في جميع الاحوال لا يجوز البحث في صدق من يعلن اسلامه، ولا في الباعث على اعتناق الاسلام.

المادة 145
أ- اذا ارتد الزوج فسخ الزواج، لكن اذا وقعت الرده بعد الدخول، وعاد الى الاسلام خلال العدة، لغا الفسخ، وعادت الزوجية.
ب- واذا ارتدت الزوجة فلا يفسخ الزواج.

————————-
الفصل السابع
المفقود

المادة 146
يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد اربع سنين من تاريخ فقده. وفي جميع الاحوال الاخرى يفوض امر المدة الى القاضي وذلك بعد التحري عنه لمعرفة ان كان حيا او ميتا.

المادة 147
بعد الحكم بموت المفقود تعتد زوجته عدة الوفاة من وقت صدور الحكم.

المادة 148
اذا جاء المفقود، او تبين انه حي، فزوجته له ما لم يدخل بها الزوج الثاني، غير عالم بحياة الاول، والا كانت للثاني، ما لم يكن عقده في عدة وفاة الاول.

————————
الباب الرابع
آثار فرق الزواج
الفصل الاول
آثارها في الزوجية

المادة 149
للزوج ان يراجع مطلقته رجعيا ما دامت في العدة، بالقول او بالفعل، ولا يسقط هذا الحق بالاسقاط.

المادة 150
1) يشترط في الرجعة بالقول:
أ- ان تكون منجزة.
ب- ان تكون بحضرة شاهدين: رجلين او رجل وامرأتين او باشهاد رسمي.
جـ- ان تعلم بها الزوجة.
2) وتعتبر الكتابة من الرجعة بالقول.

المادة 151
اذا ادعى المطلق بقاء حقه في الرجعة لقيام العدة بالحيض، وانكرت المطلقة ذلك، صدقت بيمينها، ان كانت المدة تحتمل انقضاء العدة.

المادة 152
تبين المطلقة رجعيا بانقضاء العدة دون مراجعتها.

المادة 153
للمطلق ان يتزوج مطلقته بائنا بينونة صغرى في العدة او بعدها، بعقد ومهر جديدين.

المادة 154
الطلاق البائن بينونة كبرى يمنع الزواج، ما لم تتوافر الشرائط المذكورة في المادة (22).

————————
الفصل الثاني
العدة
الفرع الاول
احكامها العامة

المادة 155
تجب العدة على المرأة:
أ- بالفرقة بعد الدخول او الخلوة، صحيحة او فاسدة لمانع شرعي في الزواج الصحيح، وبعد الدخول في الزواج الفاسد.
ب- بوفاة الزوج في زواج صحيح.
جـ- بالدخول بشبهة.

المادة 156
تبدأ العدة:
أ- في الزواج الصحيح من تاريخ وقوع الطلاق، او وفاة الزوج.
ب- في الزواج الفاسد من تاريخ المتاركة، او وفاة الرجل.
ج- في الدخول بشبهة من تاريخ آخر مسيس.
د- في التفريق القضائي من تاريخ الحكم النهائي به.

المادة 157
أ- تتربص المتوفي عنها زوجها في زواج صحيح اربعة اشهر وعشرة ايام منذ وفاته، ان لم تكن حاملا.
ب- عدة الحامل تنقضي بوضع حملها، او سقوطه مستبينا بعض اعضائه.
جـ- عدة غير الحامل، في غير حالة الوفاة:
1- ثلاث حيضات كوامل في مدة لا تقل عن ستين يوما لذوات الحيض.
2- تسعون يوما لمن لم تر الحيض اصلا، او بلغت سن اليأس، وانقطع حيضها، فان جاءها الحيض قبل انقضائها، استؤنفت العدة بثلاث حيضات.
3- تسعون يوما لممتدة الدم، ان لم تكن لها عادة معروفة، فان كان لها عادة تذكرها اتبعتها في حساب العدة.
4- اقل الاجلين من ثلاث حيضات، او سنة لمن انقطع حيضها قبل سن اليأس.
5- أبعد الاجلين من عدة الطلاق، او عدة الوفاة للمبانة بطلاق الفرار من الارث، اذا توفي مطلقها قبل تمام عدتها.

المادة 158
أ- اذا توفي زوج المطلقة رجعيا اثناء عدتها، تستأنف عدة الوفاة بتربص اربعة اشهر وعشرة ايام منذ وفاته.
ب- في البينونة من طلاق، او فسخ، اذا توفي الرجل اثناء العدة، تتم المرأة عدتها، ولا تنتقل الى عدة الوفاة، وذلك مع مراعاة حكم الحالة (5) في الفقرة (ج) بالمادة السابقة.
جـ- المدخول بها بشبهة في عقد فاسد، او دون عقد، اذا توفي عنها الرجل، فعدتها عدة الفرقة لا عدة الوفاة.

المادة 159
المرأة التي بانت من زوجها بعد الدخول، اذا تزوجها اثناء العدة، ثم طلقها قبل دخول جديد، تتم عدتها السابقة.

المادة 160
في جميع الاحوال لا تزيد العدة على سنة واحدة.

———————–
الفرع الثاني
آثار العدة

المادة 161
أ- على المعتدة من طلاق رجعي ان تقضي عدتها في بيت الزوجية الا عند الضرورة، فتنتقل الى البيت الذي يعينه القاضي.
ب- وتعتبر ناشزة اذا خرجت من البيت بغير مسوغ.

المادة 162
تجب النفقة للمعتدة من طلاق، او فسخ، او من دخول في زواج فاسد، او بشبهة.

المادة 163
تعتبر نفقة العدة دينا في ذمة الرجل من تاريخ وجوبها، ولا تسقط الا بالاداء او الابراء، ويراعى في فرضها حالة يسرا وعسرا.

المادة 164
لا نفقة لمعتدة من وفاة، ولو كانت حاملا.

—————————-
الفصل الثالث
التعويض بسبب الفرقة

المادة 165
أ- اذا انحل الزواج الصحيح بعد الدخول تستحق الزوجة- سوى نفقة عدتها – متعة تقدر بما لا يجاوز نفقة سنة، حسب حال الزوج، تؤدي اليها على اقساط شهرية، اثر انتهاء عدتها، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك في المقدار أو الاداء.
ب- يستثنى من حكم الفقرة السابقة:
1) التطليق لعدم الانفاق بسبب اعسار الزوج.
2) التفريق للضرر اذا كان بسبب من الزوجة.
3) الطلاق برضا الزوجة.
4) فسخ الزواج بطلب من الزوجة.
5) وفاة احد الزوجين.

————————–
الكتاب الثالث
الولادة وآثارها
الباب الاول
ثبوت النسب
الفصل الاول
احكام عامة

المادة 166
اقل مدة الحمل ستة اشهر قمرية، واثرها خمسة وستون وثلاثمائة يوم.

المادة 167
لا يثبت النسب بالتبني، ولو كان الولد المتبنى مجهول النسب.

المادة 168
لا يثبت النسب من الرجل اذا ثبت انه غير مخصب، او لا يمكن ان يأتي منه الولد لمانع خلقي او مرضي، وللمحكمة عند النزاع في ذلك ان تستعين بأهل الخبرة من المسلمين.

—————————-
الفصل الثاني
النسب في الزواج الصحيح

المادة 169
أ- ينسب ولد كل زوجة في الزواج الصحيح الى زوجها بشرطين:
1) مضي اقل مدة الحمل على عقد الزواج.
2) الا يثبت انتفاء امكان التلاقي بين الزوجين بمانع حسي من تاريخ العقد الى الولادة، او حدث بعد الزواج واستمر اكثر من خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
فاذا زال المانع، يشترط انقضاء اقل مدة الحمل من تاريخ الزوال.
ب- اذا انتفى احد هذين الشرطين لا يثبت النسب الا باقرار الزوج.

المادة 170
أ- اذا ولدت المعتدة رجعيا في اثناء عدتها ثبت النسب من المطلق.
ب- وان ولدت بعد انقضاء عدتها بمضي المدة او باقرارها بالانقضاء لا يثبت النسب الا اذا ولدت قبل مضي ستة اشهر قمرية من تاريخ اعتبار العدة منقضية.
وتكون الولادة حينئذ دليل الرجعة، واستمرار الزوجية.

المادة 171
أ- معتدة البائن او الوفاة اذا لم تقر بانقضاء عدتها، يثبت نسب ولدها اذا جاءت به خلال سنة، خمسة وستين وثلاثمائة يوم من تاريخ البينونة او الوفاة.
ب- ومع مراعاة احكام الاقرار بالنسب اذا جاءت به لاكثر من هذه المدة لا يثبت نسبه.
جـ- واذا اقرت بانقضاء عدتها في مدة تحتمله، يثبت النسب اذا ولدت لاقل من ستة اشهر قمرية من وقت اقرارها، ولاقل من خمسة وستين وثلاثمائة يوم من وقت البينونة او الوفاة.

————————-
الفصل الثالث
النسب في الزواج الفاسد والدخول بشبهة

المادة 172
أ- يثبت نسب الولد من الرجل في الزواج الفاسد، أو الدخول بشبهة اذا ولد لستة اشهر قمرية فأكثر من تاريخ الدخول الحقيقي.
ب- واذا ولد بعد المتاركة او التفريق لا يثبت نسبه الا اذا كانت الولادة قبل مضي خمسة وستين وثلاثمائة يوم من تاريخ المتاركة او التفريق.

—————————
الفصل الرابع
الاقرار بالنسب

المادة 173
أ- اقرار الرجل ببنوة مجهول النسب، ولو في مرض الموت، يثبت به النسب ان لم يكذبه العقل او العادة، ولم يقل انه من الزنى، ولا يشترط تصديق المقر له الا اذا كان مكلفا.
ب- واقرار مجهول النسب بأبوة رجل له يثبت به النسب، متى توافرت الشروط المذكورة في الفقرة السابقة.

المادة 174
أ- يثبت نسب الولد من الام باقرارها، متى توافرت شروط اقرار الرجل بالولد، ولم تكن متزوجة، او معتدة وقت ولادته.
ب- ويثبت نسبه من الام باقراره اذا توافرت الشروط الواردة في الفقرة السابقة.

المادة 175
الاقرار بما فيه تحميل النسب على الغير لا يثبت به النسب.

—————————
الباب الثاني
نفي النسب (اللعان)

المادة 176
في الاحوال التي يثبت فيها نسب الولد بالفراش في زواج صحيح قائم او منحل، او بالدخول في زواج فاسد او بشبهة، يجوز للرجل ان ينفي عنه نسب الولد خلال سبعة ايام من وقت الولادة او العلم بها، بشرط الا يكون قد اعترف بالنسب صراحة او ضمنا.

المادة 177
يجب ان تتخذ اجراءات دعوى اللعان خلال خمسة عشر يوما من وقت الولادة، او العلم بها.

المادة 178
اذا جرى اللعان بين الرجل والمرأة، نفى القاضي نسب الولد عن الرجل، ولا تجب نفقته عليه، ولا يرث احدهما الآخر، والحق الولد بأمه.

المادة 179
اذا اعترف الرجل بما يفيد كذبه في الاتهام، ونفي النسب، لزمه نسب الولد، ولو بعد الحكم بنفيه، وجاز له ان يتزوج المرأة.

المادة 180
الفرقة باللعان فسخ.

—————————-
الباب الثالث
دعوى النسب

المادة 181
من تاريخ العمل بهذا القانون:
لا تسمع دعوى الاقرار بالنسب عند الانكار الا اذ�� كان الاقرار ثابتا بورقة رسمية، او عرفية، مكتوبة كلها بخط المقر، وعليها توقيعه، او كان مصدقا على التوقيع عليها.

المادة 182
يشترط لصحة دعوى النسب ان تكون مشتملة على سببه.

المادة 183
الخصم في دعوى النسب هو صاحب الحق فيه، او من يتوقف حقه على اثباته.

المادة 184
أ- يغتفر التناقض في دعوى البنوة والابوة، ولا يغتفر فيما عداهما.
ب- يرفع التناقض بالتوفيق الفعلي، او بتصديق الخصم، او بتكذيبه بقضاء القاضي.

المادة 185
الحكم الصادر في النسب لا يكون حجة الا على من كان طرفا في الخصومة فيه.

—————————–
الباب الرابع
الرضاع

المادة 186
يجب على الام ارضاع ولدها ان لم يمكن تغذيته من غير لبنها.

المادة 187
اجرة الرضاع تستحق من وقت الارضاع، ولا تسقط الا بالاداء او الابراء.
المادة 188
أ- لا تستحق الام اجرة ارضاع حال قيام الزوجية، او في عدة للاب، تستحق فيها نفقة.
ب- لا تستحق اجرة الارضاع لاكثر من حولين من وقت الولادة.

—————————-
الباب الخامس
الحضانة

المادة 189
أ- حق الحضانة للام، ثم لامها وان علت، ثم للخالة، ثم خالة الام، ثم عمة الام، ثم الجدة لأب، ثم الاب، ثم الاخت، ثم العمة، ثم عمة الاب، ثم خالة الأب، ثم بنت الاخ، ثم بنت الاخت، بتقديم الشقيق، ثم لأم، ثم لأب في الجميع.
ب- اذا لم يوجد مستحق للحضانة من هؤلاء، انتقل الحق في الحضانة الى الوصي المختار، ثم الاخ، ثم الجد العاصب، ثم الجد الرحمي، ثم ابن الاخ، ثم العم، ثم ابنه، بتقديم الشقيق، ثم لأم، ثم لأب، متى امكن ذلك.
جـ- اذا تساوى المستحقون للحضانة اختار القاضي الاصلح منهم للمحضون.

المادة 190
أ- يشترط في مستحق الحضانة: البلوغ، والعقل، والامانة، والقدرة على تربية المحضون، وصيانته صحيا، وخلقيا.
ب- ويشترط في الحاضن ان يكون محرما للانثى، وعنده من يصلح للحضانة من النساء.

المادة 191
أ- اذا تزوجت الحاضنة بغير محرم للمحضون، ودخل بها الزوج، تسقط حضانتها.
ب- سكوت من له الحق في الحضانة مدة سنة – بلا عذر – بعد علمه بالدخول، يسقط حقه في الحضانة وادعاء الجهل بهذا الحكم لا يعد عذرا.

المادة 192
الحاضنة غير المسلمة تستحق حضانة الولد المسلم، حتى يعقل الاديان، او يخشى عليه ان يألف غير الاسلام، وان لم يعقل الاديان.
وفي جميع الاحوال لا يجوز ابقاء المحضون عند هذه الحاضنة بعد بلوغ السابعة من عمره.

المادة 193
لا يسقط حق الحضانة بالاسقاط، وانما يمتنع بموانعه، ويعود بزوالها.

المادة 194
تنتهي حضانة النساء للغلام بالبلوغ، وللانثى بزواجها، ودخول الزوج بها.

المادة 195
أ- ليس للحاضنة ان تسافر بالمحضون الى دولة اخرى للاقامة الا باذن وليه، او وصيه.
ب- ليس للولي ابا كان او غيره ان يسافر بالمحضون سفر اقامة في مدة حضانته الا باذن حاضنته.

المادة 196
أ- حق الرؤية للابوين وللأجداد فقط.
ب- وليس للحاضن ان يمنع احد هؤلاء من رؤية المحضون.
جـ- وفي حالة المنع، وعدم الرغبة في الذهاب لرؤية الولد عند الآخر، يعين القاضي موعدا دوريا، ومكانا مناسبا لرؤية الولد يتمكن فيه بقية اهله من رؤيته.

المادة 197
للحاضنة قبض نفقة المحضون، ومنها اجرة سكناه.

المادة 198
يجب على من يلزم بنفقة المحضون اجرة مسكن حضانته، الا اذا كانت الحاضنة تملك مسكنا تقيم فيه، او مخصصا لسكناها.

المادة 199
أ- لا تستحق الحاضنة اجرة حضانة، اذا كانت زوجة للأب، او معتدة تستحق في عدتها نفقة منه، او في اثناء مدة المتعة المحكوم بها للحاضنة على ابي الصغير.
ب- تجب للحاضنة اجرة حضانة حتى يبلغ الصغير سبع سنين، والصغيرة تسعا.

——————————
الباب السادس
نفقة الاقارب

المادة 200
لا نفقة للاقارب سوى الاصول وان علوا، والفروع وان نزلوا.

المادة 201
تجب على الولد الموسر، ذكرا كان او انثى نفقة والديه، واجداده، وجداته الفقراء، وان خالفوه في الدين، او كانوا قادرين على الكسب.
وعند تعدد الاولاد تكون النفقة عليه بحسب يسارهم.

المادة 202
يجب على الاب الموسر وان علا نفقة ولده الفقير، العاجز عن الكسب وان نزل، حتى يستغني.

المادة 203
أ- اذا كان الاب معسرا، والام موسرة، تجب عليها نفقة ولدها، وتكون دينا على الاب، ترجع به عليه، اذا ايسر، وكذلك اذا كان الأب غائبا، ولا يمكن استيفاء النفقة منه.
ب- اذا كان الاب والام معسرين، وجبت النفقة على من تلزمه، لولا الابوان، وتكون دينا على الاب، يرجع به المنفق على الاب اذا ايسر.

المادة 204
اذا تعدد المستحقون للنفقة، ولم يكن في يسار من تجب عليه النفقة ما يكفي جميعهم، قدمت نفقة الزوجة، ثم اولاده، ثم الام، ثم الاب.

المادة 205
تستحق النفقة من تاريخ رفع الدعوى، او التراضي عليها، وتعتبر دينا في ذمة من وجبت عليه، لا يسقط الا بالاداء او الابراء.

المادة 206
لا تجري المقاصة بين نفقة الولد المستحقة على ابيه، ودين الاب على الحاضنة.

المادة 207
يسري على نفقة الاقارب حكم المادة (79) من هذا القانون.

———————
الباب السابع
الولاية على النفس

المادة 208
مع مراعاة احكام المواد:29-33.
يخضع للولاية على النفس الصغير والصغيرة الى ان يبلغا شرعا، او يتما الخامسة عشرة من العمر، عاقلين، كما يخضع لها البالغ المجنون، او المعتوه، ذكرا، او انثى.

المادة 209
أ- الولاية على النفس للأب، ثم للجد العاصب، ثم للعاصب بنفسه حسب ترتيب الارث، بشرط ان يكون محرما.
ب- عند تعدد المستحقين للولاية، واستوائهم، تختار المحكمة اصلحهم.
جـ- فان لم يوجد مستحق، عينت المحكمة الصالح من غيرهم.

المادة 210
مع مراعاة احكام الحضانة:
يقوم الولي على النفس بالاشراف على شئون المحضون وحفظه، وتربيته، وتعليمه واعداده اعدادا صالحا.

المادة 211
أ- يشترط في الولي ان يكون امينا على القاصر، قادرا على تدبير شئونه، متحدا معه في الدين.
ب- اذا فقد الولي احد هذه الشروط سلبت ولايته.

المادة 212
في حالة عدم تعيين ولي على القاصر، او سلب الولاية، تعهد المحكمة بالقاصر الى امين، او جهة خيرية، حتى يفصل في موضوع الولاية.

———————
القسم الثاني
الوصية
الباب الاول
احكام عامة
الفصل الاول

تعريف الوصية، وركنها، وشرائطها
المادة 213
الوصية تصرف في التركة، مضاف الى ما بعد الموت.

المادة 214
تنعقد الوصية بالعبارة او الكتابة، فاذا كان الموصي عاجزا عنهما انعقدت باشارته المفهمة، ولا تسمع عند الانكار في الحوادث الواقعة من تاريخ العمل بهذا القانون دعوى الوصية، او الرجوع القولي عنها بعد وفاة الموصي الا اذا وجدت اوراق رسمية، او عرفية مكتوبة بخطه، عليها ختمه، او امضاؤه او بصمته، تدل على ما ذكر، او كانت ورقة الوصية او الرجوع عنها مصدقا على توقيع الموصي عليها.
ويجوز في حالة الضرورة اثبات الوصية اللفظية بشهادة شاهدين عدلين حضراها.

المادة 215
يشترط في صحة الوصية الا تكون بمعصية، والا يكون الباعث عليها منافيا لمقاصد الشارع.
واذا كان الموصي غير مسلم صحت الوصية الا اذا كانت محرمة في الشريعة الاسلامية.

المادة 216
أ- تصح اضافة الوصية الى المستقبل، او تعليقها على الشرط، او تقييدها به اذا كان الشرط صحيحا.
ب- الشرط الصحيح ما كان فيه مصلحة مشروعة للموصي او للموصى له، او لغيرهما، ولم يكن منهيا عنه، ولا منافيا لمقاصد الشريعة، وتجب مراعاته، ما دامت المصلحة المقصودة به متحققة او غالبة.
جـ- اذا علقت الوصية على شرط غير صحيح كانت باطلة.
د- اذا قيدت الوصية بشرط غير صحيح، صحت الوصية، ولغا الشرط.

المادة 217
أ- يشترط في الموصي ان يكون اهلا للتبرع قانونا.
ب- اذا كان الموصي محجورا عليه لسفه او غفلة، او بلغ من العمر ثماني عشر سنة وجازت وصيته باذن من المحكمة او اجازتها.
جـ- الوصية الصادرة من المحجور عليه قبل الحجر للسفه او للغفلة لا يحتاج استمرارها الى اذن.
– وصية المرتد والمرتدة نافذة اذا عادا الى الاسلام.

المادة 218
يشترط في الموصي له:
1- ان يكون معلوما.
2- ان يكون موجودا عند الوصية ان كان معينا.
فإن لم يكن معينا لا يشترط ان يكون موجودا عند الوصية، ولا وقت موت الموصي، وذلك مع مراعاة ما نص عليه في المادة (279).

المادة 219
أ- تصح الوصية لله تعالى، ولاعمال البر، بدون تعيين جهة وتصرف في وجوه الخير،
ب- تصح الوصية للمساجد، والمؤسسات الخيرية، وغيرها من جهات البر، وللمؤسسات العلمية، والمصالح العامة وتصرف على ادارتها وعمارتها، ومصالحها، وفقرائها، وغير ذلك من شئونها، ما لم يتعين المصرف بعرف او دلالة.

المادة 220
تصح الوصية لجهة معينة من جهات البر ستوجد مستقبلا، فان تعذر وجودها صرفت الوصية الى اقرب مجانس لتلك الجهة.

المادة 221
تصح الوصية مع اختلاف الدين والملة، ومع اختلاف الدارين، ما لم يكن الموصي تابعا لبلد اسلامي، والموصي له غير مسلم تابع لبلد غير اسلامي، تمنع شريعته من الوصية لمثل الموصي.

المادة 222
يشترط في الموصى به:
1- ان يكون مما يجري فيه الارث، او يصح ان يكون محلا للتعاقد حال حياة الموصى.
2- ان يكون متقوما عند الموصي والموصى له ان كان مالا.
3- ان يكون موجودا عند الوصية في ملك الموصي ان كان معينا بالذات، مع مراعاة الفقرة (أ) من المادة 216.

المادة 223
تصح الوصية بالخلو، وبالحقوق التي تنتقل بالارث، ومنها حق المنفعة بالعين المستأجرة بعد وفاة المستأجر.

المادة 224
تصح الوصية باقراض الموصى له قدرا معلوما من المال. ولا تنفذ فيما زاد على هذا المقدار على ثلث التركة الا باجازة الورثة.

المادة 225
أ- تصح الوصية بقسمة اعيان التركة على ورثة الموصي، بحيث يختص كل وارث، او بعض الورثة بجزء عينه له الموصي من التركة، معادل لنصيبه الارثي.
ب- ان زاد ما خصص لبعضهم عن حصته الارثية، ك��نت الزيادة وصية.

———————–
الفصل الثاني
بطلان الوصية والرجوع عنها

المادة 226
تبطل الوصية:
أ- بموت الموصى له قبل موت الموصي.
ب- بهلاك الموصى به المعين قبل قبول الموصى له.

المادة 227
يمنع من استحقاق الوصية الاختيارية او الوصية الواجبة قتل الموصي او المورث عمدا، سواء أكان القاتل فاعلا اصلها، ام شريكا، او كان شاهد زور، ادت شهادته الى الحكم بالاعدام على الموصي، وتنفيذه، وذلك اذا كان القتل بلا حق، وبلا عذر، وكان القاتل مسئولا جنائيا، ويعد من الاعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي.

المادة 228
يجوز للموصي الرجوع عن الوصية كلها او بعضها صراحة او دلالة.
ويعتبر رجوعا عن الوصية كل فعل او تصرف يدل بقرينه او عرض على الرجوع عنها.
ومن الرجوع دلالة كل تصرف يزيل ملك الموصي عن الموصى به.

المادة 229
لا يعتبر رجوعا عن الوصية جحدها، ولا ازالة بناء العين الموصي بها، ولا الفعل الذي يزيل اسم الموصي به او بغير معظم صفاته، ولا الفعل الذي يوجب فيه زيادة لا يمكن تسليمه الا بها، ما لم تدل قرينة او عرف على ان الموصي يقصد بذلك الرجوع عن الوصية.

—————
الفصل الثالث
قبول الوصية وردها

المادة 230
تلزم الوصية بقبولها من الموصي له صراحة او دلالة بعد وفاة الموصي، فاذا كان الموصي له جنيناً، او قاصرا، او محجورا عليه يكون قبول الوصية وردها ممن له الولاية على ماله، ويكون له ردها بعد اذن المحكمة.
ويكون القبول عن الجهات والمؤسسات والمنشآت ممن يمثلها قانوناً. فان لم يكن لها من يمثلها، لزمت الوصية بدون توقف على القبول.

المادة 231
اذا مات الموصى له قبل قبول الوصية وردها، قام ورثته مقامه في ذلك.

المادة 232
لا يشترط في القبول، ولا في الرد ان يكون فور الموت، ومع ذلك تبطل الوصية اذا ابلغ الوارث، او من له تنفيذ الوصية الموصى له باعلان رسمي مشتمل على بيان كاف عن الوصية، وطلب منه قبولها او ردها، ومضى على علمه بذلك ثلاثون يوما كاملة، خلاف مواعيد المسافة القانونية، ولم يجب بالقبول او الرد كتابة، دون ان يكون له عذر مقبول.

المادة 233
أ- اذا قبل الموصى له بعض الوصية، ورد البعض الآخر لزمت الوصية فيما قبل، وبطلت فيما رد.
ب- اذا تعدد الموصى لهم فقبل بعضهم، ورد البعض الآخر لزمت في نصيب من قبل، وبطلت في نصيب من رد.

المادة 234
أ- لا تبطل الوصية بردها قبل موت الموصي.
ب- اذا رد الموصى له الوصية كلها او بعضها بعد الموت وقبل القبول بطلت فيما رد.
جـ- واذا ردها كلها او بعضها بعد الموت والقبول، وقبل منه ذلك احد من الورثة، انفسخت الوصية، وان لم يقبل منه ذلك احد منهم بطل رده.

المادة 235
أ- اذا كان الموصى له موجودا عند موت الموصى، استحق الموصى به من حين الموت، ما لم يفد نص الوصية ثبوت الاستحقاق في وقت معين بعد الموت.
ب- تكون للموصى له زوائد الموصى به من حين الاستحقاق الى القبول، اذا كان القبول متأخرا عن بدء الاستحقاق، ولا تعتبر وصية، وعلى الموصى له نفقة الموصى به في تلك المدة.

—————————
الباب الثاني
احكام الوصية
الفصل الاول
الموصى له

المادة 236
تصح الوصية بالاعيان للمعدوم، ولما يشمل الموجود والمعدوم ممن يحصون، فان لم يوجد احد من الموصى لهم وقت موت الموصي، كانت الغلة لورثته، وعند اليأس من وجود احد من الموصى لهم، تكون العين الموصى بها ملكا لورثة الموصي.
وان وجد احد من الموصى لهم عند موت الموصي او بعده. كانت الغلة له الى ان يوجد غيره فيشترك معه فيها. وكل من يوجد منهم يشترك فيها مع من يكون موجودا وقت ظهور الغلة الى حين الياس من وجود مستحق آخر فتكون العين والغلة للموصى لهم جميعا، ويكون نصيب من مات منهم تركة عنه.
المادة 237
اذا كانت الوصية – لمن ذكروا في المادة السابقة- بالمنافع وحدها، ولم يوجد منهم احد عند وفاة الموصي، كانت لورثة الموصي.
وان وجد مستحق حين وفاة الموصي او بعدها كانت المنفعة له ولكل من يوجد بعده من المستحقين الى حين انقراضهم، فتكون المنفعة لورثة الموصي، وعند اليأس من وجود غيرهم من الموصى لهم ردت العين لورثة الموصي.
المادة 238
اذا لم يوجد من الموصى لهم غير واحد، انفرد بالغلة، او بالعين الموصى بها، الا اذا دلت عبارة الموصي، او قامت قرينة على انه قصد التعدد، ففي هذه الحالة يصرف للموصى له نصيبه من الغلة، ويعطى الباقي لورثة الموصي، وتقسم العين بين الموصى له، وبين ورثة الموصي عند اليأس من وجود مستحق آخر.
المادة 239
اذا كانت الوصية بالمنافع متعددة ومرتبة الطبقات، يكون استحقاق الطبقة السفلى عند اليأس من وجود احد من اهل الطبقة العليا، او انقراضهم، مع مراعاة الاحكام الواردة في المادتين السابقتين.
واذا انقرضت جميع الطبقات كانت العين تركة الا اذا كان الموصي قد اوصى بها او ببعضها لغيرهم.
المادة 240
تصح الوصية لمن لا يحصون، ويختص بها المحتاجون منهم، ويترك امر توزيعها بينهم لاجتهاد من له تنفيذ الوصية دون التقيد بالتعميم او المساواة.
تنفيذ الوصية لمن اختاره الموصي، فان لم يوجد، فلمن تعينه المحكمة.
المادة 241
اذا كانت الوصية لقوم محصورين بلفظ يتناولهم، ولم يعينوا بأسمائهم وكان بعضهم غير اهل للوصية وقت وفاة الموصي، استحق الباقون جميع الوصية، مع مراعاة احكام المواد: 236، 237، 238.
المادة 242
اذا كانت الوصية مشتركة بين معينين، وجماعة او جهة، او كانت مشتركة بين جماعة وجهة، او كانت مشتركة بينهم جميعا. كان لكل معين، ولكل فرد من الافراد الجماعة المحصورة. ولكل جماعة غير محصورة، ولكل جهة سهم من الموصى به. ما لم ينص الموصي على غير ذلك.
المادة 243
اذا كانت الوصية للمعينين عاد الى تركة الموصي نصيب من كان غير أهل للوصية حين الوفاة.
المادة 244
أ- اذا بطلت الوصية لمعين، او لجماعة، عاد الموصى به الى التركة.
ب- اذا زاد باقي الوصايا، وما بطلت فيه الوصية على الثلث، وزع الثلث على الموصى لهم والورثة، بنسبة باقي الوصايا وما بطلت فيه الوصية.
المادة 245
تصح الوصية للحمل في الاحوال الآتية:
1) اذا اقر الموصي بوجود الحمل وقت الوصية وولد حيا لخمسة وستين وثلاثمائة يوم فأقل من وقت الوصية.
2) اذا لم يقر الموصي بوجود الحمل وولد حيا لسبعين ومائتي يوم على الاكثر من وقت الوصية، ما لم تكن الحامل وقت الوصية معتدة لوفاة او فرقة بائنة، فتصح الوصية اذا ولد حيا لخمسة وستين وثلاثمائة يوم فأقل من وقت الموت او الفرقة البائنة.
واذا كانت الوصية لحمل من معين، اشترط لصحة الوصية مع ما تقدم ثبوت نسبه من ذلك المعين.
توقف غلة الموصي به الى ان ينفصل الحمل حيا، فتكون له.
المادة 246
أ- اذا جاءت الحامل بولدين حيين او اكثر في وقت واحد، او في وقتين بينهما اقل من ستة اشهر، كانت الوصية بينهم بالتساوي الا اذا نصت الوصية على خلاف ذلك.
ب- وان انفصل احدهم غير حي استحق الحي منهم كل الوصية.
جـ- وان مات احد الاولاد بعد الولادة، ففي الوصية بالاعيان تكون حصته بين ورثته، وفي الوصية بالمنافع تكون حصته من بدل المنفعة الى حين موته بين ورثته، وبعد موته ترد الى ورثة الموصي.
الفصل الثاني
الموصى به
المادة 247
تنفذ الوصية لغير الوارث في حدود ثلث ما يتبقى من التركة بعد وفاء الدين من غير اجازة الورثة.
ولا تنفذ للوارث، ولا بما زاد على الثلث الا اذا اجازها الورثة بعد وفاة الموصي، وكان المجيز كامل الاهلية.
واذا اجاز بعض الورثة الوصية لوارث، او بما زاد على الثلث لغير الوارث، ولم يجز البعض نفذت في حق من اجازها.
وتنفذ وصية من لا دين عليه، ولا وارث له بكل ماله، او بعضه من غير توقف على اجازة الخزانة العامة.
المادة 248
أ- تصح وصية المدين المستغرق ماله بالدين، ولا تفنذ الا ببراءة ذمته منه.
ب- فان برئت ذمته من بعض الدين، او كان الدين غير مستغرق نفذت الوصية في ثلث الباقي بعد سقوط الدين او وفائه.
المادة 249
اذا كان الدين غير مستغرق، واستوفى كله او بعضه من الموصى به، كان للموصى له ان يرجع بقدر الدين المستوفى في حدود ثلث الباقي من التركة بعد وفاء الدين.
المادة 250
اذا كانت الوصية بمثل نصيب وارث معين من ورثة الموصي، استحق الموصى له قدر نصيب هذا الوارث زائدا على الفريضة.
المادة 251
اذا كانت الوصية بمثل نصيب وارث غير معين من ورثة الموصي استحق الموصى له نصيب احدهم زائدا على الفريضة ان كانت السهام متساوية، ونصيب اقلهم سهاما زائدا على الفريضة ان كانت السهام متفاوتة.
المادة 252
أ) اذا كانت الوصية لأحد بسهم شائع في التركة، ولآخر بمثل نصيب وارث معين او غير معين، قدرت اولا حصة له بمثل نصيب الوارث على اعتبار انه لا وصية غيرها.
ويقسم الثلث بين الوصيتين بالمحاصة، اذا ضاق الثلث عنهما.
ب) اذا كانت الوصية بقدر محدود من النقود، او بعين من اعيان التركة بدل السهم الشائع، قدرت النقود، او قيمة العين بما تساويه من سهام التركة.
المادة 253
اذا كانت الوصية بقدر محدد من النقود، او بعين، وكان في التركة دين او مال غائب، فان خرج الموصى به من ثلث الحاضر من التركة، استحقه الموصى له، والا استحق منه بقدر هذا الثلث وكان الباقي للورثة، وكلما حضر شيء استحق الموصى له ثلثه حتى يستوفي حقه.
المادة 254
اذا كانت الوصية بسهم شائع في التركة، وكان فيها دين او مال غائب، استحق الموصى له سهمه في الحاضر منها، وكلما حضر شيء استحق سهمه فيه.
المادة 255
اذا كانت الوصية بسهم شائع في نوع من التركة، وكان فيها دين، او مال غائب، استحق الموصى له سهمه في الحاضر من هذا النوع ان كان هذا السهم يخرج من ثلث الحاضر من التركة، والا استحق الموصى له من سهمه بقدر هذا الثلث.
ويكون الباقي للورثة وكلما حضر شيء استحق الموصى له بقدر ثلثه من النوع الموصى بسهم فيه، على الا يضر ذلك بالورثة، فان كان يضر بهم اخذ الموصى له قيمة ما بقي من سهمه في النوع الموصى به من ثلث ما يحضر حتى يستوفي حقه.
المادة 256
أ- في جميع الاحوال المبينة في المواد السابقة اذا اشتملت التركة على دين مستحق الاداء على احد الورثة، وكان هذا الدين من جنس الحاضر من التركة كلها او بعضها، وقعت المقاصة فيه بقدر نصيب الوارث فيما هو جنسه، واعتبر بذلك مالا حاضرا.
ب- واذا كان الدين المستحق الاداء على الوارث من غير جنس الحاضر، فلا تقع المقاصة، ويعتبر هذا الدين مالا حاضرا ان كان مساويا لنصيب الوارث في الحاضر من التركة او اقل. فان كان اكثر منه، اعتبر ما يساوي هذا النصيب مالا حاضرا.
وفي هذه الحالة لا يستولي الوارث على نصيبه في المال الحاضر الا اذا ادى ما عليه من الدين، فان لم يؤده باعه القاضي، ووفي الدين من ثمنه.
جـ- وتعتبر انواع النقد واوراقه جنسا واحدا.
المادة 257
اذا كانت الوصية بعين من التركة، او بنوع من انواعها، فهلك الموص�� به، ا�� استحق، فلا شيء للموصى له، واذا هلك بعضه او استحق، اخذ الموصى له ما بقي منه ان كان يخرج من ثلث التركة، والا كان له فيه بقدر الثلث.
المادة 258
أ- اذا كانت الوصية بحصة شائعة في معين، فهلك او استحق، فلا شيء للموصى له.
ب- اذا هلك البعض او استحق اخذ الموصى له جميع وصيته من الباقي ان وسعها، وكانت تخرج من ثلث التركة.
جـ- وان كان الباقي لا يفي بالوصية وهو يخرج من الثلث، اخذ الباقي كله، وان كان يفي بالوصية، لكنه اكثر من الثلث اخذ منه بقدر ثلث التركة.
المادة 259
أ- اذا كانت الوصية بحصة شائعة في نوع من اموال الموصي، فهلك او استحق، فلا شيء للموصى له.
ب- وان هلك بعضه، او استحق، فليس له الا حصته في الباقي ان خرجت من ثلث المال، والا اخذ منه بقدر الثلث.
الفصل الثالث
الوصية بالمنافع
المادة 260
أ- اذا كانت الوصية بالمنفعة لمعين مدة محددة المبدأ والنهاية، استحق الموصى له منفعة في هذه المدة.
ب- فاذا انقضت المدة قبل وفاة الموصي بطلت الوصية، واذا انقضى بعضها استحق الموصى له المنفعة في باقيها.
جـ- واذا كانت المدة معينة القدر غير محددة المبدأ، بدأت من وقت وفاة الموصي.
المادة 261
أ- اذا منع الورثة او احدهم الموصى له من الانتفاع بالعين كل المدة او بعضها، ضمن له المعترض بدل المنفعة الا اذا اتفق الموصى له وكل الورثة على تعويضه بالانتفاع مدة اخرى.
ب- واذا كان المنع من الانتفاع من جهة الموصي، او لعذر حال بين الموصى له والانتفاع، وجبت له مدة اخرى من وقت زوال المانع.
المادة 262
مع مراعاة احكام المادتين السابقتين:
أ- اذا كانت الوصية بالمنفعة لقوم غير محصورين لا يظن انقطاعهم او لجهة من جهات البر، وكانت الوصية مؤبدة او مطلقة، استحق الموصى لهم المنفعة على وجه التأييد.
ب- فاذا كانت الوصية مؤبدة او مطلقة لقوم غير محصورين يظن انقطاعهم استحق الموصى لهم المنفعة الى انقراضهم.
المادة 263
اذا كانت الوصية بالمنفعة لمدة معينة، ولقوم محصورين، ثم من بعدهم لمن لا يظن انقطاعهم، او لجهة من جهات البر، ولم يوجد احد من المحصورين خلال ثلاث وثلاثين سنة قمرية من وفاة الموصي، او خلال المدة المعينة للمنفعة او وجد خلال هذه المدة وانقرض قبل نهايتها كانت المنفعة في المدة كلها او بعضها على حسب الاحوال لما هو اعم نفعا من جهات البر.
المادة 264
اذا كانت العين الموصى بمنفعتها تحتمل الانتفاع او الاستغلال على وجه غير الذي اوصى به، جاز للموصى له ان ينتفع بها، او يستغلها على الوجه الذي يراه، بشرط عدم الاضرار بالعين الموصى بمنفعتها.
المادة 265
اذا كانت الوصية بالغلة او الثمرة، فللموصى له الغلة او الثمرة القائمة وقت موت الموصي، وما يستجد منها مستقبلا، ما لم تدل قرينة على خلاف ذلك.
المادة 266
أ- اذا كانت الوصية ببيع العين للموصى له بثمن معين، او بتأجيرها له لمدة معينة، وبأجرة مسماة، وكان الثمن او الاجرة اقل من المثل بغبن فاحش يخرج من ثلث التركة او بغبن يسير، نفذت الوصية.
ب- وان كان الغبن الفاحش لا يخرج من الثلث، ولم يجز الورثة الزيادة فلا تنفذ الوصية الا اذا قبل الموصى له دفع هذه الزيادة.
المادة 267
في الوصية بحصة من المنفعة تستوفي الحصة بقسمة الغلة او الثمرة بين الموصى له وورثة الموصي بنسبة ما يخص كل فريق، او بالمهايأة زمانا او مكانا. او بقسمة العين اذا كانت تحتم القسمة من غير ضرر، وللمحكمة عند الاختلاف تعيين احدى هذه الطرائق.
المادة 268
على الموصى له بالمنفعة ما يفرض على العين من التزامات، وما يلزم لاستيفاء منفعتها، ولو كانت الرقبة موصى بها لغيره.
المادة 269
تسقط الوصية بالمنفعة في الحالات الآتية:
أ- بوفاة الموصى له قبل استيفاء المنفعة الموصى بها كلها او بعضها.
ب- بشراء الموصى له العين التي اوصى له بمنفعتها.
جـ – بتنازله عن حقه فيها لورثة الموصي بعوض او بغير عوض
د- باستحقاق العين الموصى بمنفعتها.
المادة 270
ينفذ بيع ورثة الموصى نصيبهم في العين الموصى بمنفعتها دون حاجة الى اجازة الموصى له.
المادة 271
اذا كانت الوصية بالمنفعة لمعين مؤبدة، او لمدة حياته، او مطلقة، استحق الموصى له المنفعة مدة حياته، بشرط ان ينشأ استحقاقه للمنفعة في مدى ثلاث وثلاثين سنة قمرية من وفاة الموصي.
المادة 272
يحسب خروج الوصية بالمنافع والحقوق من ثلث التركة كما يلي:
أ- اذا كانت الوصية بالمنافع مؤبدة، او مطلقة، او لمدة حياة الموصى له، او لمدة تزيد على عشر سنين، ففي الوصية بجميع منافع العين، تعتبر المنافع مساوية لقيمة العين نفسها، وفي الوصية بحصة نسبية من المنافع تعتبر مساوية لنظير هذه النسبة من المعين.
ب- اذا كانت الوصية بالمنافع لمدة لا تزيد على عشر سنين، قدرت بقيمة المنفعة الموصى بها في هذه المدة.
جـ- اذا كانت الوصية بحق من الحقوق العينية، قدرت بالفرق بين قيمة العين محملة بالحق الموصى به، وقيمتها بدونه.
الفصل الرابع
الوصية بالمرتبات
المادة 273
أ- تصح الوصية بالمرتبات من رأس المال لمدة معينة، ويخصص من مال الموصى ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة.
ب- فاذا زاد ما خصص لضمان تنفيذ الوصية على ثلث التركة ولم يجز الورثة الزيادة يخصص منه بقدر الثلث، وتنفذ الوصية فيه وفي غلته الى ان يستوفي الموصى له من المرتبات ما يعادل ثلث التركة حين الوفاة، او الى ان تنقضي المدة، او يموت الموصى له.
المادة 274
اذا كانت الوصية بمرتب من غلة التركة، او من غلة عين منها لمدة معينة، تقوم التركة او العين، محملة بالمرتب الموصى به، فان خرج من ثلث المال نفذت الوصية، وان زاد عليه، ولم يجز الورثة الزيادة نفذ منها بقدر الثلث، وكان الزائد من المرتب وما يقابله من التركة او العين لورثة الموصي.
المادة 275
أ- اذا كانت الوصية لمعين بمرتب من رأس المال، او الغلة مطلقة او مؤبدة، او مدة حياة الموصى له، اعتبرت حياته سبعين سنة، لاجل حساب خروج الموصى به عن ثلث التركة، ويخصص من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على الوجه المبين في المادة 273 ان كانت الوصية بمرتب من رأس المال، ويخصص ما يغل مقدار المرتب الموصى به على الوجه المبين في المادة 276 ان كانت الوصية بمرتب من الغلة.
ب- فاذا مات الموصى له قبل المدة المذكورة في الفقرة السابقة كان الباقي من الوصية لمن يستحقه من الورثة او من اوصى له بعده، واذا نفذ المال المخصص لتنفيذ الوصية او عاش الموصى له أكثر من المدة المذكورة، فله الرجوع على الورثة في حدود الثلث.
جـ- وفي جميع الاحوال لا يجوز ان يقل تقدير بقية عمر الموصى له عن عشر سنين عند استحقاق المرتب.
المادة 276
أ- في الوصية بمرتب من رأس المال، يأخذ الموصى له مرتبه من غلة العين المخصصة للوصية، فاذا لم تف الغلة بالمرتب جاز للورثة اكماله والا بيع من هذه العين ما يفي بالمرتب.
واذا زادت الغلة على المرتب، ردت الزيادة الى ورثة الموصي.
ب- في الوصية بمرتب من الغلة، يستوفي المرتب من غلة ما خصص للوصية فاذا زادت الغلة في بعض السنوات على المرتب لا ترد الى ورثة الموصي، بل توقف لتغطية نقص الغلة في بعض السنوات.
جـ- فاذا كانت الوصية تنص على ان المرتب يستوفي سنة فسنة او قامت قرينة على ذلك ردت الزيادة السنوية الى ورثة الموصي.
المادة 277
أ- اذا اوصى بمرتب لجهة لها صفة الدوام وصية مطلقة، او مؤبدة، يخصص من مال الموصي ما تضمن غلته تنفيذ الوصية، ولا يخصص ما يزيد على الثلث الا باجازة الورثة.
ب- واذا أغل ما خصص للوصية اكثر من المرتب الموصي به، استحقته الجهة الموصى لها، واذا نقصت الغلة عن المرتب، فليس لتلك الجهة الرجوع على ورثة الموصي.
المادة 278
أ- في الاحوال المبينة في المواد من 273 الى 276 يجوز لورثة الموصي الاستيلاء على المخصص لتنفيذ الوصية بالمرتب او التصرف فيه، بشرط ان يودعوا في جهة يرضاها الموصى له، او يعينها القاضي بجميع المرتبات نقدا، ويخصص المبلغ المودع لتنفيذ الوصية.
ب- فاذا مات الموصى له قبل نفاذ المبلغ المودع رد الباقي لورثة الموصي.
جـ- ويزول كل حق للموصى له في التركة بالايداع، والتخصيص.
المادة 279
لا تصح الوصية بالمرتبات من رأس المال، او من الغلة الا للموجودين من الموصى لهم وقت موت الموصي، وتقدر حياتهم طبقا لما نص عليه في المادة 275، وتنفذ الوصايا وفقا للاحكام المبينة في الوصايا للمعينين.
الفصل الخامس
الزيادة في الموصى به
المادة 280
أ- اذا غير الموصي معالم العين الموصى بها، او زاد في عمارتها شيئا مما لا يستقل بنفسه، كالترميم، كانت العين كلها وصية.
ب- وان كانت الزيادة مما يستقل بنفسه كالغراس والبناء، شارك الورثة الموصى له في كل العين بقيمة الزيادة القائمة.
المادة 281
أ- اذا هدم الموصي بناء العين الموصى بها، واعاده على حالته الاولى كانت العين بحالتها الجديدة وصية ولو غيّر معالمها.
ب- وان اعاد البناء على وجه آخر كانت العين شركة بنسبة قيمة البناء للورثة، وقيمة الارض للموصى له.
المادة 282
اذا هدم الموصي العين الموصى بها، وضم الارض الى ارض مملوكة له، وبنى عليهما، اشترك الموصى له مع الورثة في جميع الارض والبناء بقيمة ارضه.
المادة 283
استثناء من احكام المواد 280 فقرة ثانية و281 فقرة ثانية و282 اذا كان ما انفقه الموصي، او زاده في العين مما يتسامح في مثله عادة، الحقت الزيادة بالوصية، والزيادة التي لا يتسامح فيها تلحق ايضا اذا وجد ما يدل على قصد الحاقها.
المادة 284
اذا جمع الموصي بناء العين الموصى بها مع بناء عين اخرى مملوكة له، وجعل منها وحدة لا يمكن معها تسليم الموصى به منفردا، اشترك الموصى له مع الورثة بقدر قيمة وصيته.
الفصل السادس
تزاحم الوصايا
المادة 285
أ- اذا زادت الوصايا على ثلث التركة، ولم يجز الورثة الزيادة قسم الثلث بين الوصايا بالمحاصة.
ب- اذا اجاز الورثة الزيادة، وكانت لا تفي بمجموع الوصايا، قسمت التركة بين الوصايا بالمحاصة.
المادة 286
اذا كانت الوصية بقربات متعددة، ولم يف بها ما تنفذ فيه الوصية:
أ- فان كانت القرابات متحدة الدرجات، كان التوزيع بينها بالتساوي.
ب- وان كانت مختلفة الدرجات، قدمت الفرائض على الواجبات والواجبات على النوافل، بالطريقة السابقة.
المادة 287
اذا تزاحمت الوصايا بالمرتبات، ومات بعض الموصى لهم او انقطعت جهة من الجهات الموصى لها بالمرتب، كان نصيب من مات وما انقطع لورثة الموصي.
الباب الثالث
الوصية الواجبة
المادة 287 مكرراً
إذا لم يوص الميت لفرع ولده الذي مات في حياته أو مات معه ولو حكماً – بمقدار حصته مما كان يرثه أصله في تركته لو كان حياً عند موته، وجبت للفرع في التركة وصية بمقدار هذه الحصة في حدود الثلث، بشرط ان يكون غير وارث والا يكون الميت قد اعطاه بغير عوض عن طريق تصرف آخر قدر ما يجب له، وإن كان ما اعطاه اقل منه، وجبت له وصية بقدر ما يملكه.
وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة الأولى من أولاد البنات ولأولاد الأبناء من أولاد الظهور وإن نزلوا على ان يحجب كل اصل فرعه دون فرع غيره، وان يقسم نصيب كل اصل على فرعه وإن نزل، قسمة الميراث كما لو كان اصله او اصوله الذين يدلى بهم الى الميت ماتو بعده، وكان موتهم مرتباً كترتيب الطبقات.
المادة 287 مكرراً (أ)
إذا اوصى الميت لمن وجبت له الوصية بأكثر من نصيبه، كانت الزيادة وصية إختيارية، وإن اوصى له بأقل من نصيبه وجب له ما يكمله.
وان اوصى لبعض ما وجبت لهم الوصية دون البعض الآخر وجب لمن لم يوصى له قدر نصيبه.
ويؤخذ نصيب من لم يوص له ويوفي نصيب من اوصى له بأقل مما وجب من باقي الثلث، فإن ضاف على ذلك فمنه ومما هو مشغول بالوصية الإختيارية.
المادة 287 مكرراً (ب)
الوصية الواجبة مقدمة على غيرها من الوصايا.
فإذا لم يوص الميت لمن وجبت لهم الوصية وأوصى لغيرهم، استحق كل من وجبت لهم الوصية قدر نصيبه من باقي ثلث التركة ان وفى وإلا فمنه ومما أوصي به لغيرهم.
القسم الثالث
المواريث
الكتاب الاول
احكام عامة
المادة 288
يستحق الارث بموت المورث حقيقة او حكما.
المادة 289
أ- يشترط لاستحقاق الارث تحقق حياة الوراث وقت موت المورث، حقيقة او حكما.
ب- ويتحقق وجود الحمل واستحقاقه الارث اذا توافرت فيه الشروط الورادة في المادة (330) من هذا القانون.
المادة 290
اذا مات اثنان او اكثر، وكان بعضهم يرث بعضا، ولم يعلم من مات اولا، فلا استحقاق لاحدهم في تركة الآخر سواء اكان موتهم في حادث واحد ام لا.
المادة 291
أ- يؤدي من التركة بحسب الترتيب الآتي:
اولا: ما يكفي لتجهيز الميت وتجهيز من مات قبله ممن تلزمه نفقته بالقدر المشروع.
ثانيا: ديون الميت.
ثالثا: الوصية الواجبة
رابعا: الوصية الاختيارية في الحد الذي تنفذ فيه.
خامسا: المواريث بحسب ترتيبها في هذا القانون.
– اذا لم توجد ورثة قضى من التركة بالترتيب الآتي:
اولا: استحقاق من اقر له الميت بنسب على غيره.
ثانيا: ما اوصى به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية.
اذا لم يوجد احد من هؤلاء آلت التركة، او ما بقي منها الى الخزانة العامة.
المادة 292
من موانع الارث قتل المورث عمدا، سواء اكان القاتل فاعلا اصليا ام شريكا، ام كان شاهد زور ادت شهادته الى الحكم بالاعدام وتنفيذه اذا كان القتل بلا حق، وبلا عذر وكان القاتل عاقلا، بالغا حد المسئولية الجنائية، ويعد من الاعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي.
المادة 293
أ- لا توارث بين مسلم وغير مسلم.
ب- يتوارث غير المسلمين بعضهم من بعض.
جـ- اختلاف الدارين لا يمنع من الارث بين المسلمين.
د- لا يمنع اختلاف الدارين – بين غير المسلمين – من الارث الا اذا كانت شريعة الدار الاجنبية تمنع ذلك.
المادة 294
أ- لا يرث المرتد من احد.
ب- مال المرتد قبل الردة او بعدها يكون لورثته المسلمين عند موته، فان لم يكن له ورثة من المسلمين، يكون ماله للخزانة العامة
جـ- اذا تجنس المرتد بجنسية دولة غير اسلامية يعتبر في حكم المتوفي ويؤول ماله لورثته المسلمين.
د- اذا عاد المرتد الى الاسلام بعد تجنسه بجنسية دولة غير اسلامية يكون له من ماله ما بقي بأيدي ورثته، او بالخزانة العامة.
الكتاب الثاني
اسباب الارث وانواعه
المادة 295
أ- من اسباب الارث: الزوجية، والقرابة.
ب- يكون الارث بالزوجية بطريق الفرض.
جـ- ويكون الارث بالقرابة، بطريق الفرض، او التعصيب، او بهما معا او بالرحم.
د- اذا كان لوارث جهتا ارث ورث بهما معا، مع مرعاة احكام المادتين: 302، 326.
الباب الاول
الارث بالفرض
المادة 296
الفرض سهم مقدر للوارث في التركة، ويبدأ في التوريث باصحاب الفروض، وهم: الاب، الجد العاصب وان علا، الاخ لأم، الاخت لأم، الزوج، الزوجة، البنات، بنات الابن وان نزل الاخوات لأب وأم، الاخوات لأب، الام، الجدة الثابتة وان علت.
المادة 297
أ- مع مراعاة حكم المادة 309 للاب فرض السدس اذا وجدت للميت ولد، او ولد ابن وان نزل.
ب- عند عدم وجود الاب يكون للجد العاصب السدس، على الوجه المبين في الفقرة السابقة.
والجد العاصب هو الذي لا يدخل في نسبته الى الميت انثى.
المادة 298
أ- لاولاد الام فرض السدس للواحد، والثلث للاثنين فأكثر، ذكورهم واناثهم في القسمة سواء.
ب- اذا كان اولاد الام اثنين فأكثر، واستغرقت الفروض التركة، يشارك اولاد الام الأخ الشقيق، او الاخوة الاشقاء بالانفراد او مع اخت شقيقه او اكثر، ويقسم الثلث بينهم جميعا على الوجه المتقدم.
المادة 299
أ- للزوج فرض النصف عند عدم الولد وولد الابن وان نزل، والربع مع الولد أو ولد الابن وان نزل.
ب- وللزوجة ولو كانت مطلقة رجعيا اذا مات الزوج وهي في العدة، او الزوجات فرض الربع عند عدم الولد، وولد الابن وان نزل والثمن مع الولد، او ولد الابن وان نزل.
تعتبر المطلقة بائنا في مرض الموت في حكم الزوجة اذا لم ترض بالطلاق، ومات المطلق في ذلك المرض، وهي في عدته بشرط ان تستمر اهليتها للارث من وقت الطلاق الى وقت الوفاة.
المادة 300
مع مراعاة حكم المادة (307):
أ- للواحدة من البنات فرض النصف، وللاثنتين فأكثر الثلثان.
ب- لبنات الابن الفرض المتقدم عند عدم وجود بنت، او بنت ابن اعلى منهم درجة.
جـ- ولهن واحدة، او اكثر السدس مع البنت، او بنت الابن الأعلى درجة.
المادة 301
مع مراعاة حكم المادتين: 307، 308:
أ- للواحدة من الاخوات الشقيقات فرض النصف، وللاثنتين فأكثر الثلثين.
ب- للاخوات لأب الفرض المتقدم عند عدم وجود أخت شقيقه.
جـ- ولهن واحدة او اكثر السدس مع الاخت الشقيقة.
المادة 302
أ- للأم فرض السدس مع الولد، او ولد ابن وان نزل، او مع اثنين او اكثر من الاخوة والاخوات.
ب- ولها الثلث في غير هذه الاحوال، غير انها اذا اجتمعت مع احد الزوجين والاب فقط، كان لها ثلث ما بقي بعد فرض احد الزوجين.
جـ- والجدة الثابتة هي ام احد الابوين، أو الجد العاصب وان علت، ولها او للجدات السدس، ويقسم بينهن على السواء، لا فرق بين ذات قرابة وذات قرابتين.
المادة 303
اذا زادت انصباء اصحاب الفروض على التركة، قسمت بينهم بنسبة انصبائهم في الارث.
الباب الثاني
الارث بالتعصيب
المادة 304
أ- اذا لم يوجد احد من ذوي الفروض، او وجد ولم تستغرق الفروض التركة، كانت التركة، او ما بقي منها بعد الفروض للعصبة من النسب.
ب- العصبة من النسبة ثلاثة انواع:
1) عصبة بالنفس
2) عصبة بالغير
3) عصبة مع الغير.
المادة 305
للعصبة بالنفس جهات اربع، مقدم بعضها على بعض في الارث على الترتيب الآتي:
1) البنوة، وتشمل الابناء، وابناء الابن وان نزل.
2) الابوة، وتشمل الاب، والجد العاصب وان علا.
3) الاخوة، وتشمل الاخوة لأبوين، والاخوة لأب وابنائهما وان نزلوا.
4) العمومة، وتشمل اعمام الميت لأبوين، او لأب، واعمام ابيه كذلك، واعمام جده العاصب وان علا، وابناء من ذكروا وان نزلوا.
المادة 306
أ- اذا اتحدت العصبة بالنفس في الجهة، كان المستحق للارث اقربهم درجة الى الميت.
ب- اذا اتحدوا في الجهة والدرجة، كان التقديم بقوة القرابة، فمن كانت قرابته من الابوين، قدم على من كانت قرابته من الاب فقط.
جـ- فاذا اتحدوا في الجهة، والدرجة، والقوة كان الارث بينهم على السواء.
المادة 307
أ- العصبة بالغير هن:
1) البنات مع الابناء.
2) بنات الابن وان نزل مع ابناء الابن وان نزل، اذا كانوا في درجتهن مطلقا، او كانوا انزل منهن اذا لم ترثن بغير ذلك.
3) الاوات لأبوين مع الاخوة لأبوين، والاخوات لأب مع الاخوة لأب.
ب- يكون الارث بينهم في هذه الأحوال، للذكر مثل حظ الانثيين.
المادة 308
أ- العصبة مع الغير هن:
الاخوات لأبوين او لأب مع البنات او بنات الابن وان نزل ويكون لهن الباقي من التركة بعد الفروض.
ب- وفي هذه الحالة يعتبرن بالنسبة لباقي العصبات كالاخوة لأبوين او لأب، ويأخذن احكامهم في التقديم بالجهة، والدرجة، والقوة.
المادة 309
اذا اجتمع الاب او الجد مع البنت او بنت الابن وان نزل، استحق السدس فرضا، والباقي بطريق التعصيب.
المادة 310
أ- اذا اجتمع الجد مع الاخوة، والاخوات لأبوين او لأب، كانت له حالتان:
1) ان يقاسمهم كأخ ان كانوا ذكورا فقط، او ذكورا واناثا، او اناثا عصبن مع الفرع الوارث من الاناث.
2) ان يأخذ الباقي بعد اصحاب الفروض بطريق التعصيب اذا كان مع اخوات لم يعصبن بالذكور، او مع الفرع الوارث من الاناث.
ب- على انه اذا كانت المقاسمة، او الارث بالتعصيب على الوجه المتقدم تحرم الجد من الارث او تنقصه عن السدس اعتبر صاحب فرض بالسدس.
جـ- ولا يعتبر في المقاسمة من كان محجوبا من الاخوة او الاخوات لأب.
الكتاب الثالث
الحجب
المادة 311
أ- الحجب هو ان يكون لشخص اهلية الارث، ولكنه لا يرث بسبب وجود وارث آخر.
ب- والمحجوب يحجب غيره.
المادة 312
المحروم من الارث لمانع من موانعه، لا يحجب احدا من الورثة.
المادة 313
أ- تحجب الجدة الثابتة بالأم.
ب- تحجب الجدة البعيدة بالجدة القريبة.
جـ- تحجب الجدة لأب بالاب.
د- تحجب الجدة بالجد العاصب ان كانت اصلا له.
المادة 314
يحجب اولاد الام بالأب، وبالجد العاصب وان علا، وبالولد وولد الابن وان نزل.
المادة 315
أ- تحجب بنت الابن بالابن، وابن الابن وان نزل، اذا كانت انزل منه درجة.
ب- وتحجب ايضا بالبنتين، او بنتي الابن، اذا كانتا اعلى منها درجة، ما لم يكن معها من يعصبها، طبقا للمادة (307).
المادة 316
تحجب الاخت لأبوين بالاب وبالابن، وابن الابن وان نزل.
المادة 317
أ- تحجب الاخت لأب بالاب وبالابن، وابن الابن وان نزل.
ب- وتحجب ايضا بالاخ لأبوين وبالاخت لابوين اذا كانت عصبة مع غيرها، طبقا لحكم المادة (308) وبالاختين لابوين، اذا لم يوجد أخ لاب.
الكتاب الرابع
الرد
المادة 318
أ- اذا لم تستغرق الفروض التركة، ولم توجد عصبة من النسب ردّ الباقي على غير الزوجين من اصحاب الفروض بنسبة فروضهم.
ب- يرد باقي التركة الى احد الزوجين اذا لم يوجد عصبة من النسب، او احد اصحاب الفروض النسبية، او احد ذوي الارحام.
الكتاب الخامس
الارث بسبب الرحم
المادة 319
أ- اذا لم يوجد احد من ذوي الفروض النسبية، ولا من العصبات النسبية، كانت التركة او الباقي منها، لذوي الارحام.
ب- ذوو الارحام هم الاقارب من غير اصحاب الفروض، او العصبات النسبية.
الباب الاول
تصنيف ذوي الارحام
المادة 320
ذوو الارحام اربعة اصناف مقدم بعضها على بعض في الارث بحسب الترتيب الآتي:
الصنف الاول: اولاد البنات وان نزلوا، واولاد بنات الابن وان نزل.
الصنف الثاني: الجد الرحمي وان علا، والجدة غير الثابتة وان علت.
الصنف الثالث: ابناء الاخوة لأم واولادهم وان نزلوا.
واولاد الاخوات لأبوين، او لاحدهما وان نزلوا.
وبنات الاخوة لابوين او لاحدهما، واولادهن وان نزلوا.
وبنات ابناء الاخوة لأبوين او الاب، وان نزلوا، واولادهن وان نزلوا.
الصنف الرابع: يشمل ست طوائف مقدم بعضها على بعض في الارث على الترتيب الآتي:
الأولى: أعمام الميت لأم، وعماته، واخواله، وخالاته لأبوين او لاحدهما.
الثانية: اولاد من ذكروا في الفقرة السابقة وان نزلوا، وبنات اعمام الميت لأبوين أو لأب، وبنات أبنائهم وان نزلوا، واولاد من ذكرن وان نزلوا.
الثالثة: اعمام ابي الميت لأم، وعماته، واخواله، وخالاته لأبوين، او لاحدهما واعمام ام الميت، وعماتها واخوالها، وخالاتها لأبوين أو لاحدهما.
الرابعة: أولاد من ذكروا في الفقرة السابقة وان نزلوا، وبنات اعمام ابي الميت لأبوين او لأب، وبنات أبنائه وان نزلوا، واولاد من ذكرن وا�� نزلوا.
الخامسة: اعمام أبي أـبي الميت لأم، واعمام ابي أم الميت، وعماتها، واخوالهما، وخالاتهما، لأبوين او لاحدهما، وأعمام أم أم الميت، وأم ابيه، وعماتهما واخوالهما، وخالاتهما لأبويه او لأحدهما.
السادسة: أولاد من ذكروا في الفقرة السابقة وان نزلوا، وبنات أعمام ابي أبي الميت لأبوين أو لأب، وبنات أبنائهم وان نزلوا واولاد من ذكرن وان نزلوا، وهكذا.
الباب الثاني
ميراث ذوي الارحام
المادة 321
أ- الصنف الاول من ذوي الارحام اولاهم بالميراث اقربهم الى الميت درجة.
ب- فان تساووا في الدرجة فولد صاحب الفرض اولى من ولد ذوي الرحم، وان كانوا كلهم اولاد صاحب فرض، او لم يكن فيهم صاحب فرض، اشتركوا في الارث.
المادة 322
أ- الصنف الثاني من ذوي الارحام اولاهم بالميراث اقربهم الى الميت درجة، فان تساووا في الدرجة، قدم من كان يدلي بصاحب فرض.
ب- اذا تساووا في الدرجة، وليس فيهم من يدلي بصاحب فرض او كانوا كلهم يدلون بصاحب فرض، فان كانوا جميعا من جهة الاب او من جهة الام، اشتركوا في الارث، وان اختلفت جهاتهم، فالثلثان لقرابة الاب، والثلث لقرابة الام.
المادة 323
أ- الصنف الثالث من ذوي الارحام اولاهم بالميراث اقربهم الى الميت درجة.
ب- فاذا تساووا في الدرجة، وكان بعضهم ولد عاصب، وبعضهم ولد ذي رحم، قدم الاول على الثاني، والا قدم اقواهم قرابة للميت، فمن كان اصله لأبوين، فهو اولى ممن كان اصله لأب، ومن كان اصله لأب فهو اولى ممن كان اصله لأم، فان اتحدوا في الدرجة، وقوة القرابة، اشتركوا في الارث.
المادة 324
في الطائفة الاولى من طوائف الصنف الرابع المبينة بالمادة (320) اذا انفرد فريق الاب، وهم اعمام الميت لام، وعماته، او فريق الأم، وهم اخواله، وخالاته، قدم اقواهم قرابة، فمن كان لأبوين فهو اولى ممن كان لأب، ومن كان لأب فهو اولى ممن كان لأم، وان تساووا في القرابة اشتركوا في الارث.
وعند اجتماع الفريقين يكون الثلثان لقرابة الاب والثلث لقرابة الام، ويقسم نصيب كل فريق على النحو المتقدم.
تطبق احكام الفقرتين السابقتين على الطائفتين الثالثة والخامسة.
المادة 325
في الطائفة الثانية يقدم الاقرب منهم درجة على الابعد ولو كان من غير جهته، وعند التساوي، واتحاد الجهة، يقدم الاقوى في القرابة ان كانوا اولاد عاصب، او اولاد ذي رحم.
فاذا كانوا مختلفين، قدم ولد العاصب على ولد ذي الرحم.
وعند اختلاف الجهة يكون الثلثان لقرابة الاب، والثلث لقرابة الام وما اصاب كل فريق يقسم عليه بالطريقة المتقدمة.
وتطبق احكام الفقرتين السابقتين على الطائفتين: الرابعة والسادسة.
المادة 326
لا اعتبار لتعدد جهات القرابة في وارث من ذوي الارحام الا عند اختلاف الجانب.
المادة 327
في ارث ذوي الارحام، يكون للذكر مثل حظ الانثيين.
الكتاب السادس
المقر له بالنسب
المادة 328
أ- اذا اقر الميت بالنسب على نفسه لا يتعدى هذا الاقرار الى الورثة، ما لم يستوف شروط صحته.
ب- واذا اقر بالنسب على غيره استحق المقر له التركة اذا كان مجهول النسب، ولم يثبت نسبه من الغير، ولم يرجع المقر عن اقراره.
ويشترط في هذه الحالة ان يكون المقر له حيا وقت موت المقر، او وقت الحكم باعتباره ميتا، والا يقوم به مانع من موانع الارث.
جـ- واذا اقر الورثة بوارث، ولم يثبت النسب بهذا الاقرار، شارك المقر في استحقاقه دون سواه، ان كان لا يحجبه المقر، ولا يستحق شيئا ان كان يحجبه.
الكتاب السابع
احكام متنوعة
الباب الاول
الحمل
المادة 329
يوقف للحمل من تركة المتوفي اوفر النصيبين على تقدير انه ذكر او انثى.
المادة 330
اذا توفي الرجل عن زوجته او عن معتدته، فلا يرثه حملها الا اذا ولد حيا لخمسة وستين وثلاثمائة يوم على الاكثر من تاريخ الوفاة او الفرقة.
لا يرث الحمل غير ابيه الا في الحالتين الآتيتين:
الاولى: ان يولد حيا لخمسة وستين وثلاثمائة يوم على الاكثر من تاريخ الموت او الفرقة.
ان كانت امه معتدة موت او فرقة، ومات المورث اثناء العدة.
الثانية: ان يولد حيا لسبعين ومائتي يوم على الاكثر من تاريخ وفاة المورث ان كان من زوجية قائمة وقت الوفاة.
المادة 331
أ- اذا نقص الموقوف للحمل عما يستحقه يرجع بالباقي على من دخلت الزيادة في نصيبه من الورثة.
ب- اذا زاد الموقوف للحمل عما يستحقه رد الزائد على من يستحقه من الورثة.
الباب الثاني
المفقود
المادة 332
أ- يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها، فان ظهر حيا أخذه وان حكم بموته رد نصيبه الى من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه.
ب- ان ظهر حيا بعد الحكم بموته، اخذ ما تبقى من نصيبه بأيدي الورثة.
المادة 333
اذا حكم بموت المفقود، واستحق ورثته تركته، ثم جاء هذا المفقود، او تبين انه حي، فله الباقي من تركته، في يد ورثته، ولا يطالب بما ذهب من ايديهم.
الباب الثالث
الخنثى
المادة 334
للخنثى المشكل، وهو الذي لا يعرف أذكر هو ام انثى، ادنى الحالين، وما بقي من التركة يعطى لباقي الورثة.
الباب الرابع
ولد الزنى وولد اللعان
المادة 335
مع مراعاة المدة المبينة بالفقرة الاخيرة من المادة 330 يرث ولد الزنى، وولد اللعان من الام وقرابتها، وترثهما الأم وقرابتها.
الباب الخامس
التخارج
المادة 336
أ- التخارج هو ان يتصالح الورثة على اخراج بعضهم من الميراث على شيء معلوم.
ب- اذا تخارج احد الورثة مع آخر منهم استحق نصيبه، وحل محله في التركة.
جـ- واذا تخارج احد الورثة مع باقيهم، فان كان المدفوع له من التركة، قسم نصيبه بينهم بنسبة انصبائهم فيها، وان كان المدفوع من مالهم، ولم ينص في عقد التخارج على طريقة قسمة نصيب الخارج، قسم عليهم بنسبة ما دفعه كل منهم.
احكام ختامية
الفصل الاول
تدخل النيابة في بعض قضايا الاحوال الشخصية
المادة 337
على النيابة العامة ان ترفع الدعاوى، او تتدخل فيها اذا لم يتقدم احد من ذوي الشأن، وذلك في كل امر يمس النظام العام.
المادة 338
المراد بالنظام العام في المادة السابقة احكام الشريعة الاسلامية في الاحوال الآتية:
أ- الزواج بالمحرمات حرمة مؤبدة او مؤقتة.
ب- اثبات الطلاق البائن.
جـ- فسخ الزواج.
د- الاوقاف والوصايا الخيرية
هـ- دعاوى النسب، وتصحيح الاسماء.
و- الدعاوي الخاصة بفاقدي الاهلية وناقصيها، والغائبين، والمفقودين.
ويكون للنيابة في هذه الاحوال ما للخصوم من حقوق.
المادة 339
أ- تعتبر النيابة العامة ممثلة في الدعوى متى قدمت مذكرة برأيها فيها، ولا يتعين حضورها الا اذا رأت المحكمة ذلك.
ب- وفي جميع الاحوال لا يتعين حضور النيابة عند النطق بالحكم.
المادة 340
في جميع الاحوال التي ينص فيها القانون على تدخل النيابة العامة، يجب على قلم كتاب المحكمة ابلاغ النيابة كتابة بمجرد قيد الدعوى.
واذا عرضت اثناء نظر الدعوى مسألة مما تتدخل فيها النيابة فيكون تبليغها بناء على امر من المحكمة.
المادة 341
تمنح النيابة بناء على طلبها ميعاد خمسة عشر يوما على الاقل، لتقديم مذكرة بأقوالها من تاريخ ارسال ملف القضية اليها.
للنيابة حق الطعن في الحكم ولو لم تكن قد تدخلت.
الفصل الثاني
احكام متفرقة
المادة 342
تحسب السنوات والاشهر الواردة في هذا القانون بالتقويم القمري.
المادة 343
كل ما لم يرد له حكم في هذا القانون يرجع فيه الى المشهور في مذهب الامام مالك فان لم يوجد المشهور طبق غيره، فان لم يوجد حكم اصلا، طبقت المبادئ العامة في المذهب.
المادة 344
الاحكام النهائية الصادرة من دوائر الاحوال الشخصية تكون حجة امام جميع الدوائر.
المادة 345
تطبيق احكام هذا القانون من اختصاص دائرة الاحوال الشخصية بالمحكمة الكلية والاستئنافية والتمييز.
المادة 346
أ- يطبق هذا القانون على من كان يطبق عليهم مذهب الامام مالك، وفيما عدا ذلك فيطبق عليهم احكامهم الخاصة بهم.
ب- اما اذا كان اطراف النزاع من غير المسلمين وكانوا مختلفين دينا او مذهبا سرت عليهم احكام هذا القانون.
المادة 346 مكرراً
تصدر احكام المحكمة الكلية في قضايا الاحوال الشخصية من قاض واحد، وذلك استثناء من حكم المادة السابعة من المرسوم بالقانون رقم (23) لسنة 1990م. بشأن قانون تنظيم القضاء المشار اليه.
المادة 347
نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل به من اول اكتوبر 1984.
امير الكويت
جابر الاحمد
صدر بقصر السيف في 8 شوال 1404هـ.
الموافق فيه 07 يوليو 1984م.
نشر هذا القانون في عدد الجريدة الرسمية رقم1570 تاريخ 23 يوليو (تموز) 1984م. ص 1.

* * *
المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الأحوال الشخصية
القسم الأول
الزواج
الكتاب الأول
إنشاء الزواج
الباب الأول
مقدمات الزواج
المادة 1
استهدف مشروع القانون في تعريف الزواج ما جاء به القرآن الكريم في قول الله تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة”.
وما ورد في السنة النبوية من أن الزواج سبيل الإعفاف والإحصان.
وما حرص عليه الإسلام من ابتغاء النسل النقي القوي، ترجى له مظان الخير من قبل مولده، وترعاه الأبوة الحانية، في كثرة ليست غثاء كغثاء السيل، وإنما ركازها القوة بالقدر المستطاع، أملاً للأسرة، وذياداً عن الأمة.
وبذلك استبعد التعريف ما شاع بين الفقهاء المتأخرين من أن الزوجة محل للاستمتاع، والخوض في الحديث عن هذه المتعة، وأظهر ما للزواج من مقاصد سامية في بناء المجتمع الصالح، وتأسيس حياة قوامها السكينة والمودة والرحمة.
المادتان 2، 3
الخطبة هي التماس التزويج، وتتم بالاتفاق على حصوله فيما بعد، فهي لا تلزم الزواج، وليست إلا تمهيداً له، سواء أكانت طلباً من أحد الطرفين، أم صارت اتفاقاً بينهما، أم تأكدت بما اعتاده الناس من حصول الوعد، أو قبول كل منهما هدايا الآخر، أو قبض المرأة أو وليها المهر كله أو بعضه، للدلالة على التراضي.
ولا يترتب على هذه المقدمات شيء من أحكام الزواج، بل لكل من الطرفين أن يعدل عنها متى شاء.
وقد اتفق المجتهدون على التأثيم الديني في زواج مخطوبة الغير، فإذا عقد الخاطب الثاني زواجه بها، مستوفياً أركانه وشرائطه صح العقد، وترتبت عليه آثاره عند جمهور الفقهاء، لأن الخطبة ليست شرطاً في صحة الزواج، لا تلازم بين كون النهي للتحريم وبطلان العقد، وهذا ما جاءت به المادة الثالثة وفق رأي الجمهور، وقول في المذهب المالكي غير مشهور، وعلى خلاف المشهور في المذهب وهو الفسخ قبل الدخول بالزوجة، وعدم الفسخ بعده، كما يخالف قولاً ثالثاً هو الفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده.
وقد راعت المادة فيما أخذت به الحرص على استقرار الأسرة.
المادة 4
إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة، فإن ما قدمه الخاطب من المهر كله أو بعضه، له الحق في استرداد عينه إن كان قائماً أو بدله – مثلاً أو قيمة – إن كان هالكاً أو مستهلكاً، لأن المرأة لا حق لها في المهر إلا بعقد الزواج، وهو لم يوجد، وهذا، اتفاق الفقهاء.
ويجري حكم المهر على الهدايا التي جرى العرف باعتبارها منه، فهي اليوم من أهم ما تشمله مفاوضات الزواج، وقد تكون بالنسبة لقيمتها هي المهر الحقيقي، وبصدر هذا فقه الحنابلة، وما تقرر في الفقه المالكي ومنه قول “الزرقاني” في شرح مختصر خل��ل: “إما ما يهدى عرفاً في العقد أو قبله، فكالصداق، وأما ما يشترط إهداؤه فيتفق على القضاء به”.
لكن المخطوبة قد تشتري الجهاز أو بعضه بالمهر المقدم وبعد عدول الخاطب لا تضمن كل ما كان ينتظر من الانتفاع به، وردها جميع ما قبضته، يصيبها الخسران، بينما تقديم المهر يفيد الإذن المضمن من الخاطب بشراء الجهاز فليس من العدل إلزامها بمثل ما قبضته، بل الأقرب إلى العدل أن يكون لها الخيار بين إعادة المهر، أو تسليم ما يساويه كلاً أو بعضاً من أعيان الجهاز التي اشترتها.
وسند ذلك ما جاء في الفقه المالكي، ومنه قول الزرقاني في شرح مختصر خليل: “… لو خطب شخص امرأة، ودفع لها الصداق قبل العقد، فتجهزت به، ثم لم يحصل عقد لمنازعتهما، فهل يرجع بما اشترته أو بالنقد؟ .
والظاهر الأول إن أذن لها، أو علم، أو جرى به عرف والثاني عند انتفاء ذلك”.
وما تقرر في الفقه الحنفي من قاعدة التسليط، آخذاً بأن الخاطب سلط المخطوبة على شراء الجهاز بدفع المهر، لأن الشراء هو المقصود، تعجيل الدفع حسب العادة، وما تمليه الرغبة الظاهرة من قبل الدافع في إتمام الزواج بالإعداد له.
وعبرت الفقرة (جـ) بمقدار المهر ليشمل ما إذا كان المهر نقداً، وما إذا كان سلعة احتفظت بها المخطوبة، واشترت بقيمتها من مالها جهازاً، فإن لها الخيار عند عدول الخاطب بين أن ترد السلعة عيناً، أو ترد الجهاز الذي اشترته بقيمتها.
وأفادت هذه الفقرة أنه لا خيار للمخطوبة إذا كان العدول منها، فعليها حينئذٍ إعادة المهر أو بدله.
المواد 5، 6، 7
أصل المذهب المالكي أن من أهدى إلى المخطوبة، ثم تزوجت غيره، فإنه لا يرجع عليها بشيء مطلقاً، ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب، جعلوا للخاطب أن يرجع عليها إذا كان المانع من قبلها، لأن الذي أعطى لأجله لم يتم، فإن كان المانع منه فلا رجوع له، وذلك كله ما لم يوجد شرط، أو عرف.
وجاء في الشرح الكبير أن الأوجه هو الرجوع عليها إذا كان الامتناع من جهتها.
واختلف المتأخرون من الشافعية في هذه المسألة، والذي دل عليه كلام “الرافعي” أنه إن كان الرد من أولياء المخطوبة، رجع عليهم، لأنه لم يهد لهم إلا بناء على أن يزوجوه، ولم يحصل غرضه، فإن كان الرد منه فلا رجوع له، ويستدل أصحاب هذا الرأي بالحديث النبوي: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه”.
وبينوا أن الغصب نوعان:
غصب استيلاء، هو أخذ الأموال على جهة الاستيلاء والقهر والغلبة. وغصب استحياء، هو أخذها بنوع من الحياء.
قال الغزالي: وهما حرامان، لأنه لا فرق بين الإكراه على أخذ الأموال بالسياط الظاهرة، وبين أخذه بالسياط الباطنة.
واختار ابن تيمية أن الهدية لو كانت قبل العقد، وقد وعدوه بالزواج، ولم يفوا فزوجوا غيره رجع بالهدية. وصرح الحنابلة بدلالة الحال على شريطة بقاء العقد، وقاسوا على حقه في الرجوع رجوعها هي لو وهبته شيئاً قبل الدخول ثم طلق.
والحنفية يطبقون أحكامهم في الهبة على هدايا الخطبة، فلا تسترد إذا هلكت أو استهلكت، ولا يمكن الرجوع بقيمتها عند العدول.
وقد استكمل المشروع أحكام هذه الهدايا، فاختاروها من فقه الأئمة، مراعياً أن من يعدل قد يكون سبب عدوله عيباً، أو خلقاً غير كريم في الآخر لم يكن العادل على بينة منه، أو حدوث ما لا تدوم معه العشرة من قبل المعدل عنه، أو غير ذلك مما يجعل العادل معذوراً في عدم إتمام الزواج، وهو عقد العمر الذي يدوم فيه الضرر.
وواقع الأمر في مثل هذه الأحوال أن المعدول عنه هو السبب في العدول، فيلزم برد الهدايا أو بدلها، ومن البداهة أنه لا يستحق رد ما أهداه، لأنه هو الذي حال بمسلكه بين العادل والزواج، وإذا كان ثمة شرط وجب العمل به، لرضا الطرفين به، وأن العرف في ذلك بمنزلة الشرط.
وما يقتضي العدول لا يمكن ضبطه ولا حصره، لأنه باختلاف الأشخاص بيئة، وثقافة، وزمناً، وما إلى ذلك، فتقديره متروك للقضاء يستهدي في كل واقعة بملابساتها وظروفها، وعلى أساس الشريعة الإسلامية.
وإذا انتهت الخطبة بالوفاة، أو بعارض حال دون إتمام الزواج، مثل أسر أحد الطرفين أو جنونه، فلا استرداد لشيء من الهدايا، فإن عدم إتمام الزواج لسبب ليس من جهة المتوفى، أو المجنون، أو الأسير.
ومصدر ذلك فقه الإمام أحمد، حيث قال ابن تيمية:
“ان اتفقوا – أي الخاطب والمرأة ووليها – على النكاح من غير عقد، فأعطى – أي الخاطب – أباها لأجل ذلك شيئاً من غير الصداق، فماتت قبل العقد، ليس له استرجاع ما أعطاهم”.
وجاء في كشاف القاع على متن الأقناع “… لأن عدم التمام ليس من جهتهم، وعلى قياس ذلك لو مات الخاطب لا رجوع لورثته”، وبهذا التعليل يطرد الحكم في الأحوال التي حددها نص المشروع.
أما الهدايا التي لا بقاء لها فقد رئى أنها لا ترد في جميع الأحوال، أخذاً بمذهب الحنفية، وما حققه منهم “قاضيخان”، وجاء في “الانقروية” وغيرها ولأنها في العادة قليلة الثمن، ولم يجر العرف بردها، وفي الالزام بردها ما يجافي في المروءة والكرامة.
الباب الثاني
أركان الزواج
المادة 8
في فقه الامام مالك:
قال ابن الحاجب، وابن شاس، وتبعهما أبو الضياء خليل في مختصره أن أركان الزواج هي الولي، والصداق، والمحل، والصيغة، ولأن المحل زوج وزوجة تكون الأركان المذكورة خمسة.
وقال الحطاب: الظاهر أن الزوج والزوجة ركنان، لأن حقيقة النكاح إنما توجد بهما، والولي، والصيغة شرطان، لخروجهما عن ذات النكاح، وأما الصداق والشهود فلا ينبغي عدهما من الأركان، ولا من الشروط لوجود النكاح بدونهما، لأن المضر إسقاط الصداق، والدخول بلا شهود.
وفي الإجابة عن ابن الحاجب ومن وافقه قيل: ان المراد بالركن ما لا توجد الحقيقة الشرعية بدونه، ونقل عن ابن عرفة ما يفيد الاعتراض على “الحطاب” بأن الزوجين ذاتان، والنكاح عقد وهو معنى، فلا يصح كونهما ركنين له.
ومذهب أبي حنيفة أن عقد الزواج له ركنان: هما الإيجاب والقبول، لأنها العنصران الذاتيان في ماهية العقد، وبارتباطهما بتعين المراد منهما: ويتحقق الرضا به.
والركن في اصطلاح الحنفية هو ما يكون به قوام الشيء، بحيث يعد جزءاً داخلاً في ماهيته.
والحنابلة يعدون الزوجين الخاليين من الموانع ركناً ثالثاً مع الإيجاب والقبول، وقد أسقطوه في بعض كتبهم، كالمقنع، ومنتهى الإرادات، لوضوحه.
والشافعية قالوا: إن الأركان خمسة: الصيغة، والزوجة، والشاهدان، والزوج، والولي.
ونظراً للاختلاف الكبير في أركان الزواج رأى المشرع أن يكون الإيجاب هو ما يصدر أولاً من ولي الزوجة.
والقبول هو ما يصدر ثانياً من الزوج.
المادة 9
يستند انعقاد الزواج بجميع الألفاظ التي تفيد معناه لغة أو عرفاً إلى ما اختاره ابن تيمية، والقول الأصح عند الشافعية، وإلى القاعدة الفقهية: إن العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ والمباني”.
والمقصود باللغة ما يشمل العربية وغيرها، ولو كان العاقدان قادرين على النطق بالعربية.
فإذا كان العقد بين غائبين، في بلدة واحدة أولاً، جاز أن يكون الإيجاب بالكتابة، أو بواسطة رسول، للعجز عن المشافهة، وهي الأصل في التعبير، فلا يقبل سواها من الحاضر القادر على الكلام.
وإذا كان أحد العاقدين عاجزاً عن النطق يصح إيجابه أو قبوله بكتابته، فإن تعذرت فبإشارته المفهمة، ويشمل التعذر ما إذا كان الموجب أو القابل لا يكتب أصلاً، أو كان يكتب، ولكنه عجز عن الكتابة لشلل أو نحوه.
وعدم الانعقاد بإشارة الأخرس القادر على الكتابة مفهوم من ظاهر الرواية عند الحنفية، واختاره جمع من محققيهم، وهو أحوط الروايتين، لخطورة الزواج، وحاجته إلى الوضوح التام في التعبير عن الإرادة، والكتابة أدل وأوضح من الإشارة وهذا يسري على معتقل اللسان، والمريض الذي لا يقدر على النطق.
ويلحظ أن المادة الثامنة عينت الإيجاب والقبول طريقاً لانعقاد الزواج، وقد حصرت المادة التاسعة وسائل التعبير عنهما، فنفي المشروع نفياً باتاً احتمال انعقاد الزواج بالتعاطي، كما لو دفع رجل لامرأة مبلغاً كمهر، فقبضته وسلمت نفسها إليه دون إيجاب وقبول، فهو مجرد تراض بينهما على المعاشرة، وسفاح محض، وقد أجمع الفقهاء على عدم انعقاد الزواج به.
وقال ابن القيم: “…. فلو انتفت مفسدة الزنى بذلك لكان هذا من أيسر الأمور عليها وعلى الرجل”.
الباب الثالث
شرائط عقد الزواج
الفصل الأول
الصيغة
المادة 10
أ – الأصل في كل العقود هو التنجيز باستثناء ما لا يقبله بطبيعته، كالوصية. فصيغة عقد الزواج تكون مطلقة من كل قيد، خالية من الإضافة إلى المستقبل، والتعليق على شرط، ومن الواضح أن التعليق على أمر كائن هو تعليق صوري، فالصيغة فيه منجزة، ومثله ما يتحقق في مجلس العقد.
أما العقد المعلق على أمر غير محقق الوجود في الحال أو في المجلس، فإنه لا ينعقد سواء أكان وقوعه فيما بعد محققاً، أم محتملاً، أم مستحيلاً.
وعدم انعقاد الزواج المضاف إلى المستقبل، مثل: تزوجتك بعد شهر معناه ألا ينعقد في الحال، ولا عند حلول الزمن المضاف إليه، لأن الإضافة إلى زمن مستقبل تنافي موجب الزواج.
وسار المشروع في هذه الأحكام وفق المذهب الحنفي، ولم يستحسن الأخذ ببعض الروايات في المذهب الحنبلي التي تجيز تعليق الزواج وإضافته.
واتبع أيضاً رأى الجمهور في بطلان زواج المتعة، والزواج المؤقت، وأعرض عن قول “زفر” من الحنفية بانعقاد الزواج المؤقت مع إلغاء التوقيت فاعتبره باطلاً، لأن المعنى فيه وفي المتعة واحد، فكل منهما زواج إلى أجل، وإن بلفظ التزويج، وحضره الشهود، والعبرة في العقود للمقاصد لا للألفاظ.
ب – المراد بالموافقة الضمنية أن يكون القبول مخالفاً للإيجاب إلى ما هو خير منه، مثل أن يوجب الزوج على مهر مقداره ألف دينار، فتقبل الزوجة بخمسمائة دينار، أو توجب على خمسمائة، فيقبل على ألف، ففي هاتين الصورتين وأمثالهما تكون مخالفة القبول للإيجاب صورية، تتضمن موافقة أبلغ، فينعقد الزواج بحسب الإيجاب، ما لم يرض الطرف الآخر بما ورد في القبول.
جـ، د – الأصل في القبول من الوجهة النظرية، أن يتصل بالإيجاب مباشرة وفوراً، لينعقد العقد، ولصعوبة ذلك وضع الفقهاء للعقد مجلساً تعتبر ساعاته وحدة زمنية، فاكتفوا باتحاد هذا المجلس بين الإيجاب والقبول، مهما طالت فترة المجلس وظل قائماً لم ينقطع. وعلى هذا قرر فقهاء الحنفية قاعدة: “إن المجلس يجمع المتفرقات” فما يوجد في آخر المجلس يعتبر كالذي يوجد في أوله من حيث وحدة الزمن.
فإذا انقطع المجلس بشيء يدل على الإعراض عن الإيجاب، أو بطلت أهلية الموجب، ثم صدر القبول لم ينعقد العقد.
ومن الملحوظ أن الغائب المخاطب بالإيجاب كتابة أو رسالة إذا تلا الكتاب أو سمع الرسالة، وليس في المجلس شهوده فتريث المدة المعقولة يلتمس الشهود، ليتلو عليهم مضمون الكتاب، أو الرسالة، ويقبل، فإن ذلك لا يعتبر قاطعاً لمجلس العقد، ولا يفوت به اتحاد المجلس.
وقد اشترط المشروع في التعاقد بين الغائبين بطريق الكتابة أو الوصول أن ينشأ القبول في مجلس قراءة الكتاب، أو إبلاغ الرسول، فلم يأخذ المشروع بما جاء في مبسوط شيخ الإسلام “خواطر زاده”، وما قرره “الرحمتي” من أن الغائب الذي أرسل إليه الإيجاب بالكتاب إذا قرأه فلم يقبله في أول مجلس، يجوز له بعد ذلك أن يقرأه في مجلس آخر، متى شاء بحضور شهود، فيكون هذا بمنزلة ما لو تكرر الخطاب من الحاضر في المجلس الثاني، فيصبح القبول مهما طالت المدة بين القراءتين، بحجة اقتران القبول بالإيجاب، إذ مجلس العقد هو مجلس كل قراءة، فإن هذا الرأي محرج لمرسل الإيجاب، فإن المخاطب بالإيجاب قد يتلو الكتاب فلا يقبل، وتطول المدة كثيراً حتى يصرف المرسل نظره، وييأس من القبول، وقد يتزوج، ثم، يفاجأ بأن المرسل إليه جدد قراءة الكتاب وقبل الزواج، ولا يخفى ما في هذه النتيجة من مشكلات.
هذا، وإن النظر القانوني يقرر في حالة التعاقد بين غائبين أن المخاطب بالإيجاب إذا لم تحدد له مهلة للقبول، يمنح مهلة معقولة منذ اطلاعه على كتاب الإيجاب ليقبل أو يرفض، ويعتبر مجلس العقد قائماً خلالها.
وقد رأت اللجنة أن هذا الرأي القانوني لا يتنافى مع نظر فقهائنا في مجلس العقد، فأخذت به، لكنها حددت هذه المهلة المعقولة بثلاثة أيام، قطعاً لفوضى التقدير، ما لم يحدد المرسل في الإيجاب مهلة أقل أو أكثر، فحينئذ تتبع المهلة المحددة.
والمستند في تحديد هذه المهلة هو قاعدة الاستصلاح، لأن الموضوع اجتهادي من أساسه، فتحديد المجلس فيه متروك للنظر الفقهي المبني على التقدير المعقول، وفقاً للمصلحة.
أما تحديد المهلة بثلاثة أيام فقد استوحته اللجنة من مهلة خيار الشرط المشروع للتروي، حيث يحددها كثير من الفقهاء بثلاثة أيام أخذاً بظاهر حديث: “إذا بايعت فقل لا خلابة، ولى الخيار ثلاثة أيام”.
ﻫ – سماع كل من العاقدين الحاضرين كلام الآخر شريطة لا بد منها حتى يتحقق معنى التعاقد، وارتباط الإرادتين بالتراضي المتبادل.
والمراد فهم المقصود جملة، لا المفردات والعبارات، فيكفي أن يعرف العاقد أن التعبير يفيد إنشاء الزواج، حتى لو لقن الشخص الإيجاب أو القبول بلغة لا يعرفها فنطق به، عالماً أن المقصود به عقد الزواج كان ذلك كافياً.
والفقهاء يطلقون اشتراط السماع، وهم يقصدون العقد بين حاضرين، ولهذا قيد بالحاضرين في الفقرة (ﻫ).
المادة 11
الرضا وحده لا يكفي لصحة عقد الزواج، بل لا بد من إخراجه عن نطاق السرية، حتى لا تكون العلاقة بين الزوجين مثار شبهة، أو سوء ظن. ولأن الزواج له آثاره الخطيرة بين طرفيه، والتي تلحق غيرهما كثبوت النسب، ولا يمكن أن يثبت ذلك عند التجاحد إذا لم يكن العقد معلناً معروفاً، ولهذا اتفقت كل الشرائع على وجوب إعلانه وإشهاره، وإن اختلفت في طرائق الإعلان والإشهار.
وقد اتفق الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، على اشتراط الشهادة على عقد الزواج، ولم يشترط الإمام مالك الشهادة عليه، فاكتفى بالإشهار والعلنية، وقال: إن الإشهاد عند العقد مندوب، وعند الدخول واجب، فإن دخل الزوج بزوجته بلا إشهاد فسخ الزواج بطلقة بائنة.
وأجمع الفقهاء على أن يشترط في الشهود، البلوغ، والعقل، والإسلام إذا كان الزوجان مسلمين.
واشترط الجمهور أن يسمع الشاهدان معاً كلام المتعاقدين، وأن يفهما المراد منه، حتى يتحقق الغرض من الشهادة، ولم يشترط الجمهور في البصر.
وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وزيد بن علي، وآخرون إلى أن العدالة لا تعتبر.
واشترط مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات صفة الذكورة.
وقول أبي حنيفة، وأبي يوسف المفتى به عند الحنيفة أنه تصح شهادة كتابيين في زواج المسلم بالكتابية، وهذا أحد الأقوال عند الحنابلة.
وممن جعل الإشهاد شرطاً، عمر، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وابن المسيب والاوزاعي.
قال الترمذي: “والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم من التابعين، وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود”، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم.
وأخذت هذه المادة من مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، وفي أحكامها تيسير، ودفع للحرج، مع مراعاة للمصلحة، والعدل، ورأى الكثير من المجتهدين.
وأما شرط الذكورة في الشاهدين فقد أخذ من مذهب مالك.
وواضح أن الشهادة في عقد الزواج يقصد منها – أصلاً – الإعلان الواجب في هذا العقد، لا إثباته ذلك أنه قد يكون شهود الزواج غير صالحين لإثباته شرعاً، كأن يتزوج مسلم بكتابية بشهادة كتابيين، فإن شهادتهما على المسلم لا تقبل.
وعلى هذا يبقى أمر إثبات الزوجية خاضعاً لطرق إثباتها.
الفصل الثاني
العاقدان
الفرع الأول
الحل والحرمة
المادة 12
إن المرأة بالنسبة إلى رجل معين قد يحل له أن يتزوجها وقد تكون حراماً عليه.
فالنساء بهذا الاعتبار ينقسمن إلى: محللات، ومحرمات:
والمحرمات محصورات بالنص، وما وراءهن هن المحللات.
المبحث الأول
الحرمات المؤبدة
المادة 13
الحرمات المؤبدة، أسبابها: النسب، والمصاهرة، والرضاع، وعبرت المادة بالشخص، ليشمل الرجل والمرأة ذلك بأن هذه الأسباب المحددة إذا تحققت أوجبت حرمة النساء على الرجل، كما توجب حرمة الرجال على المرأة.
وفروع الأبوين تشمل: الأخوات من أي الجهات، وبنات الأخوة، والأخوات كذلك، وبنات أولاد الأخوة والأخوات كذلك مهما نزلن.
والطبقة الأولى من فروع الأجداد تشمل: العمات، والخالات، والأعمام، والأخوال ولو كانوا لأب أو لأم فقط، أما أولاد هذه الطبقة، وهم أولاد العمات والأعمام، وأولاد الخالات والأخوال، فيحل زواج بعضهم من بعض.
المادتان 14، 15
جاء في الموطأ عن مالك أن حرمة المصاهرة لا تثبت بالزنى، وهذا هو المعتقد عند الملكية، وهو مذهب الشافعي.
ويرى الحنفية أن حرمة المصاهرة تثبت في جميع صورها بالزنى ودواعيه، ومنها اللمس بشهوة، وبعض حالات النظر، إقامة للوسائل والمقدمات مقام الغايات في الحكم.
وقال الشافعي عند مناظرته في هذه المسألة لمحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة:
“وطء حمدت به، ووطء رجمت به، فكيف يشتبهان؟”.
وظاهر أن الاجتهاد الحنفي فيه ما فيه من حرج، ومثله الحنبلي، ولكن مذهب الشافعي ومن وافقه يؤدى إلى حل الزواج بالفرع من الزنى، وفي هذا من البشاعة ما فيه، لذلك أخذ في تحريم الفرع مهما نزل باجتهاد الحنفية، وأخذ بمذهب الشافعي ومعتمد المالكية فيما سواه.
ويلحظ أن مقدمات الزنى لم يبق لها من تأثير فيما أخذ به المشروع، فلا توجب حرمة المصاهرة أصلاً، وأن التعبير هنا بالشخص يشمل بنت الزاني وابن الزانية على حد سواء.
المادة 16
أ – أجمع الأئمة على أنه: “يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب”، وهذا هو نص الحديث النبوي، ويستثنى الحنفية من عمومه صوراً عديدة، هي في الحقيقة ليست استثناء، لانقطاع الصلة الحقيقية بين الطرفين فيها، وإنما هي صورية فقط عن طريق الاسم.
ومن هذه الصورة الرضاعية، أم الأخ أو الأخت، وأخت الابن أو البنت، وجدة الابن أو البنت، وأم العم أو العمة، وأم الخال أو الخالة …
ب – وقد اتفق جمهور الأئمة الأربعة على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة، لما ثبت أن الرضاع ينشئ صلة أمومة وبنوة بين المرضع والرضيع، فتكون التي أرضعت كالتي ولدت، كل منهما أم، فأم الزوجة رضاعاً كأمها نسباً، وبنتها رضاعاً كبنتها نسباً، وكذلك يكون المرضع أباً للرضيع، والرضيع ظل فرعالة فزوجة الأب الرضاعي كزوجة الأب النسبي، وزوجة البن الرضاعي كزوجة الابن النسبي.
وبهذا صيغت الفقرة (ب).
المادة 17
المدة التي يقتضي الرضاع فيها التحريم هي حولان بالأهلة من وقت ولادة الطفل، فلا يحرم منه إلا ما كان فيهما، وهذا قول، عمر وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عمر، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والشافعي، وأحمد، والنوري، وآخرون، ويجري عليه العمل الآن.
أما مقدار الرضاع المحرم فهو ما وصل إلى الجوف وإن قل، ولو كان قطرة واحدة عند مالك، وأبي حنيفة والعترة، ومن وافقهم.
وعدل المشروع عن ذلك، لما فيه من إحراج الناس بأضيق الاجتهادات في الحل والحرمة، واتبع أعدل الآراء في هذا الموضوع وأصلحها للعمل بها في الزمن الحاضر، الذي يحسن فيه تيسير سبل الزواج، فأخذ بأن يبلغ الرضاع خمس رضعات، على وجه اليقين في العدد، يشبع الرضيع في كل منها بأن يترك الثدي من تلقاء نفسه دون أن يعود إليه، ولا ينزع من فيه انتزاعاً.
وذلك قول ابن مسعود، وعبد الله، وعروة ابن الزبير، وعائشة وعطاء، وطاوس، وابن جبير، وهو مذهب الليث، والشافعي، واسحاق، وابن حزم، وجماعة من أهل العلم، وظاهر مذهب أحمد، وروي عن الإمام علي رضي الله عنه.
المبحث الثاني
الحرمات المؤقتة
المادة 18
عدم انعقاد الزواج في الحالات 1، 2، 3 جاء في فقه المذاهب، آخذاً من صريح نصوص القرآن والسنة، ودلالاتهما.
ومن المقرر أن المرتد والمرتدة عن الإسلام يعتبران كالملحدين غير ذوي دين، ولو أنهما اعتنقا ديناً آخر.
المادة 19
يحرم الزواج بزوجة الغير، وبمعتدته قبل انقضاء عدتها أياً كان سبب الفرقة، ومثل الزواج الصحيح في ذلك كل من الزواج الفاسد بعد الدخول، والدخول بشبهة، ودليل هذا التحريم هو النص القرآني ودلالته، والإجماع، والحكمة فيه حفظ الأنساب، وعدم اختلاطها، ومنع التعدي على حقوق الغير.
المادتان 20، 21
اتبع المشروع في تحريم الجمع بين محرمين مذهب جمهور الفقهاء، فإن القرآن الكريم حرم الجمع بين الأختين، وجاء في السنة النبوية: لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها، فإنكم إن فعلتم قطعتم أرحامكم” قاس الجمهور على هؤلاء أشباههن في درجة القرابة وخصائصها، فلا حرمة في أن يجمع الرجل بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل، لأن امرأة الأب لو فرضت رجلاً، جاز أن يتزوج هذه البنت، وفعل ذلك بعض السلف الصالح، ومن الثابت أن عبد الله بن جعفر جمع بين ليلى بنت مسعود امرأة الإمام (علي) وبنت (لعلي) من غيرها.
وقد ذهب “زفر” إلى أنه يكفي لتحريم الجمع أن تكون واحدة منهما لو فرضت رجلاً لم تحل له الأخرى، وهذه توسعة لدائرة التحريم تخالف ما عليه الجمهور، وكما يحرم الجمع بين محرمين حال قيام زواج الأولى منهما فإنه يحرم وهي في العدة حتى تنقضي عدتها إن كانت ذات عدة، سواء أكان الطلاق رجعياً أم بائناً، أما الرجعي فباتفاق الأئمة، لأن قيد الزواج لا يرتفع إلا بعد انقضاء المدة، وأما البائن ففيه خلاف مالك، والشافعي، والجعفرية، وقد قال الحنفية، والحنابلة: أن بعض أحكام الزواج الأول تبقى بعد الطلاق البائن حتى تنقضي العدة، كالمنع من الخروج، وثبوت النسب لو جاء بولد، فعلائق الزواج لا تنقطع كلها بالبائن، بل يبقى بعضها، ما دامت العدة، فلا يجوز الجمع.
وقد اختار المشروع ذلك فلا يتزوج الرجل أخت مطلقة، ومن في حكمها، حتى تقطع علائق الزواج بينه وبين الأولى انقطاعاً كلياً، فهذا هو الأليق والأنسب بحكمة التشريع.
ودليل تحريم الزيادة على الأربع قول الله تعالى: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع …”، وقد بينت السنة المراد من الآية، واتفق عليه الأئمة الأربعة، وجمهور المسلمين، فمن كان له أربع نسوة، في زواج صحيح، فلا يجوز أن يتزوج خامسة حتى توجد الفرقة بينه وبين إحداهن، وتقضي عدتها إن كان لها عدة، سواء كن جميعاً في عصمته، لا فرقة بينه وبين إحداهن، أو كن جميعاً معتدات له، أو كان ��عضهن في ال��صمة، وبعضهن في العدة، وعدة البائن هنا كعدة الرجعى على ما سلف بيانه.
المادة 22
صيغت هذه المادة بحيث يشمل حكمها الزوجة التي يجري التفريق القضائي بينها وبين زوجها، ويكمل ثلاث طلقات، متى كانت الفرقة تعتبر طلاقاً، حسب نصوص هذا القانون.
المادة 23
حرص المشروع على ما في التشريع القائم من صيانة الأسرة، فأبطل عمل الذين يسعون في التفريق بين المرء وزوجه، بتحريض الزوجة على مضارة زوجها، أو إغرائها بمال أو سواه، حتى يتوصلوا إلى الزواج بمن تقع في حبائلهم.
ومن يطالع كتب التاريخ والفقه يجد هذه الحوادث تترى منذ القرن الأول الهجري، وأن المذهب المالكي عالجها بتحريم الزواج الثاني، ونسخه إذا تم، وذهب في هذا التحريم إلى قولين: أولهما: أن يكون مؤبداً، وثانيهما: عدم تأييد التحريم.
قال “الأبي” المالكي: “انظر ما يتفق كثيراً أن يسعى إنسان في فرقة زوجة من زوجها، هل يمكن من تزويجها إذا ثبت سعيه في ذلك؟ فأفتى بعض أصحابنا أنه لا يمكن من ذلك، ونقل من يوثق به أن ابن عرفة “وافق عليه وهو الصواب، لما فيه من الفساد، واستظهر الفسخ قبل البناء وبعده، لأن الفساد في العقد”.
وسئل أبو الحسن الصغير عن رجل خبب على رجل امرأته حتى طلقها، فلما تمت العدة خطبها المتهم بتخبيبها، فهل يمكن من نكاحها إن ثبت بالبينة، أو بالسماع الفاشي؟ فقال: “يمنع ولا يمكن منها”.
وفي حاشية العدوى على شرح الخرشي لمختصر خليل: “من أفسد امرأة على زوجها، فطلقها زوجها، ثم تزوجها المفسد بعد انقضاء عدتها، فلا يتأبد تحريمها عليه، وذلك لا ينافي أن نكاحه يفسخ قبل البناء وبعده”.
وأورد “الزرقاني” القولين، وبين أن عدم التأبيد هو المشهور، وأن ذلك لا ينافي ما قاله “الأبي” عن ابن عرفة، لأن استظهار فسخه بعده معاملة له بنقيض مقصودة لا يقتضي تأبيد حرمتها عليه.
وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:
“الذي يفسد المرأة على زوجها حتى يتزوجها، فقيل: يتأبد فيها التحريم، وقيل: لا يتأبد فيها التحريم، وإنما يفسخ نكاحه فإذا عادت لزوجها وطلقها، أو مات عنها جاز لذلك المفسد نكاحها، وهذا هو المشهور”.
وأوضح أن تحريمها المؤقت على هذا المخادع لا يحرمها على سواه، فلها بعد الفسخ منه أن تتزوج غيره، كما أن لها أن تعود إلى زوجها الأول.
وعلى أساس المشهور في المذهب المالكي جاءت هذه المادة تؤكد منهج الدولة في استدامة بناء مجتمع فاضل، لا يمدن فيه رجل عينيه إلى حليلة غيره، وهو يعرف أن القانون بنصوصه الواضحة لا يصلح عمل المفسدين.
الفرع الثاني
الأهلية والولاية
البحث الأول
أهلية الزواج والنيابة في عقده
المواد 24، 25، 26، 27، 28
جمهور المجتهدين، ومنهم الأئمة الأربعة، على أنه لا يشترط البلوغ في أهلية الزواج، فيصح أن يزوج الأولياء الصغير والصغيرة وإن كانا في المهد.
وخالفهم عبد الرحمن بن شبرمة، وعثمان البتي، والأصم، فمنحوا زواج الصغار واعتبروه باطلاً، وحجتهم قوله تعالى:
(وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم …)
فهذا النص يدل على أن بلوغ سن الزواج هو علامة انتهاء الصغر، فلو كان الزواج يصح في سن الصغر لما كان لهذه الغاية معنى.
ورأى هؤلاء أنه لا فائدة للصغير والصغيرة من هذا الزواج الذي شرعه الله لخير المجتمع وسعادة أفراده، وللسكن النفسي، والتناسل، ولا يتحقق شيء من هذا في زواج الصغار، وقد يكون فيه ضرر بالغ بهم بإجبارهم على حياة لا يتأكد فيها الانسجام بين الزوجين.
وقال الثوري، وطاووس، وقتادة، ومعمر: “إذا زوج الصغيرين أبواهما أو غيرهما فماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما”.
والجمهور لا يشترطون العقل أيضاً في صحة عقد الزواج، ولكن عند الشافعية أنه لا يزوج مجنون، ولا مختل كبير إلا لحاجة مثل توقع شفائه، وفي توقع الشفاء رأيان، أولهما: شهادة عدلين من الأطباء، والثاني: شهادة طبيب عدل. وفي فقه أحمد أن أبا بكر قال: “ليس للأب تزويج البالغ المعتوه بحال” ويرى القاضي جواز تزويجه عند الحاجة كالشافعي. أما المجنونة فيرى أنه لا يزوجها إلا الحاكم.
وقال ابن حزم: أن المجنون والمجنونة الكبيرين لا يزوجهما أحد لا أب، ولا غيره.
ولاحظ المشروع ما لعقد الزواج من الأهمية في الحالة الاجتماعية من جهة سعادة الأسرة أو شقائها. والقدرة على إنجاب نسل قوي والعناية به، وما أوجبه تطور الزمن من استعداد كبير لحسن القيام بشئون الأسرة، وأن زواج الصغار مجلبة للأمراض: يضني الشباب، ويمنع الفتاة نموها الطبيعي، وأن توارث الأمراض العقلية يحول دون بناء مجتمع سليم.
وتأسيساً على ما سبق، وعلى أن الزواج شركة العمر فلا بد أن يتم اختيار صحيح، وعلى حق ولي الأمر في تقييد المباح، بناء على رأي أهل العلم والدين، إذا أدى المباح إلى ضرر عام – اشترط المشروع البلوغ والعقل في أهلية الزواج، وجعل القاضي هو الذي يأذن بزواج المجنون أو المعتوه، من الجنسين، إذا ثبت أن الزواج يفيد في شفائه، وعلم بحاله الطرف الآخر ورضي به، ومنع التوثيق الرسمي لعقد الزواج أو المصادقة عليه إلا أن يبلغ الفتى والفتاة السن المحددة. وواضح أن المنع من التوثيق لا ينافي صحة زواج من بلغ بلوغاً طبيعياً من الجنسين قبل هذه السن، إذا وقع الزواج مستوفياً شرائطه حسب هذا القانون، وأن النسب يثبت في هذا الزواج.
كما أخذ المشروع بأن زواج كل من المكره والسكران، ذكراً كان أو أنثى غير صحيح، ومأخذ ذلك في الإكراه مذهب الشافعي، وما قرره ابن القيم، وفي زواج السكران قول الليث، والزهري، والبتي، وفريق من المالكية، وهو أصح القولين وأشهرهما عند الامامية، ووضحه ابن القيم دون فرق بين سكر مباح، وسكر غير مباح، لأن المدار هو صحة الإرادة.
وصيغت المواد 24، 25، 26 وفق هذه الأحكام.
أما المادتان: 27، 28 فإن مصدرهما فقه مالك، وأبي حنيفة، وأحمد.
المبحث الثاني
الولاية في الزواج
المواد 29، 30، 31، 32، 33
يجري العمل الآن على أن الأب الرشيد له ولاية التزويج جبراً على بنته البكر البالغة، ولو كانت عانساً بلغت ستين سنة أو أكثر، حسب المشهور في فقه مالك، ومن ثم له أن يزوجها، بغير إذنها وبدون رضاها رجلاً أعمى، أو قبيح المنظر، أو أقل حالاً أو مالاً منها، أو بربع دينار، ولو كان مهر مثلها قنطاراً، ويسري حقه في هذا الإجبار على بنته الصغيرة بكراً أو ثيباً، وإذا اختار وصياً أمره بتزويج بناته جبراً، أو عين له الزوج، كانت للوصي ولاية الإجبار بشرط أن يبذل الزوج مهر المثل، ولا يكون فاسقاً.
وقال الحنفية: لا بد من اعتبارها رضا البكر البالغة، ولا يملك أحد إجبارها على الزواج.
وقال الشافعي: بولاية الإجبار على البكر البالغة لأبيها، ثم لجدها العاصب.
وتعددت الروايات عن أحمد، ومنها ما يوافق مالكاً، ومنها ما يوافق أبا حنيفة.
وفي نيل الأوطار:
“وظاهر أحاديث الباب أن البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي، والثوري، والعترة، والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وذهب مالك، والشافعي والليثي وعدنان وأبو ليلى، وأحمد، واسحق إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان، ويرد عليهم ما في أحاديث الباب”.
ولا شك أن الراجح ما ذهب إليه الحنفية ومن وافقهم، لرجحان أدلتهم وقوتها.
والجمهور على أن البالغة العاقلة لا يصح أن تتزوج إلا بولي، ولا تملك تزويج نفسها.
وذهب قوم منهم أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف في ظاهر الرواية إلى أنها تتولى عقد زواجها بنفسها، بكراً كانت أو ثيباً، دون ولي، وينفذ زواجها ويلزم إذا كان الزوج كفئاً والمهر مهر المثل، وقال محمد بن الحسن أنها إذا زوجت نفسها ولها ولي، فإن زواجها يتوقف على إجازته، فلا بد أن تتلاقى إرادتها مع إرادته، ويشتركا في الأمر، وذهب إلى أن الأولياء هم العصبة فقط، وليس لغيرهم ولاية، وإنما هي من بعدهم للحاكم.
ورأى أبو ثور أنها إذا باشرت العقد بعد رضا الولي صح العقد.
ويقول ابن القيم: “إن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من ملكها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون إذنها، فكيف يجوز أن يخرج نفسها منها بغير رضاها؟
وقد رئي أن الفترة ما بين البلوغ الطبيعي وبلوغ سنة الخامسة والعشرين مرحلة حرجة للفتيات، لم تتهيأ فيها نفوسهن للتبصر ومقاومة المخاطر، ولا تمتد فيها أنظارهن إلى المستقبل البعيد، وإطلاق الحرية في هذه الفترة، بتطبيق الراجح في الفقه الحنفي أو إجبارهن على الزواج بمن يختاره الولي كما جاء في مذهب مالك، كان من جرائه الكثير من المآسي، فدرءاً لذلك كله، وإقامة للأسرة على أساس حكيم، اختار المشروع أن زواج الفتاة ما بين بلوغها الطبيعي وتمام الخامسة والعشرين يشترط فيه اجتماع رأيها ورأي الولي. وأن أولياء التزويج هم العصبة بالنفس حسب ترتيب الإرث، يليهم القاضي حسب رأي الإمام محمد ومن وافقه. وقصر هذه الولاية على الفتاة في هذه المدة، وعلى المجنون والمعتوه، ذكراً أو أنثى، دون سواهم، وقرر للولي أن يباشر عقد زواج بنته التي أتمت الخامسة والعشرين بعد أخذ رأيها، مراعاة للتقاليد، وحفاظاً على مكانة الولي، وقد وكل الأمر في حالة العضل إلى القاضي، ليأمر أو لا يأمر بالتزويج، أخذاً بما نص عليه المالكية والشافعية، من انتقال الولاية حينئذٍ إلى القاضي لا إلى الولي الأبعد.
ولولي الفتاة غير المحرم أن يزوج نفسه من موليته برضاها، لأنها تتصرف في حق خالص لها. وهو نفسها.
ويصح زواج السفيه ولو كان محجوراً عليه، لأن الحجر يكون في التصرفات المالية.
أما الزواج فتصرف شخصي وليس موضع حجر، فيجوز الزواج، ولا يثبت من المهر أكثر من مهر المثل، إذا كان الزوج سفيهاً، ويثبت للزوجة مهر المثل إذا كانت سفيهة.
ومصدر المادتين: 32، 33 هو الفقه الحنفي.
الفرع الثالث
الكفاءة
المادة 34
يراد بالكفاءة في الزواج ألا يكون الزوج دون الزوجة بحيث تتعير به هي وأولياؤها، وإنما ينظر إليها وقت العقد، فإن تحققت لم يؤثر زوالها بعده، لما في اعتبارها في حالة البقاء من الحرج الشديد، ولا سيما بعد الدخول، والولادة، وطول العشرة، ودوام الحال من المحال، والحرج مدفوع شرعاً، ولا عار في تغير الحال.
وهي حق لكل من المرء ووليها، فلكل منهما أن يطلب فسخ العقد عند فواتها، وإذا أسقط أحدهما حقه لم يؤثر ذلك في حق الآخر.
المادة 35
اختلف العلماء في تحديد عنصر الكفاءة، ومنها ما تخالفه مقاييس هذا العصر، واعتبار الدين وحده، على أنه حق المرأة ووليها، هو فقه مالك المتبع الآن، والمنقول عن عمر، وابن مسعود، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وحماد. وقد انتصر البخاري له في صحيحه. ويدل عليه قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). والحديث النبوي: “إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، الا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض”.
فرأت اللجنة أن تصرح بعنصر الدين، لكي يبرز في الكفاءة بصورة واضحة، ويكفي فيه ظاهر العدالة، فلا تتزوج عفيفة بفاجر مستهتر، وهو يتناول الأخلاق الفاضلة، ولا سيما ما تحتاج إليه الأمة في حياتها السياسية والاجتماعية، والاقتصادية.
المادة 36
إن التفاوت الفاحش في السن بين الزوجين كان موضع استهجان قديماً وحديثاً، ذلك بأنه لا تقوم به حياة زوجية سوية، ويقصد به غالباً تحقق رغبة أولياء الزوجة في الاستفادة بمال الزوج أو جاهه، ولم يغب هذا عن أنظار فقهائنا، فقد رأى “الروياني” أن الشيخ ليس كفئاً للشابة، وقرر فقهاء الشافعية أن قول “الروياني” ضعيف، ولكن تنبغي مراعاته.
وحذر فقهاء الحنابلة من هذا الزواج، لأنه ربما حمل الفتاة على ما لا ينبغي.
ونصح الحنفية للأب ألا يزوج بنته الشابة كبيراً في السن.
ودرجت قوانين الأحوال الشخصية في بعض البلاد العربية على تحديد مدى التفاوت، بينما وضع حدود في جميع مراحل العمر أمر مشكل، وركاز الشكوى في حالات زواج السنين والشراب هو ما يمليه عليهن أولياؤهن.
فرأت لجنة المشروع علاج ذلك باعتبار التناسب في السن حقاً للزوجة وحدها، تنفرد هي بالرأي فيه، كما أفردها الفقه المالكي بحق الخيار إذا أراد زواجها رجل به عيب يوجب فسخ الزواج: وذلك ما سارت عليه مدونة الأحوال الشخصية للملكة المغربية بالفصل/15 من الظهير الشريف الصادر في 28 من ربيع الثاني 1377ﻫ. وبهذا لن يكون تفاوت العمر بين الزوجين إلا برضا الزوجات أنفسهن، وكل إنسان على نفسه بصيرة.
المادة 37
لم يجمع الفقهاء على اشتراط الكفاءة، فإن منهم من لا يعتبرون الكفاءة في الزواج، كأبي الحسن الكرخي، وأبي بكر الجصاص، ومن تبعهما من مشايخ العراق، وروي ذلك عن أبي حنيفة نفسه فيما حققه صاحب رد المحتار وصاحب الدرر، ورعاية لاستقرار الأسرة تقرر أن الولي في الكفاءة هو الأب، ثم الابن، ثم الجد العاصب، ثم الأخ الشقيق، ثم الأب، ثم العم الشقيق، ثم لأب فقط، لأن هؤلاء هم الذين يتأثرون في مجتمعنا بعدم الكفاءة، وبالنسبة لمن عداهم من الأولياء أخذ المشروع برأي من لا يعتبرون الكفاءة في الزواج.
والمقصود بحق طلب الفسخ لعدم الكفاءة هو حماية سمعة الأسرة لا حماية الحقوق المالية للمرأة، فيثبت هذا الحق للأولياء المذكورين، ولو جاوزت المرأة سن الخامسة والعشرين.
المادة 38
أوردت هذه المادة حكم التغرير بالكفاءة، فإذا ادعاها الرجل ثم تبين أنها لم تكن قائمة وقت العقد، جاز لكل من المرأة ووليها حق طلب الفسخ للتغرير الذي لازم العقد فأفقده حقيقة الرضا.
المادة 39
إذا حملت الزوجة أصبح في فسخ الزواج لنقص الكفاءة ضرر يتعدى إلى الوليد، وإذا انقضت سنة على العلم بالزواج ازداد حق الكفاءة ضعفاً، ومن رضي فقد أسقط حقه، والساقط لا يعود، ولهذا، وأخذاً برأي النافين لاعتبار الكفاءة تقرر سقوط الحق في طلب الفسخ في الحالات المذكورة، لأن الأولى هو استقرار الأسرة.
ونصح الحنفية للأب ألا يزوج بنته الشابة كبيراً في السن.
ودرجت قوانين الأحوال الشخصية في بعض البلاد العربي على تحديد مدى التفاوت، بينما وضع حدود في جميع مراحل العمر أمر مشكل، وركاز الشكوى في حالات زواج المسنين والشباب هو ما يمليه عليهن أولياؤهن.
الفرع الرابع
اقتران العقد بالشرط
المواد 40، 41، 42
ازدادت في هذا العصر حاجة الناس إلى المشارطات في عقد الزواج، إذ يرغب كل إنسان أن يؤسس حياته وفق ظروفه الخاصة، وقد اتسع مجال الحرية الفردية، وكثرت الحوادث التي يسيء فيها الرجل معاملة زوجته حتى صارت حافزاً إلى التفكير في أن تحمي المرأة نفسها ومصالحها بشروط تشترطها في العقد.
وأهمية هذه الشروط تنشأ من أنه كثيراً ما تتقدم عقد الزواج محادثات بين الزوجين، أو من يمثلهما من الأهل والأصدقاء، تتضمن عهوداً، ووعوداً لولاها ما أقدم أحدهما على الزواج، ثم لا توفى العهود ولا تنجز الوعود، فيبزغ الشقاق، وتسوء العشرة.
والشروط – بوجه عام – مكروهة عند مالك رحمه الله، وقد جاء عنه أنه نهى الناس أن يتزوجوا بالشروط، وكتب بذلك كتاباً، وصيح به في الأسواق، وبين فقهاء مذهبه أن الشروط ثلاثة أقسام.
الأول – ما يقتضيه العقد ولو لم يذكر فيه، مثل: حسن العشرة، وإجراء النفقة على الزوجة، والقسم لها مع أخرى، وعدم الإيثار عليها، وهذا جائز ووجوده وعدمه سواء، لأن حكمه من لوازم العقد فيثبت بالشرط وبدونه.
الثاني – ما يكون مناقضاً لمقتضى العقد في الدوام والأحكام المترتبة عليه، مثل اشتراط الزوج ألا ينفق عليها، أو ألا يقسم لها مع ضراتها، أو ألا يعطيها ولدها، أو شرط أن لا ميراث بينهما، أو الخيار لأحدهما أو لهما أو لغيرهما، وهذا النوع لا يجوز اشتراطه، ويجب به فسخ الزواج قبل الدخول وبعده.
وقيل: يفسخ قبل الدخول، ويثبت بالدخول ويسقط بالشرط، وهذا هو المشهور. وفي رأي مالك أنه إذا أسقطه المشترط صح العقد وإن تمسك به فسخ العقد.
الثالث – ما لا يقتضيه العقد ولا يكون منافياً له، وللزوجة فيه غرض صحيح، مثل: ألا يتزوج عليها، أو لا يخرجها من دارها أو بلدها، وهو لا يفسخ العقد قبل الدخول ولا بعده، ولا يلزم الوفاء به، وهو مكروه لما فيه من التحذير، والحنفية أطالوا الكلام في الشروط، غير أنهم لم يعنوا بتقسيمها، ويظهر مما قرروه أنه لا تأثير لما يشترطه أحد الزوجين على الآخر في عقد الزواج، فشروط العقد إلا أقلها تعتبر فاسدة إذا فهم معنى الفساد على أنه عدم لزوم الشرط والوفاء به.
ويرى الشافعية، على ما جاء في الأم، وشرح مسلم للنووي، أن الشروط الجائزة هي التي تكون من مقتضيات ومقاصد العقد، كالعشرة بالمعروف، وعدم التقصير في شيء من حقوق الزوجة. أما الشروط التي لا يقتضيها العقد ولا تتفق مع نظامه فهي باطلة والعقد صحيح، مثل: أن تخرج من البيت متى شاءت، أو ألا يتزوج عليها، أو ألا يسافر بها من بلدها.
وفقهاء مذهب أحمد بن حنبل قسموا الشروط إلى ثلاثة:
الأول: ما يبطل به الزواج، ومنه: التأقيت، والخيار، والشغار، وورد في كل منها أقوال ووجوه.
الثاني: ما يبطل فيه الشرط ويصح الزواج، مثل: عدم المهر أو النفقة أو القسم، أو أن يقسم لها أكثر أو أقل، وروعي الخلاف في ذلك، فجاء عن أحمد أن هذا الشرط فاسد دون العقد. وقيل بفساد كل من الشرط والعقد. واختار ابن تيمية صحة الشرط والعقد. ومن صححوا العقد دون الشرط ذهبوا إلى أن من فات غرضه من الشرط له الحق في فسخ العقد مجاناً إذا كان جاهلاً بفساد الشرط عند العقد، فإن لم يكن جاهلاً بفساده عند العقد فلا يكون له الفسخ. ومن قالوا بصحة الشرط والعقد جعلوا للمشترط الحق في الفسخ إذا لم يوف له بشرطه. وتكلم الحنابلة في اشتراط الأوصاف، مثل أن يكون الزوج طبيباً، أو الزوجة بكراً، فقالوا: إذا اشترط الزوج السلامة، أو شرط الجمال فبانت شوهاء، أو شابة فبانت شمطاء، أو بكراً فبانت ثيباً فله الفسخ.
وقال أصحاب أحمد: إذا شرطت فيه صفة فبان بخلافها فلا خيار لها إلا في شرط الحرية، وفي شرط النسب وجهان، وفي زاد المعاد أن الذي يقتضيه مذهب أحمد وقواعده أنه لا فرق بين اشتراطه واشتراطها، بل إثبات الخيار لها إذا فات ما اشترطته أولى، لأنها لا تتمكن من المفارقة بالطلاق، فإذا جاز له الفسخ مع تمكنه من الفراق بغيره فلن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكنها أولى… فإذا اشترطته شاباً جميلاً صحيحاً فبان عجوزاً مشوهاً، أعمى، أطرش، أخرس، فكيف تلزم به وتمنع من الفسخ، هذا في غاية الامتناع والتناقض والبعد عن القياس وقواعد الشرع. وقد اختار ذلك ابن تيمية، وأخذه عن القاضي أبي يعلى وغيره.
الثالث: ما يلزم الوفاء به كشرط نقد معين تأخذ منه مهرها، أو زيادة في مهرها على مهر مثلها، ونحوه مما لها فيه غرض صحيح، فإن لم يف الزوج فلها الفسخ وهو لازم للزوج ليس له فكه بدون إبانتها، ولا يسقط إلا بما يدل على رضاها من قول أو تمكين.
ويقول الامامية: لو شرط في العقد محرماً بطل الشرط دون العقد، ولو اشترط ألا يخرجها من بلدها لزم الشرط. ويجوز أن تشترط ألا يتزوج عليها ويلزم الزوج العمل به. ويجوز أن تشترط الوكالة على طلاق نفسها عند ارتكابه بعض الأمور من سفر طويل، أو جريمة موجبة لحبسه أو غير ذلك فتكون وكيلة على طلاق نفسها، ولا يجوز له عزلها، فإذا طلقت نفسها صح طلاقها. ولو شرطها بكراً فظهرت ثيباً فله الفسخ بمقتضى الشرط، وقال ابن ادريس: لا فسخ ولكن ينقص مهرها بنسبة ما بين مهر البكر، والثيب.
ويقول صاحب فقه الإمام جعفر الصادق في اشتراط أحد الزوجين صفة في الآخر، كأن تكون بكراً، أو يكون متديناً لا متسامحاً في دينه، أنه يصح الشرط ويلزم العقد مع تحققه، ويثبت خيار الفسخ مع تخلفه.
وقد لوحظ ما في الأحكام السارية في تضييق يوجد إلى جانبه توسعة في مذاهب أخرى أرحب صدراً بقبول المشارطات في عقد الزواج، ضمن قواعد تحقق المصلحة العامة، ولا تنافي أصل العقد ولا مقتضاه، ولم يجمع على تحريمها في المذاهب السائدة، فأخذ عنها المشروع أحكام الشروط تيسيراً للحياة الزوجية الهادئة، وقسمها إلى ثلاثة أنواع:
أولها: ما ينافي أصل العقد، فإذا اشترط بطل العقد، مثل: أن يتزوجها إلى مدة معلومة أو مجهولة، أو على أن يطلقها في وقت معلوم أو مجهول، أو على شرط ألا يمسها، أو إذا رضيت أمها، أو إذا وافق فلان، ومن هذا النوع زواج الشغار، وهو أن يتزوج رجلان كل منهما قريبة الآخر، كبنته أو أخته، على أن يكون مهر كل واحدة من الزوجتين هو تزويج الأخرى، ويقع شرط الشغار عادة بين الرجلين من أهل البادية، باعتبار أن المرأتين لا تستطيعان الخروج عن إرادة أوليائهما اللذين يريدان الزواج، ويعقد الزواج على أساسه بموافقة المرأتين المغلوبتين على أمرهما، وهذا من بقايا الجاهلية، وجمهور الأئمة على بطلانه، لما فيه من ظلم النساء بأكل حقوقهن. وقال مالك في صريح الشغار أن حكمه الفسخ مطلقاً، ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول، ولها بعده صداق المثل. وظاهر الأحاديث النبوية فيه أنه حرام باطل. وقال النووي: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك…
ثانيهما: ما لا ينافي أصل العقد، ولكن ينافي مقتضاه أو كان محرماً، فيبطل الشرط، ويصح العقد، مثل: أن يشترط أحدهما الخيار في الزواج أبداً أو مدة ولو مجهولة، أو يشترط عدم ميراث الآخر منه، أو تشترط الزوجة أن يسكنها حيث يشاء أبوها أو غيره، أو عدم سفره معها إذا أرادت انتقالاً، أو يشترط هو عدم إنفاقه عليها، فإن هذه شروط باطلة تنافي مقتضى العقد، وتتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد، أما العقد فصحيح لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا ينافي أصله.
ومن أمثلة المحرم: شرط عدم ولاية الأب على أولاده، أو عدم ثبوت نسبهم منه، أو تبعيتهم في الدين لأمهم الكتابية، أو تقطيع الأرحام أو أن يتناول معها الشراب المحرم، أو تستمر في عمل غير مشروع كالاكتساب بالرقص.
ثالثها: ما لا ينافي أصل العقد ولا مقتضاه وليس محرماً، وهذا يجب الوفاء به ولصاحبه حق الفسخ إذا أخل به المشروط عليه، مثل: أن تشترط الزوجة ألا يتزوج عليها، أو عدم الانتقال من دارها أو بلدها، أو أن يقيم معها ولدها من غيره، أو أن ينفق الزوج على هذا الوليد، ومن هذا النوع: مزاولة الأعمال المشروعة، وإتمام الدراسة، ونحو ذلك من كل شرط فيه منفعة، ولا يمنع مقصود الزواج.
وقررت الفقرة / د من المادة /41 التسوية بين الزوج والزوجة في فوات الصفة التي اشترطت بالعقد، أي صفة كانت، مثل أن تكون الزوجة شابة، والزوج طبيباً، أخذا بما يقتضيه مذهب أحمد وقواعده، وقرره القاضي أبو يعلى، واختاره ابن تيمية ورجحه ابن القيم.
وقطعاً للمنازعات والكذب في ادعاء شيء من هذه الشروط وإثباتها صرحت المادة 41 بأنه يجب أن يكون الشرط مسجلاً في وثيقة الزواج، ومستند ذلك ما في مذهب أحمد من أنه لا اعتبار لشيء من الشروط إذا عقد العقد خالياً عن كل شرط، ثم شرط أحد الزوجين على الآخر بعد العقد شيئاً من ذلك ورضي الآخر، بل يجب أن يعقد من البداية على أساس الشرط المقصود.
وصيغت المادة /42 وفق نصوص هذا المذهب سالفة البيان.
وقد وضح أن مصدر هذا الفرع في الجملة، هو مذهب أحمد، ومرده إلى أن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود والعهود كلها، وإلى السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط في الزواج، وأنها أحق الشروط بالوفاء على الإطلاق، وإلى قضاء عمر، فيمن شرط لها زوجها دارها، بمنعه من إخراجها وفقاً لما شرطه على نفسه. وقال له عمر لما ناقشه في ذلك: “مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما اشترطت”.
وقد راعت اللجنة فيما أخذت به تحقيق المصلحة، وما يقضي به التطور الاجتماعي والزمني.
الباب الرابع
أنواع الزواج وأحكامها
الفصل الأول
الأنواع
المواد 43، 44، 45
الفصل الثاني
الأحكام
المواد 46، 47، 48، 49، 50، 51
اختار المشروع تقسيم الزواج، من حيث الصحة وعدمها، إلى زواج صحيح، وزواج غير صحيح.
ثم قسم الزواج الصحيح إلى: نافذ، وغير نافذ، وجعل النافذ لازماً وغير لازم، وحدد مفاهيم النفاذ، واللزوم، وعدمهما، وآثارهما.
وبين أن الزواج غير الصحيح يندرج تحته الباطل، والفاسد.
ومعلوم أن نظرية الفساد حنفية المنشأ، وهي بين الصحة والبطلان، وفي نطاقها كلام يطول، وقد أراد فريق من فقهاء الحنفية أن يستخدموا لفظ الفساد في التمييز بين أنواع الزواج غير المنعقد حتى يضبط الأحكام بألفاظ اصطلاحية، مع أن هناك فوارق بين الفاسد من عقد الزواج، والفاسد من المعاملات المالية، ويذهب الكمال بن الهمام في شرحه فتح القدير إلى أنه لا فرق بين باطل الزواج وفاسده. وهذا مشكل إذا تتبعنا صور الزواج غير الصحيح، مثل: زواج المسلمة بغير المسلم، وهو متفق على أنه لا أثر له. ومثل: العقد الذي يباشره فاقد الأهلية، كالمجنون فإنه في حيز العدم. ومع ذلك فإننا إذا التمسنا في المذهب ضابطاً يميز بين الباطل والفاسد من عقود الزواج فإنه لن يكون واضحاً مسلمّاً، وقد أدى هذا إلى الاختلاف في التطبيق، وإلى نتائج غريبة، وقد خرجت بعض التشريعات من هذا الاضطراب بحصر البطلان في حالة واحدة هي زواج المسلمة بغير المسلم، فكانت النتيجة نابية غير مستساغة، وهي أن زواج الرجل من إحدى محارمه، مهما كانت قرابتها قريبة وحرمتها واضحة، كأمه أو بنته أو أخته، يعتبر فاسداً لا باطلاً، مع أنه جريمة أشنع شرعاً، وعقلاً، وقانوناً من الزنى بالأجنبية، على الرغم من صورة العقد.
وعلاجاً لهذه الحالة صرح المشروع بجميع ما يكون زواجاً باطلاً وبأحكامه، ثم نص على أن سواه من غير الصحيح يعتبر فاسداً، وأورد أحكام العقد الفاسد.
وسار على مذهب الجمهور، وصاحبي أبي حنيفة في زواج المحارم في حالة العلم بالحرمة، وعين المحرمة، ولم يعتبره فاسداً، فتفادى ما يبدو نابياً من الطبيعة البشرية، وعن منطق التشريع.
ومن الواضح أن العلم بالحرمة يتحقق بمعرفة حكم القانون، والواقع معاً، وإن العلم يشترط بالنسبة للزوجين.
وحرمة المصاهرة التي وردت ضمن آثار الدخول الحقيقي في الزواج الفاسد قد ذكرت، لأنها من مستلزمات ثبوت النسب، فليست زائدة على الآثار الثلاثة الأولى التي قررنا الفقهاء.
الباب الخامس
آثار الزواج
الفصل الأول
المهر
المواد 52، 53، 54
اختلف الفقهاء في تحديد حد أدنى للمهر، فذهب الحنفية إلى أنه عشرة دراهم من الفضة أو ما يساويها.
وقال المالكية: أنه ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما قيمته ذلك، وقد استدلوا بآثار وردت في هذا التحديد.
وقال كثيرون من الصحابة، والتابعين، والمجتهدين، أنه لا حد لأقل المهر، ومنهم: عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأهل الظاهر، لقوله سبحانه وتعالى:
“وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين”، ولقوله عليه الصلاة والسلام التمس ولو خاتماً من حديد.
وهذا يدل دلالة ظاهرة على أن المهر يصح بكل ما يطلق عليه اسم المال ولو كان قليلاً، لذا رئي الأخذ بعدم تحديد حد أدنى للمهر، حسب الدليل القوي.
كما اتفق الفقهاء على أن المهر لا حد لأكثره. ودليلهم الإجماع، ومستنده قوله تعالى: “وأتيتم احدا عن قنطاراً” أي مالاً كثيراً.
ولا يشترط أن يكون المهر من الذهب أو الفضة، بل كل ما صح أن يكون مهراً، مالاً كان، أو عملاً، أو منفعة يقدمها الزوج مما يتقوم بمال، ولا ينافي قوامة الزواج.
فإدارة أعمال الزوجة، والإشراف على أملاكها وتعليمها، ونحو ذلك يجوز أن يكون مهراً.
يشهد لذلك حديث سهل بن سعد الساعدي الذي جاء فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام زوج رجلاً امرأة بما معه من القرآن.
ولا يجوز أن يكون مهراً كل منفعة لا تقابل بمال، كما لو تزوج رجل امرأة على أن يكون مهرها ألا يتزوج عليها. أو يطلق زوجته السابقة، كما لا يجوز أن يكون مهراً خدمة الزوج زوجته، لما فيها من امتهان للزوج، ومنافاة لقوامته على زوجته.
المادة 55
يجب المهر إذا كان مسمى تسمية صحيحة، أما إذا لم يسم، أو نفي أصلاً، أو كانت التسمية غير صحيحة، بأن كانت بما ليس مالاً متقوماً في الإسلام، أو كان المسمى مجهولاً جهالة فاحشة، فيجب مهر المثل.
ومهر المثل: هو مهر مثل المرأة من أسرة أبيها، كأختها أو عمتها، تماثلها وقت العقد، سناً، وجمالاً، ومالاً وديناً، وعلماً، وعقلاً وبكارة أو ثيوبة، وما أي ذلك من الصفات التي يختلف المهر باختلافها في صرف الناس.
فإن لم توجد من تماثلها من أسرة أبيها بما ذكرنا من الأوصاف اعتبر مهر المثل بمهر امرأة تماثلها من أسرة كأسرة أبيها.
ومصدر هذه المادة مذهب الحنفية.
المادتان 56، 57
لا يلزم تعجيل المهر كنة قبل الدخول، فإن يكون حالاً كله، أو مؤجلاً كله، أو أن يكون حالاً بعضه، أو مؤجلاً بعضه إلى ما بعد الدخول، أو إلى أقرب الأجلين: البينونة أو الوفاة، أو إلى أجل يتفق عليه الزوجان، كما يجوز دفعه على أقساط في مدة معلومة، وإن لم يكن اتفاق على شيء من ذلك – جرى الأمر على ما عليه العرف في البلد الذي انشيء العقد فيه، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
وإذا لم يكن ثمة عرف على تأجيل بعضه، وجب المهر كله حالاً بمجرد العقد.
هذا، وإطلاق التأجيل في المهر ينصرف إلى حين البينونة أو الوفاة، وبهذا قال، النخغي، والشعبي، والليث بن سعد، ونص عليه أحد، واختاره قدماء شيوخ المذهب الحنبلي، والقاضي أبو يعلي، وابن تيمية.
المادة 58
يجوز للزوج بعد العقد أن يزيد في المهر لزوجته بما يشاء، بشرط معرفة مقدار الزيادة، وأن تكون الزوجية قائمة حقيقية أو حكماً، وقبول الزوجة الزيادة في المجلس، كما يجوز للزوجة أن تحط عن زوجها بما تشاء، دون فرق بين إذا كان ديناً ثابتاً في الذمة مما لا يتعين بالتعيين كالنقود، وما إذا كان مما لا يثبت في الذمة من الأعيان كالدار المعينة، لأن العبرة بالمقاصد والنيات، بشرط رضا الطرفين، وأن يكون كل منهما كامل الأهلية، مستوفياً شروط التصرف في ماله.
وتلحق الزيادة أو النقصان بأصل العقد، وتأخذ حكمه، فللزوجة أن تطالب الزوج بهذه الزيادة، كما تطالبه بالأصل، ويتأكد وجوبها مع أصل المهر بالدخول، وتتنصف بالطلاق قبل الدخول كما يتنصف الأصل.
صرح بذلك الأمام أحمد، وهو رأي للمالكية، والقول الأول لأبي يوسف من الحنفية.
المادة 59
إذا كانت المرأة بكراً رشيدة ثبتت لها ولاية قبض مهرها، لأن المهر بعد تمام العقد يعتبر حقاً خالصاً للمرأة، ولا يقبض أحد سواها مهرها إلا بإذنها، ومن الأذن الضمني أن يقبض الأب، ثم الجد العاصب مهر البكر حتى الخامسة والعشرين من عمرها، ما لم تنه عن ذلك، وهذا ما جرت به العادة، فإن نهت الأب أو الجد عن قبض المهر لم يكن لأحدهما قبضه، لأن النهي الصريح أقوى من الأذن دلالة.
أما الثيب فلا بد من أذنها الصريح لوليها بقبض المهر.
ومصدر هذه المادة الحنفية.
المادة 60
جاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير الجزء الثاني.
“وإن تنازعا في قبض ما حل من الصداق، فقيل البناء القول قولها (الدخول)، وبعده القول قوله أنها قبضته بيمين فيهما” ما لم يكن هناك دليل أو عرف مخالف”.
وحسب هذا الفقه المالكي صيغت المادة.
المادة 61
إذا دخل الرجل بامرأته دخولاً حقيقياً تأكد ثبوت المهر كله، لقوله تعالى: “فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة”، ولأن الزواج قد استوفي المعقود عليه، وهذا باتفاق الفقهاء، ومنهم المالكية.
قال الدردير في الشرح الكبير: “وتقرر جميع الصداق الشرعي المسمى أو صداق المثل في التفويض بوطء المطيقة من بالغ، و … لأنه قد استوفى سلعتها … فاستحقت جميعه”.
واختلف الفقهاء في وجوب المهر كله بالخلوة الصحيحة، فذهب أبو حنيفة، وأحمد إلى أنها تؤكد وجوب المهر كله، لقوله تعالى: “وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظا”. والمراد بالإفضاء الخلوة دخل بها أم لم يدخل، وهذا قول الفراء. وقال ابن قدامة: “وهذا صحيح”. وقد حكى الطحاوي إجماع الصحابة على ذلك.
وقال زرارة بن أوفي: قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق باباً، أو أرخى ستراً فقد وجب المهر، ووجبت العدة.
أما الشافعية فرأوا أن المهر لا يجب كله بالخلوة، وهذا مروي عن ابن عباس، وطاووس، والشعبي، ومكحول، وأبي ثور.
ويرى المالكية أن الزوجة إذا زفت إلى زوجها، وأقامت معه عاماً كاملاً تأكد المهر كله، لأن الإقامة معه هذه المدة الطويلة تقوم مقام الوطء، متى كان الزوج بالغاً، وكانت الزوجة تطبق الوطء.
والخلوة عندهم نوعان، خلوة بناء، وخلوة زيارة، فإذا زفت إلى زوجها واختلى بها بعد الزفاف كانت خلوة بناء، فتصدق في دعوى الوطء بيمينها، باعتبار الزفاف قرينة شاهدة لها.
وفي خلوة الزيارة وهي التي قبل الزفاف يحكمون ظاهر الحال.
فإن كان الزوج هو الزائر صدق في دعوى عدم الوطء بيمينه، وإن كانت الزوجة هي الزائرة صدقت في دعوى الوطء بيمينها.
فالمالكية لا يعولون على الخلوة القصيرة، وإنما يعولون على ما يصاحبها من الوطء، ويعتمدون على القرائن التي تؤيد الدعوى ويحكمون بتأكيد المهر، متى شهدت القرائن بالوطء.
ومراعاة لما هو أقرب إلى العدل، واستناداً إلى ما ذهب إليه الحنفية ومن وافقهم، ونظراً لقوة الأدلة التي اعتمدوا عليها اتجه المشروع إلى أن المهر يتأكد كله بالخلوة الصحيحة.
هذا وقد اتفق الحنفية على أن موت أحد الزوجين يوجب المهر كله، لأن الموت لم يعهد مسقطاً للديون، وبالموت انقطع احتمال حدوث ما يسقط المهر كلاً أو بعضاً.
المادة 62
قال الدسوقي من المالكية:
“ويبقى النظر في قتل المرأة زوجها: هل تعامل بنقيض مقصودها ولا يكتمل صداقها، أو يكتمل، والظاهر أنه لا يتكمل لها بذلك، لاتهامها، لئلا يكون ذريعة لقتل ��لنساء أزواجهن”.
ومراعاة للعدالة، وحرصاً على عدم ابتزاز أموال لأثرياء من الأزواج، واستناداً إلى مبدأ السياسة الشرعية، إن الإصلاح هو سقوط المهر كله إذا قتلت الزوجة زوجها قتلاً مانعاً من الإرث، قبل الدخول بها، لأنها فوتت حق الزوج عليها، فيسقط حقها في المهر، وكذلك يسترد ما قبضته منه في هذه الحال، أما إذا كان القتل بعد الدخول فلا تستحق شيئاً من الباقي.
المادة 63
أ، ب – يجب نصف المهر للزوجة بالطلاق قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة إذا كان المهر مسمى تسمية صحيحة في عقد صحيح. وإذا قبضت الزوجة زيادة على نصف مهرها رجع عليها زوجها بالزيادة.
ج – وأما إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها أو أكثر، ثم طلقها قبل الدخول، أو الخلوة الصحيحة فلا يرجع عليها بشيء إلا إذا كان ما وهبته أقل من النصف، رجع عليها بباقي النصف، لأن المعتاد أن المرأة تهب هذه الهبة على أمل استمرار الحياة الزوجية، ولو كانت تعلم أنه سيطلقها ما وهبته شيئاً من مهرها قل أو أكثر.
ولا فرق في هذا الحكم بين هبة المهر للزوج بعد القبض أو قبله، فمتى وصل الزوج مقدار نصف المهر، أو سقط منه هبة من الزوجة، ثم طلقها قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة لم يبق له حق استرداد شيء منها. ومصدر هذه المادة مذهب المالكية.
المادة 64
المتعة هي المال الذي يدفعه الزوج لمطلقته غير المهر، تطيباً لنفسها، وتعويضاً عن ألم الفراق، ولا فرق بين أن يكون المال نقداً أو ثياباً والمعتبر في تقديرها أن تكون بحسب حال الزوج يساراً أو إعساراً، وهذا قول المالكية، والحنابلة، لقوله تعالى: “ومتعوهن على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين”.
وصرح الشافعية والحنابلة بأن يوكل تقديرها إلى القاضي، لعدم ورود نص بالتقدير يحتاج إلى الاجتهاد، لاختلافه باختلاف الأحوال، فيجب الرجوع إلى القاضي، على ألا تزيد المتعة على نصف مهر المثل.
المادة 65
يسقط المهر كله أو المتعة إذا حصلت الفرقة بسبب من الزوجة قبل الدخول حقيقة أو حكماً، كما لو أبت الإسلام إذا أسلم زوجها ولم تكن كتابية، لأنها تسببت في الفرقة، مع علمها بعدم وجود ما يؤكد المهر، فتعتبر متنازلة عنه، وكذلك فسخ الزواج لعدم كفاءة الزوج، لأن هذه الفرقة تعتبر من جهتها.
المادة 66
إذا تزوج الرجل في مرض موته بأزيد من مهر المثل كان حكم هذه الزيادة حكم الوصية، فتنفذ من ثلث المال، فإن كان الثلث أقل من الزيادة نفذت بمقدار الثلث فقط، إلا إذا أجازها الورثة.
المواد 67، 71
منعاً للتجاحد في أصل تسمية المهر أو في مقداره، وقطعاً للنزاع في مهر السر والعلانية، اتجه المشروع إلى اعتبار المهر المسمى في وثيقة الزواج الرسمية دون غيره، ما لم يثبت تزويرها بالطرق المقررة قانوناً، وذلك مراعاة لاتساق التشريع، وأخذاً من ظاهر كلام الإمام أحمد، وهو قول الشعبي، وأبي قلابة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والأوزاعي، والمشهور عن الشافعي.
وإذا خلت الوثيقة من بيان المهر طبق ما يأتي:
إذا اختلف الزوجان في أصل تسمية المهر بعد وجود ما يؤكده كله من دخول حقيقي أو حكمي، حصلت الفرقة أو لم تحصل، فالبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، فإن أقام مدعي التسمية البينة قضى بالمسمى الذي ادعاه، وإن عجز وجهت اليمين إلى المنكر، فإن نكل حكم بالمسمى، وإذا حلف يقضي بمهر المثل، على ألا يزيد عما ادعته الزوجة لرضاها بما سمته، ولا ينقص عما ادعاه الزوج، لرضاه بالمسمى الذي ادعاه.
وكذلك الحكم عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر.
أما عند الاختلاف بين ورثتهما فيقضي بالمسمى إن ثبتت التسمية وبمهر المثل إن لم تثبت، عملاً بقول الصاحبين: أبي يوسف ومحمد، مع مراعاة الشرط المبين فيما إذا كان الاختلاف بين الزوجين.
وأما إذا كان الاختلاف بعد الفرقة، وقبل الدخول حقيقة أو حكماً، وثبتت التسمية بالبينة، أو بالنكول عن اليمين عند العجز عن البينة حكم القاضي بنصف المهر المسمى للزوجة، وإن لم تثبت التسمية حكم لها بالمتعة، على ألا تزيد على نصف ما ادعته الزوجة، ولا تنقص عن نصف ما ادعاه الزوج.
وإذا اختلف الزوجان في مقدار المهر المسمى، بأن ادعت الزوجة أنه ألف دينار، وادعى الزوج أنه خمسمائة دينار، فيرى أبو يوسف من الحنفية، أن البينة على الزوجة، واليمين على الزوج.
فإن أقامت الزوجة البينة على دعواها قضى لها بها وإن عجزت يحلف الزوج، فإن نكل حكم لها بدعواها، وإن حلف الزوج اليمين حكم له بما ادعاه، إلا إذا كان أقل من مهر مثلها، فيحكم مهر المثل، على ألا يزيد عما ادعته زوجته ويسري ذلك عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر، أو بين ورثتهما. ومصدر المادتين 68، 69 مذهب الحنفية والحنابلة، وهما واضحتان.
الفصل الثاني
الجهاز ومتاع البيت
المادة 72
يرى الحنفية أن إعداد البيت على الزوج، لوجوب النفقة عليه بكل أنواعها من مطعم، وملبس، ومسكن، ومنها إعداد البيت، والمهر ليس عوضاً للجهاز، وإنما هو ملك خالص للزوجة من غير أي مقابل، وليس الجهاز حقاً على المرأة، كما أنه لا يوجد ما يدل على أن الجهاز واجب على أبيها، ولا يحق لأحد أن يجبرها على ذلك، فإذا أحضرت الجهاز فهي متبرعة به، ولا يستعمله الزوج لنفسه أو لأضيافه دون إذنها.
وذهب المالكية إلى أن المهر ليس حقاً خالصاً للمرأة، ولهذا لا يجوز لها أن تنفق منه على نفسها، ولا تقضي منه ديناً عليها، وإن كان للمحتاجة أن تنفق منه، وتكتسي بالشيء القليل بالمعروف، وأن تقضي منه الدين القليل، كالدينار إذا كان المهر كثيراً.
وإنما ليس لها شيء من ذلك، لأن عليها أن تتجهز لزوجها بالمعروف بما قبضته من المهر قبل الدخول إن كان حالاً، أو بما تقبضه منه إن كان مؤجلاً، وحل الأجل قبل الدخول بها، فإن تأخر قبض شيء من المهر حتى دخل الزوج بها لم يكن عليها أن تتجهز بشيء مما تقبضه من بعد، إلا إذا كان مشروطاً بشرط، أو جرى به عرف.
وللزوج أن ينتفع بجهازها، وليس لها أن تتصرف فيه إلا بعد مضي مدة انتفاع الزوج، وقيل إن مدة السنة قليلة. وذكر ابن رشد أن لها التصرف بعد أربع سنين.
وقد أخذت المادة بالفقه الحنفي في عدم إلزام الزوجة بشيء من جهاز منزل الزوجية، وبما يوافق مذهب مالك في انتفاع الزوج بما تحضره من جهاز دون تقييد بمدة، طبقاً لما تعارفه الناس، استدامة لحسن العشرة، ولكن بغير مساس بملكيتها لأعيان جهازها أو حقها في التصرف فيه بالبيع أو غيره، منعاً لضررها من هذه القيود.
المادة 73
المراد بالمتاع كل ما يحضره الزوجان أو أحدهما بعد الدخول مما يلزم استعماله في بيت الزوجية.
وسارت المادة وفق ما نص عليه في فقه الإمام مالك الجاري عليه العمل، فقد جاء في الحطاب: “… وإن جميع ما يعرف أنه الرجال يقضي به للرجل مع يمينه، وكذا ما يعرف للرجال والنساء يقضي به للرجل مع يمينه، لأن البيت بيت الرجل، وما يعرف للنساء يقضي به للمرأة مع يمينها، ووارث كل واحد منهما يتنزل منزلته، فما يعرف للرجال، قضى به لورثة الرجل مع يمينهم، وما يعرف للرجال والنساء يقضي به لورثة الرجل مع يمينهم، وما يعرف للنساء يقضي به لورثة المرأة مع يمينهم أنه لها…”.
الفصل الثالث
نفقة الزوجة
الفرع الأول
أحكامها العامة
المادة 74
سبب نفقة الزوجة على الزوج هو عقد الزواج الذي جعلها مقصورة عليه، مجتمعة لحقوقه، شأنها شأن القاضي، والجندي، وسائر من احتبس لمصلحة غيره، وهي بالعقد الصحيح احتبست لحق الزوج، ولكرامة الأسرة، وصيانتها توجب أن تكون نفقتها في مال رد الأسرة من حين العقد، ولو كانت تخالفه في الدين، أو كانت في بيت أبيها أو بيتها الخاص، بشرط أن تكون مستعدة لطاعته، وتعتبر مستعدة منذ العقد إلا إذا طلبها فامتنعت دون مسوغ، وهذا هو المراد بالتسليم الحكمي، وإلا تعتبر ناشزة، ومن المسوغ عدم أدائه عاجل مهرها، وكذلك عدم تهيئة المسكن الآتي بيانه في الفرع الثاني من هذا الفصل، فإن امتناعها حينئذٍ يكون بحق مشروع، فلا يؤثر في استحقاقها النفقة.
ولما كان سبب نفقة الزوجات أنهن مقصورات على أزواجهن، فقد وجبت لهن النفقة بلا فرق بين الغنية والفقيرة، لاستوائهما في سبب الاستحقاق، فليس على الزوجة أن تنفق على نفسها من مالها، مهما كانت موسرة.
المادة 75
يقول الله في وجوب نفقة الزوجات.
“وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف”.
ورزق الإنسان هو المال الذي يقيم أوده، ويسد حاجات حياته، وحاجات الحياة الأساسية ثلاثة: الطعام لإقامة البنية، والكسوة لوقايتها الخارجية، والمأوى للراحة والسكن، ويتبع هذه الثلاث عناصر أخرى، كالتطبيب والخدمة.
وجمهور الفقهاء لا يلزمون الزوج علاج زوجته المريضة، فلا يوجبون عليه ثمن الأدوية، ولا أجر الطبيب، ولا أي شيء من أنواع التطبيب، لأن كل ذلك يقصد به إصلاح جسمها.
ويضيفون أن الطب نتائجه ظنية، ولا يلزم به الشخص في خاصة نفسه، فكيف توجبه على لغيره؟
وهذا إذا كان له وجه في الماضي البعيد، والطب بدائي، نتائجه موضوع شك، فإنه لا يصح أن يقال في عصرنا الحاضر الذي صار فيه نفع الطب يقينياً او قريباً من اليقين، وأصبح التداوي فيه ضرورياً بمنزلة الطعام والكسوة، ومن أهله سقط من أعين الناس.
والمأثور عن نبي الرحمة، عليه الصلاة والسلام، أنه تداوي من مرضه وجروحه، وأمر بذلك أهله وأصحابه، كما أمر سعداً بالذهاب إلى الطبيب، وبعث طبيباً إلى أبي بن كعب. وقال: “… لكل داء دواء، فتداووا” وقد احتجم وأعطى أبا طيبة أجرة الحجامة.
ومذهب الزيدية أن ثمن الأدوية، وأجرة الطبيب من نفقة الزوجة، لأن المراد بهما دوام الحياة، وهذا ما استظهره الامامية.
وقرر الشافعي الدواء وأجرة الطبيب للأب وإن علا، وللولد وإن نزل. والمشهور في فقه مالك أن على الزوج أجرة الولادة، وما تتقوى به المرأة عند الولادة.
والزوجية من ركائزها الرحمة، تقوم فيها الزوجة برعاية الزوج، فإن هي مرضت فلا أقل من أن يرد إليها بعض المعروف بما أسلفت في أيام صحتها، وكل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
ومن أجل ذلك أخذ بأن التطبيب من نفقة الزوجة، حسب حال الزوج، وفي حدود قدرته، ولم تترك الأمر لمروءته واختياره.
المادة 76
ذهب مالك إلى أن النفقة تقدر بوسع الزوج، وحال الزوجة، ونظر أحمد أيضاً إلى حال الزوجين، وهو قول الخصاف من الحنفية. بينما ذهب الشافعي وأبو الحسن الكرخي، وكثير من مشايخ الحنفية إلى أن نفقة الزوجة لا تقدر إلا باعتبار حال الزوج، مهما كانت حال الزوجة، وهذا هو الأقرب إلى العدل، والموافق لصريح الكتاب الكريم:
“أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم… لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها…”.
ولما زوجت نفسها منه رضيت أن ينفق عليها مما يستطيع، فلا يجب أن تأخذ منه أكثر مما يقدر عليه، فكان من المصلحة اتباع مذهب الشافعي، وظاهر الرواية عن أبي حنيفة فيما نص عليه محمد، وقال به الكرخي ومن معه، وجاء في التحفة، والبدائع أنه الصحيح، ولكن يشترط أن تكون النفقة المفروضة كافية للقدر الضروري الذي يسد الحد الأدنى لكفاية المرأة، مهما كانت حال زوجها.
المادة 77
إذا تغيرت حال الزوج التي اتخذت أساساً لتقدير النفقة، أو تغيرت الأسعار تغيراً مؤثراً في كفاية المفروض زيادة أو نقصان، جاز لمن يتأثر حقه من الزوجين بهذا التغيير أن يطلب تعديل النفقة، فإن مستند التقدير إنما هو حال الزوج، وأسعار البلد، فما بني عليهما يجب أن يتبدل بتبدلها، أو يتبدل أحدهما، فللزوج أن يطلب التخفيض إذا ساءت حالته، أو ازدادت أعباؤه، أو رخصت الأسعار، وللزوجة أن تطلب الزيادة في عكس هذه الأحوال.
وقطعاً لسبيل الدعاوي الكيدية، وإرباك القضاء بدعاوي متقاربة الفترات، تهدف إلى فروق يسيرة، رأت اللجنة تقدير مدة أقلها سنة، لا يجوز خلالها تعديل المفروض، وتلك فترة معقولة من الغالب ألا يطرأ فيها تغيير يذكر، فإذا طرأت ظروف استثنائية، كميراث أو إفلاس، جاز طلب التعديل ولو لم تمض هذه المدة.
ورعاية لما هو أعدل، وتوحيداً لعمل المحاكم نص على أن التعديل زيادة أو نقصاً، لا يكون إلا من يوم الحكم في الدعوى.
المادة 78
أ – مذهب مالك، والشافعي، وأحمد أن نفقة الزوجة تعتبر ديناً قوياً يثبت في ذمة الزوج من حين امتناعه عن الإنفاق، متى كان واجباً عليه، ولو لم تكن النفقة مقضياً بها أو متراضي عليها بين الزوجين، لأنها وجبت بإيجاب الشرع حكماً للعقد، فهي ليست من قبيل الصلات، بل هي في عداد الديون كالمهر.
واجتهاد هؤلاء الأئمة أوجه وأصون للحقوق الزوجية، وعليه يجري العمل، فصيغت هذه الفقرة على أساسه.
ب – ولما كان في إطلاق إجازة المطالبة بالنفقة المتجمدة عن مدة سابقة احتمال المطالبة بنفقة سنين عديدة ترهق الزوج، وقد تستنفد ثروته ورأس ماله، فرئي أن من العدل حمل الزوجة على أن تطلب حقها أولاً فأولاً، بحيث لا تتأخر أكثر من سنتين سابقتين على رفع الدعوى، وذلك عن طريق منع سماع الدعوى، ما لم يكن سبق فرض النفقة بالتراضي، ولا ضرر في هذا الحكم على الزوجة، إذ يمكنها أن تطلب بحقها قبل مضي السنتين، على أن الغالب أن الزوجة لا تسكت عن طلب نفقتها فوق السنتين إلا إذا كانت تنالها من الزوج، فتكون دعواها عدم الإنفاق زمناً طويلاً من الدعاوي الكاذبة غالباً. وقد رئي أن تكون المدة المناسبة سنتين.
ج – كما رأت دفعاً للتزوير والادعاءات الباطلة أن تشترط عند ادعاء التراضي أنه لا يثبت إلا بالكتابة إذا كان الزوج غير مقر به.
المادة 79
المنفعة الوقتية في أثناء نظر دعوى النفقة استحدثها المشروع، دفعاً لما تقع فيه الزوجة من حرج، بسبب حاجتها إلى ما تنفق منه على نفسها، وللحد من إطالة أمد التقاضي التي لا تتواءم وطبيعة دعاوي النفقة.
وهذا الحكم ظاهر المحكمة ليس في حاجة إلى بيان، ويحقق الرفق بالزوجات، ولا ضرر فيه على الأزواج.
المادتان 80، 81
جرت أحكام المقاصة وفق المتبع من فقه المالكية، وهو مذهب الحنابلة أيضاً.
ومن الملحوظ فيها أن دين نفقة الزوجة دين قوي، وأن الزوج قد يطلب المقاصة والزوجة معسرة محتاجة إلى نفقتها، فتكون إجابته مضرة بها، بينما قضاء الدين إنما يجب بما فضل عن الكفاية، والله تعالى أمر بإنظار المعسر.
المادتان 82، 83
مرد هذه الأحكام إلى مذاهب الأئمة، أبي حنيفة، ومالك، وأحمد وهي تجري على أولوية نفقة الزوجة في التنفيذ، وإن نفقة الزوجة التي سلمت نفسها ولو حكماً، وتعتبر ديناً صحيحاً لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، ولا يتوقف على تراض أو قضاء، وأنه متى تمت الكفالة فللزوجة الدائنة أن تطالب الكفيل أو الزوج، وأن تطالبهما معاً، وللكفيل أن يرجع على الزوج إن كانت الكفالة بأمره، وتأخذ الكفالة في مرض الموت حكم الوصية، لأنها ضرب من التبرع. وقد صرح الحنابلة بأنه يصح ضمان ما لا يجب عند الأكثرين، مثل: “ما أعطيت لفلان فهو على كما دل عليه القرآن في قول مؤذن يوسف”.
“ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم”
وقالوا: إن المصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة. وعند الحنفية تصح الكفالة بما ذاب على المدين أي ثبت في ذمته بعد عقد الكفالة. ومن المقرر أنها لا تنقضي بموت الكفيل، أو الأصيل، أو المكفول له.
الفرع الثاني
أحكام المسكن والطاعة
المادتان 84، 85
مسكن الأمثال يراعي فيه العرف، والتطور الزمني، وحال الزوج، واختلاف المكان ما بين القرية والمدينة، بل ما بين محلة وأخرى من المدينة الواحدة. –
وللفقهاء تفصيل في كثير من الجزئيات التي طلبوا توافرها في المسكن الشرعي، من حاجات الاستعمال والاستهلاك حسب أزمانهم، منها: حصير بردى أو حلفاء، أو سمر يكون تحت الفراش أو هو الفراش، وسرير تحتاج له عادة يمنع عنها العقارب ونحوها، والحطب للطبخ والخبز والزيت للأكل والإدهان. ويستخلص من وصف فقهائنا السابقين أنهم يقصدون أن يكون المسكن مشتملاً على لوازم الحياة الأساسية، والمرافق الكافية، وألا يكون مخوفاً موحشاً، وألا يجمعها مع ضرتها بغير رضاها. أما التفاصيل الجزئية فهي خاضعة للتطور ففي المدينة لا يلزم الحطب اليوم، وخزانة الملابس وأدوات الشاي، وبعض أنواع الأثاث أكثر ضرورة من القدر والحصير وفي البادية ما لا تحويه بيوت القرى.
ومن الواجب أن ينظر إلى الوضع الاجتماعي للزوج، فبالنسبة إلى شخص قد تكون حجرة من دار بها جيران في حجر أخرى مسكناً شرعياً كافياً، وبالنسبة إلى آخر لا تكون كذلك، فلا بد أن يراعي في السكن ظروف الرجل والزمان والمكان، والعرف المتطور، وعلى هذا الأساس صيغت المادتان 84، 85.
المادة 86
من الواضح أن الزوج مضطر إلى إسكان ولده الصغير غير المميز مع زوجته، وليس في إسكانه معه ضرر بالزوجة غير محتمل.
وأوضاعنا الاجتماعية الحالية قد اقتضت أن يسكن أولاده من غيرها مميزين وبالغين، وأن يسكن والديه، فاختار المشروع جواز إسكانهم مع زوجته بشروط ثلاثة هي:
1 – وجوب الإسكان عليه.
2 – واتساع المسكن لسكناهم.
3 – وألا يلحق الزوجة ضرر.
ومأخذ ذلك من فقه مالك، ما نقل عن ابن الماجشون فيمن تزوجت على شرط أن يسكن معها أناساً من أقاربه، أنها تلزم بالسكن معهم، مهما كانت شريفة عالية المنزلة.
وقيد شراح المالكية هذا بما إذا كان لا يؤدي إلى الاطلاع على عوراتها، والمعهود كالمشروط ويقول ابن سلمون:
“من تزوج امرأة، وأسكنها مع أبيه وأمه وأهله، فشكت الضرر لم يكن له أن يسكنها معهم، وإن احتج بأن أباه أعمى نظر في ذلك، فإن رأى (القاضي) ضرراً منع”.
ولوحظ في تخصيص الأولاد والأبوين، دون غيرهم ما تقضي به الضرورة، والمصلحة، وآداب الشريعة.
وظاهر أن المسكن هنا هو المشتمل على عدة بيوت، وليس محل البيتوتة.
المادة 87
يشترط في استحقاق نفقة الزوجة الاحتباس، أو الاستعداد له، فإذا نشزت عن طاعة الزوج، فلا نفقة لها ما دامت مقيمة على النشوز، فمن خرجت من بيت زوجها بغير مسوغ، أو منعته الدخول في بيتها، ولم تكن قد سألته النقلة فأبى، سقط حقها في النفقة مدة الامتناع.
وقد استقر القضاء على أن النشوز لا يثبت إلا بحكم طاعة نهائي امتنعت الزوجة عن تنفيذه وذلك قطعاً للنزاع بين الزوجين.
ومسوغ امتناع الزوجة عن الانتقال إلى سكن الزوجية يشمل، عدم أمانة الزوج عليها في نفسها أو مالها، وعدم استيفائها جميع معجل المهر، قبل الدخول بها، وعدم إعداد السكن الشرعي، ومنه أيضاً امتناع الزوج عن الإنفاق إذا لم تستطع تنفيذ حكم نفقتها، لعدم وجود مال ظاهر له، فلا تكون ناشزة في هذه الحال، حماية لحياتها، وأخذاً من قول الحنابلة في زوجة السر أن لها المقام على الزوج، ولا تلزمها الإقامة في منزله، وعليه ألا يحبسها بل يدعها تكتسب ولو كانت موسرة.
المادة 88
سوق الزوجة جبراً إلى مسكن الزوج لن يكون وسيلة لصون الأسرة، وتحقيق ما فصله القرآن الكريم من السكينة والتواد والتراحم، بل يثير مشكلات، ويتخذ سنداً لاتهامات باطلة، ولا تستقيم بعده الحياة الزوجية.
وفي فقه مالك رحمه الله أنه يكتفي بسقوط نفقة الزوجة عند نشوزها، ولا تجبر على الطاعة، بناء على ضرورات التطور الزمني، وعدم الثقة في الإنصاف الذي يجب أن يكون متوافراً من جانب الزوجة نفسها، وفي جميع الأحوال، كما يراعي فيه جانب الزوج، حيث لا يحقق له الإكراه طاعة كاملة، بينما تترتب عليه النفقة كاملة غير منقوصة.
فلهذا انتهى الرأي إلى أنه لا يجوز تنفيذ أحكام الطاعة على الزوجات جبراً، وإنه يكفي أن تعامل الزوجة بآثار نشوزها، ويعتبر ذلك إضراراً منها بالزوج يجيز له طلب التفريق، مع إلزامها بالآثار المادية، حسب أحكام التفريق للضرر.
المادة 89
بين الحنفية أن للزوجة الحق في أن تخرج من بيت الزوجية لزيارة والديها، وأن الزوج ليس له أن يمنعها من ذلك. وقالوا: أن لها الحق أن تقوم بخدمة المريض من أبويها، وعليها تعاهده بقدر احتياجه ولو كان غير مسلم، وإن أبى الزوج.
ونص الشافعية على خروجها إلى بيت أبيها، أو أقاربها، أو جيرانها لزيارة أو عيادة أو تعزية، وإلى القاضي لطلب الحق منه، وخروجها لحوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها لها لتعود عن قرب وخروجها لإشراف البيت على الانهدام، أو بإكراهها على الخروج، أو إذا أعسر بالنفقة سواء أرضيت بإعساره أم لا.
وبناء على هذا، وعلى العرف، صيغت هذه المادة، ولوحظ فيها أنه إذا طرأت أسباب تجعل استمرار عمل الزوجة متنافياً مع مصلحة راجحة لجميع الأسرة، فإن خروج الزوجة للعمل في هذه الحال يعتبر نشوزاً.
المادة 90
الأصل هو انتقال الزوجة مع زوجها، لأنه أدرى بمواطن رزقه ومنافعه، وميسور حياته، وهي مكلفة أن تسكن معه في المسكن الشرعي حيث يكون.
وقد استثنت المادة ما إذا رأت المحكمة مانعاً من سفر الزوجة معه، ومن الواضح أن الأسر في تقدير المانع متروك إلى القاضي، وعليه أن يأخذ بعين الاعتبار أن يكون الزوج مأموناً على نفس الزوجة وما لها. وأن تكون هي قادرة على احتمال مشقة السفر، موفورة الرامة، كما لو كانت في محلها الأصلي، وأن يكون سبب الانتقال مصلحة يعتد بها، ولا يقصد به الإضرار بها، ولدى الزوج من المال أو الكسب ما يقوم بمعاشه، ومعاش أسرته في المكان المرتحل إليه، وأن يكون هذا المكان موفور الأمن وليس منبعاً للأوبئة، إلى نحو ذلك من الاعتبارات التي تختلف باختلاف الأشخاص والمواطن، ولا تخفي من فطنة القضاء.
المادة 91
مصدر هذه المادة مذهب الإمامين مالك وأحمد، وقول أبي يوسف من أصحاب الإمام أبي حنيفة، وقد رئي من المناسب أن تكون للزوجة على زوجها النفقة طول مدة سفرها لأداء الحج المفروض، بقدر نفقتها وهي مقيمة، لأنها بأداء الفرض إنما فعلت الواجب عليها بأصل الشرع.
الباب السادس
دعوى الزوجية
المادة 92
عقد الزواج هو أساس تكوين الأسرة، وأصبح في أمس الحاجة إلى الصيانة والاحتياط في أمره، فقد تدعى الزوجية زوراً، ابتغاء الحصول على جنسية أو غرض آخر، اعتماداً على أن إثباتها ميسور بالشهود، ولهم أن يشهدوا في الزواج بالتسامع، وقد تدعى بورقة عرفية غير صحيحة في الواقع، وقد يجحد الزواج الصحيح ولا إثبات عليه، وتفادي ذلك كله إنما يكون بإثبات هذا العقد بوثيقة رسمية. ويعتبر في حكم الوثيقة الرسمية الإقرار بالزواج الثابت في ورقة رسمية.
فإظهاراً لشرف عقد الزواج، وبعداً به عن الجمود، ومنعاً لمفاسد جمة وضعت الفقرة (أ) من هذه المادة من باب تخصيص القضاء، ومنع القضاء من سماع الدعوى التي لا يمكن إثباتها بتلك الأوراق، وفي الأحوا�� المذكورة.
ويستثنى مما ذكر دعوى الزوجية المقصود منها إثبات النسب، سواء أكانت دعوى نسب مستقل، أم نسب يقصد به ثبوت حق آخر، كالنفقة، أو الإرث.
وأخذ بمذهب أبي حنيفة في أنه إذا حكم بنسب الوليد في دعوى نسب سببها الزوجية الصحيحة، كان هذا الحكم حكماً بالزوجية تبعاً، ويترتب عليه جميع آثار الزوجية الصحيحة.
ومع أن حكم الفقرة/ب مستحدث، فقد لوحظ فيه التيسير على الناس بالقدر الممكن، صيانة للحقوق، واحتراماً لآثار الزوجية، إذ قصرت المنع من السماع على حالة واحدة، وعلى ما إذا كانت سن الطرفين أو سن أحدهما وقت الدعوى أقل من السن المحددة، دون أن ينظر إلى سن الزوجين وقت العقد.
المواد 93، 94، 95
الأصل أن العاقل البالغ شرعاً ترفع منه الدعوى وعليه، ويلزم الحكم بآثار الحكم وأمارات البلوغ تختلف شرعاً، ولكن المشروع حدد سناً معينة، لا تسمع الدعوى قبلها، ضبطاً للعمل، وتوحيداً له.
ومراعاة للتيسير، وعدم التعقيد رئي أن الدعوى ترفع على الزوجة وحدها، واستثنيت من ذلك حالة التصادق على زواج يشترط فيه رضا الولي، إذ يجب اختصامه، للتثبت من أن الزواج تم برضاه، وعلى هذا صيغت المادة 9. وحكم المادة 95 واضح ليس في حاجة إلى بيان.
المادة 96
من شرائط صحة الدعوى بوجه عام ألا يكون قد سبق من المدعي ما يناقضها، والتناقض إنما يستحكم، ويمنع الدعوى إذا لم يترجح أحد الكلامين بمرجح، فإذا وجد مرجح، فإن التناقض يتلاشى ويرتفع، فيرتفع التناقض بتصديق الخصم، وتكذيب القضاء، كما يرتفع بالتوفيق الفعلي، ومن المقرر هنا أن الخفاء إنما يكون في الواقع ويغتفر التناقض فيه إذا كانت الواقعة مظنة الجهل، وقد جاءت الفقرة/ب وفق المقصود فقهاً من معنى الثبات في حرمة الرضاع، ومصدرها الفقه الحنفي.
الكتاب الثاني
فرق الزواج
الباب الأول
أحكام عامة
المادتان 97، 98
الأسباب التي ينحل بها عقد الزواج، فينقطع بها ما بين الزوجين من رباط، وتترتب عليها الفرقة حالاً ومالاً، هي: الطلاق، والفسخ والوفاة.
والطلاق لا يكون إلا في زواج صحيح، فإن غير الصحيح لا تثبت به رابطة الزوجية فلا طلاق فيه، وإنما يفرق فيه القاضي بين الطرفين إن لم يتفارقا من أنفسهما، لأن إقامتهما عليه جريمة حرام يجب الحيلولة دون استمرارها.
والأصل أن سلطة الطلاق بيد الزوج، ولكن من الممكن أن يقوم مقامه غيره في إيقاع الطلاق: إما باختيار الزوج وإرادته، كالوكيل، وإما جهراً عنه عندما يكون منه ظلم أو مضارة حيث يعطي الشرع القاضي سلطة التطليق على الزوج بطلب الزوجة بمقتضى ولايته العامة، كما في الفرقة لعدم الانفاق أو للغيبة الطويلة.
وليس لغير الزوج من ولي أو وصي أن يوقع الطلاق، ولو كان ولياً على النفس، فلا يقع طلاقه على موليه، ولا يمكن أن يقوم مقامه، بل ذلك للقاضي وحده.
ومما يشرف المرأة أن الله سواها على عاطفة فياضة، ووجدان رقيق، حتى تتبتل برعاية بيتها وأولادها، وتقوى على أداء رسالتها الأساسية ولكن هذا جعلها في الغالب سهلة الانفعال، فكان من الحكمة ألا تملك أمر الطلاق، بل ملكه الرجل تمشياً مع متطلبات الزواج من الاستقرار، لا سيما والشارع يلزمه وحده بتبعات مالية، منها المهر الآجل، ونفقة العدة، ونفقة: الأولاد، كما أن عليه التضحية بكثير مما قدمه لإتمام الزواج، وبناء البيت، وذلك يحمله على التريث والموازنة بين هذه التبعات، وخطر استمرار الزواج.
والمواد باللفظ المخصوص صريح وكناياته، وليس بلازم أن يكون منطوقاً به في جميع الأحوال، بل قد يكون بالكتابة، أو الإشارة، أو تفريق القضاء المعدود من الطلاق والطلاق إما رجعي وإما بائن:
فالرجعي يقع على الزوجة المدخول بها دون عوض تلتزمه مقابل طلاقها وهو لا يزيل شيئاً من آثار الزوجية حال وقوعه، بل تبقي الزوجية قائمة، ويستمر حال الاستمتاع بين الزوجين، حتى لو مات أحدهما خلال العدة ورثه الآخر. وللزوج أن يرجع عنه في العدة وإن لم ترض الزوجة، وبالمراجعة تنقطع العدة وترتفع ارتفاعاً لا انقضاء، ولا يبقى للطلاق من تأثير سوى نقص الطلقات الثلاث التي يملكها الرجل على زوجته. فإذا لم يراجع حتى انقضت عدتها انتهت الزوجية ووقعت البينونة، ولم يعد إليها إلا بعقد جديد.
أما الطلاق البائن فإنه منذ وقوعه ينهي حل المتعة الثابت بالزواج في الحال، فلا يعود إلا بعقد ومهر جديدين، ويعمل ويحل الصداق المؤجل بمجرد إيقاع البائن. ولكن البينونة قبل استيفاء ثلاث طلقات هي بينونة صغرى تزيل حل المتعة لا حل الزواج فيجوز للمطلق أن يعقد زواجه على مطلقته. أما البينونة بعد استكمال ثلاث طلقات فهي بينونة كبرى تزيل حل الزواج أيضاً، فلا يتجدد إلا من بعد أن تتزوج آخر يدخل بها فعلاً، ثم تنتهي هذه الزوجية أيضاً وتنقضي العدة منها.
المواد 99، 100، 101
نص المشروع في كثير من حالات فرق الزواج على أنها تعتبر طلاقاً، ونص في كثر من الحالات الأخرى على أنها تعتبر فسخاً، فوجب أن تتبين الفوارق بين الطلاق والفسخ في صلب القانون، وفي هذا الباب المعقود للأحكام العامة، كي تكون محددة تحديداً تشريعياً، فلا تترك للمذكرة الإيضاحية، ولا لاجتهاد القضاة، واختلاف أنظارهم في استنتاجها من عبارات فقهاء المذاهب.
وفسخ الزواج يرفع عقده، فيقطع ما بين الرجل والمرأة من الصلة الزوجية في الحال دون استناد إلى الماضي، وهو لا يأتي إلا في زواج صحيح، أما غير الصحيح فهو غير منعقد، وإن ترتبت على بعض صوره بعض آثار الصحيح، كالمهر والعدة.
والفسخ يكون عند عدم لزوم العقد من الأصل، كما في حالة خيار الولي إذا تزوجت المرأة بغير كفء:
وقد يكون بسبب طارئ على العقد جعله الشارع مانعاً من استمرار الزواج، مثل: أن يرتد الزوج المسلم، أو يأبى الزوج أن يسلم بعد إسلام زوجته، أو تأبى الزوجة غير الكتابية أن تسلم، أو تعتنق ديناً سماوياً بعد إسلام زوجها.
وفرقة الفسخ لا تنقص الطلقات التي يملكها الزوج، ولو كان الفسخ بسبب من جانبه، بخلاف فرقة الطلاق، رجعياً كان أو بائناً، فإنها يترتب عليها نقص هذه الطلقات.
وراعى المشروع أن أسباب الفسخ تحتاج إلى تمحيص قضائي، فقرر أن فسخ الزواج يتوقف على القضاء به، ولا يثبت له حكم قبل القضاء. ولكن تارة تستمر الحياة الزوجية على حالها السابق إلى أن يقضي بالفسخ، وتارة يحال بين الزوجين، وتحرم المعاشرة الزوجية للأسباب التي توجب حرمة المرأة على الرجل، مثل ردة الزوج، فإنه إذا عاد إلى الإسلام قبل الحكم بالفسخ بقيت الزوجية واستمرت، وإن أبى العودة حكم بالفسخ، واعتدت المرأة.
وقد لوحظ أن فرق الفسخ التي لا توقف على القضاء في المذهب الحنفي مصدر تقسيم أنواع الزواج، لم يعد لها وجود أو مبرر:
فإن الفسخ بخيار العتق، أو يملك أحد الزوجين للآخر، قد انقضى بانقضاء الرق، وصار حكماً تاريخياً.
وسار المشروع على أن حرمات المصاهرة لا تثبت بالزنى وقطع بذلك هذا الطريق على من يتخذونه مطية إلى الفرقة، وعلى دعاوى يقصد بها التشهير والكيد، فلا فسخ بسبب اتصال بطريق الزنى، كان يوجب حرمة المصاهرة لو كان اتصالاً بزواج صحيح.
وفي أحكام ردة الزوج من الدقة ما يوجب الفصل فيما يعتبر ردة وما لا يعتبر، وهذا ما نلمسه الآن في كثير من القضايا، ونجده في فروع الفقه. جاء في الفتاوي السباتية عن الملتقط: ينبغي للعالم إذا رفع إليه شيء من هذا الباب ألا يبادر بتكفير أهل الإسلام، مع أنه يقضي بإسلام المكره تحت ظلال السيوف.
وفسخ الزواج قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة يسقط جميع المهر، لأن الزواج قد رفع ولا دخول، فكأنما العقد لم يوجد، وهذا ما تضمنته المادة 65.
وقررت المادة 101 أن الفسخ بعد الدخول الحقيقي أو الحكمي، يوجب من المهر المسمى، أو من المهر المثل عند عدم التسمية، مقدار ما يتناسب مع بكارة المرأة وثبوتها، ومع المدة التي قضتها مع الرجل قبل الفسخ، وتركت للقضاء تطبيق هذه المقاييس على الوقائع المختلفة التي تتفاوت فيها ظروف الحال. ذلك لأن في هذا المقام أمرين أساسيين تجب مراعاتهما:
الأول: أن الزواج عقد العمر، ومبناه على الدوام.
الثاني: أنه متى تم الدخول المشروع، فلا يمكن أن يخلو شرعاً من تعويض.
والمشروع جمع بين هذين الأمرين من ملاحظة الثيوبة والبكارة في معيار ما تستحقه المرأة بالفسخ، وبهذا سلك المشروع طريقاً وسطاً بين أقوال الفقهاء:
فقد روى عن أحمد سقوط مهر المدخول بها التي غرت الزوج، أو الرجوع عليها به إن كانت قبضته. وقال ابن تيمية في اختياراته: “يرجع الزوج المغرور بالصداق على من غره من المرأة أو الولي في أصح قول العلماء”.
وعن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب أنه أعطى المرأة ربع الصداق، وكان شريح يعوض البرصاء شيئاً إذا فسخ الزواج بسبب هذا العيب.
وروي مثل ذلك عن عطاء، وربيعة فيمن كتم وليها ما بها من عيب.
وفي فقه مالك يرد الصداق إلا مقدار أقل المهر وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
وذهب أكثر الامامية، كما في رياض المسائل، إلى أنه حالة التدليس على الزوج تستحق المرأة من المهر أقل ما يتمول، أي أقل ما يسمى مالاً.
وقد رئي إبقاء حالة ارتداد الزوج بعد الدخول على الحكم المقرر في المذهب الحنفي، الذي يوجب عليه كل المهر، وذلك حتى لا تصير الردة ذريعة إلى إسقاط شيء من المهر.
الباب الثاني
الفرقة بالإرادة
الفصل الأول
الطلاق
شرع الله الزواج لخلقه، وتعبدهم به من عهد أبيهم آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، وحفّه بهالة من النور الإلهي، والتوجيه الكريم، وعلى أساس أنه اقتران دائم مدى الحياة بين الزوجين. غير أن هذا الاقتران قد يبنى على اختيار خاطئ، أو تقدير غير سليم، أو يطرأ عليه ما يوهنه من تنافر الطباع، وتباين الأخلاق، وزوال الثقة فتسود البغضاء والمكاره، وتتعسر الحياة المتحابة، ولا يجدي نصح ولا صلح، ولا تمكن إقامة حدود الله، والإسلام دين واقعي نظراً إلى ما تعانيه الزوجية من هذه المشاكل، فوضع لها العلاج بنظام الطلاق، وجعله على مرات، ليفسح مجالاً للتروي، وعودة الوئام بالطلاق الرجعي أو ينهى الشقاق المستحكم بالطلاق البائن.
ومذهب الإمام مالك، السائد في التطبيق، كانت اجتهاداته أساس الإصلاح الذي أخذت به قوانين أكثر البلاد العربية في نظام الطلاق، ولكنه يشمل أحكاماً صارت منبعاً لشقاء الأسر، يضيق بها القضاة عندما يلمسون شطط الرجل في إيقاع الطلاق بإرادته المنفردة، وفي مراجع المذهب التي بين أيدينا نرى عنها دفاعاً عجباً، فنجد، مثلاً، الشيخ الدسوقي ينقل عن ابن العربي أنه قال: “ما ذبحت بيدي ديكاً قط، ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثاً لذبحته بيدي، وأنه اشتهر عن ابن تيمية عدم لزوم الثلاث في حق من أوقعها، وقال فيه بعض أئمة الشافعية: ابن تيمية ضال مضل، لأنه خرق الإجماع، وسلك مسلك الابتداع”.
ويضاف إلى ذلك في زعزعة الأسرة المسلمة أن الزوج يستعمل الطلاق في غير ما شرع له، كالحلف لتأكيد الأخبار، وأنه يتسرع في إيقاعه دون روية، وكثيراً ما يعقبه الندم، فتلتمس الفتاوي، وقد يشوبها تزييف الوقائع على المفتين، أو ترتكب الحيل القبيحة على حساب الدين، وكرامة الأسر.
ورئي أن خير سبيل لاجتناب ما يمكن اجتنابه من مساوئ الطلاق وعواقبه الوخيمة، هي اختيار الأحكام ا��تي تضيق بها دائرة وقوعه إلى أقصى حد، وتعوق التسرع في بالقدر الممكن، وذلك حسب نصوص الكتاب والسنة، وقواعد الشريعة المحكمة، وآراء المجتهدين في مختلف المذاهب، فيما يحقق الصالح العام، ويرفع الضرر العام.
وواضح أنه عند اختلاف الاجتهادات في صحة الطلاق يكون الطريق الأحوط هو الأخذ بعدم وقوع الطلاق المشكوك في دليل صحته، لأن في إيقاعه تحريم الزوجة على زوجها، وتحليلها للأجنبي، والورع في الإبقاء على الحلال الثابت باليقين، لا في اتباع الظنون والمحتملات.
المادة 102
بينت هذه المادة شرائط إيقاع الطلاق بالنسبة إلى الزوج الذي يريد التطليق بإرادته، وهي ضرورية لتحقق سلامة إرادته، إذ لا يمكن بناء حكم يرجع إنشاؤه إلى الإرادة إذا لم تكن مستحقة بصورة سليمة من الآفات.
1، 2 – فالمجنون، والمعتوه لا يقع طلاقهما بإجماع الفقهاء، لأن إرادتهما معدومة اعتباراً، وإن وجدت صورة، والفرق بينهما أن المعتوه هو قليل الفهم، مختلط الكلام فاسد التدبير، لكن لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون، ويذكر معهما النوم والإغماء، وكلاهما عارض موقوت يمنع الاختيار وفهم الخطاب، فلا يؤاخذ كل من النائم والمغمى عليه بعبارته.
3 – والمكره لا يمكن أن يعتبر معبراً عن إرادته واختياره، بل هو معبر عن إرادة مكرهه، فلا يقع طلاقه، ذلك قول مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وحجيتهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: “إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه” وهو حديث تلقته الأمة بقبول.
4 – والمخطئ هو من أراد التكلم بغير الطلاق فجرى على لسانه الطلاق والحنفية يوقعون طلاقه لأنه بلفظ صريح لا يحتاج إلى نية ولما كان من الواضح أنه لا يقصد لفظ الطلاق ولا يريد معناه، وفي الحديث المار: “إن الله وضع عن أمتي الخطأ….” فقد رأى أن طلاقه لا يقع، وهذا قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام، وممن ذهب إليه: مالك، والليث، والشافعي.
5 – والسكران اختلف في وقوع طلاقه المجتهدون:
فذهب فريق إلى عدم وقوعه، أياً كان سبب سكره. وقالوا: هو والمجنون سواء كل منهما فاقد العقل، وهو من شرط التكليف، فلا يقع طلاق السكران إذ هو مغلوب على عقله، يهذي في كلامه، وإرادته غير متحققة، وهذا هو الثابت عن سيدنا عثمان. قال ابن المنذر: “ولا نعلم أحداً من الصحابة خالفه” وذهب إليه عمر بن عبد العزيز، والليث، وربيعة الرأي وأبو ثور، والقاسم، وطاووس، والعنبري، ويحيى الأنصاري، واسحق وداوود، وابن حزم، وهو أحد قولي الشافعي، ومن قال به من الحنفية: الطحاوي، والكرخي، ومن الشافعية المزنى، ومن المالكية ابن عبد الحكم ورواه المازدي، واختاره من الحنابلة: أبو بكر في الشافية وزاد السافر، والشيخ تقي الدين، وجزم به في التسهيل. وقال الزركشي: إن أدلته أظهر. وبين ابن القيم أن مذهب الإمام أحمد قد استقر عليه.
وذهب آخرون إلى وقوع طلاق السكران، لا على أساس أن له إرادة، ووعياً كافيين، بل على سبيل عقوبته، ومن باب التغليظ عليه، وفرقوا بينه وبين المجنون بأن السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته. ومن هذا المنطلق قالوا بعدم وقوع طلاقه إذا سكر بسبب ليس من قبيل المعصية، مثل من تناول المسكر يظنه ماء، أو أكره على شرب الخمر، فمر فطلق. وممن أخذ بهذا أبو حنيفة وصاحباه، والثوري، والأوزاعي، وابن السيب وعطاه، واختاره أكثر أصحاب الشافعي. ومن الواضح أن هذا الرأي بعيد عن ناحية مهمة في فكرة العقوبة وقواعدها الشرعية، وموضوع الطلاق. ذلك بأن مبناه هو أن الطلاق لا تقع كارثته ونتائجه الخطيرة المؤلمة إلا على رأس الرجل، ولم ينظر أصحاب هذا الرأي إلى آثار الطلاق بالنسبة إلى الزوجة والأولاد، بينما يشهد الجميع أن حظ المرأة في مصيبة الطلاق أكبر من حظ الرجل، فكيف يجوز في فقه الشريعة إيقاع هذا الطلاق المفتت للأسرة، والمشتت لشمل الأولاد عقوبة للزوج، وبدون نظر إلى أن هذه العقوبة تصيب غيره من الأبرياء، أكثر مما تصيبه؟ وقد رئي الأخذ بالقول الأول، لأنه الموافق للمصلحة ولمقاصد الشريعة.
6 – والمدهوش من غلب عقله، وذهب وعيه من أمرٍ مفاجئ، كمشاهدة حادثة مذهلة، أو سماع خبر مؤلم أو سار، وهو ملحق بالمجنون ما دام مدهوشاً، وإذا خفت الدهشة، ولكنها تركت أثراً أورثه خللاً ممتداً في توازن أقواله وأفعاله فهو ملحق في هذا الحال بالمعتوه.
ومثل المدهوش من اختل عقله لكبر أو مرض.
7 – والغضبان لا يقع طلاقه إذا حال غضبه بينه وبين كمال قصده وتصوره، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، ومن أدلته ما رواه هو، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة:
لا طلاق ولا عتاق في إغلاق وقد فسر الإغلاق بالغضب سروق والشافعي، وأحمد، وأبو داود، والقاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية، ومقدم فقهاء أهل العراق منهم قيل عنه: إنه أجل المالكية، وأفضلهم على الإطلاق. وقد بين ابن القيم، وشيخة ابن تميمة أن الغضب ثلاث أقسام:
أحدها – يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب.
الثاني – يكون في مبادئه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده وهذا يقع معه الطلاق بلا نزاع.
الثالث – يشتد بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروي، ويخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد، وعدم وقوع الطلاق في هذا الحال قوى متجهة.
ورجح ابن ماجدين عدم وقوع طلاق الغضبان إذا غلب الحلل في أقواله وأفعاله، بحيث تخرج عن عادته، وإن كان يعلم ما يقوله ويريده، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة حينئذٍ، لعدم حصولها على إدراك صحيح.
وفي إغاثة اللهفان الصغرى أن هذا ما يقتضيه كتاب الله، والسنة، وأقوال الصحابة، وأئمة الفقهاء، والقياس الصحيح، وأصول الشريعة.
والعمل جار على ذلك في المملكة المغربية، ومصر والسودان، والأردن، والعراق، وسورية.
وتشير هنا إلى أن طلاق الهازل واقع، لأن الشارع جعل هزله بالطلاق جداً هو متكلم بالسبب قصداً، فيلزمه حكمه وإن لم يرضى به.
المادة 103
اشترطت هذه المادة في الزوجة التي يراد تطليقها أن يكون بينها وبين الرجل المطلق زواج صحيح قائم، لأن غير الصحيح لا يحتاج إلى حل، على ما سلف بيانه في الأحكام العامة. كما اشترطت أن تكون الزوجة غير معتدة، أخذاً بالاجتهادات التي لا تجيز إرداف الطلاق على المعتدة، وهي اجتهادات لها أدلتها القوية من المنقول والمعقول:
فإن الله سبحانه وتعالى إنما ملك المطلق بعد الدخول طلاقاً يملك فيه الرجعة، مخيراً فيه بين الإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان، ما لم يكن بعوض، أو يستوفي فيه العدد، ومن تأمل القرآن الكريم وجده لا يحتمل غير ذلك يجوز أن يتغير حكم هذا النوع من الطلاق، فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة، يخالف حكم الله الذي حكم فيه، وهذا صفة لازمة له، فلا يملك المطلق أن يتصرف على خلافها أصلاً، وقد أراد الله أن يجعل له مجالاً للرجعة شاء أو أبى، فما شرع الله الطلاق إلا وشرع إلا الطلاق قبل الدخول، وطلاق الخلع، والمطلقة الثالثة، قال ابن القيم: “فبيننا وبينكم كتاب الله، فإن كان فيه شيء غير هذا فأوجدناه إياه…. ثم قال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانية طلقها بعد عقد أو رجعة”.
والمرأة إذا كانت في عدة فسوف تنتهي بانقضائها إلى بينونة، فلا فائدة من إرداف الطلقة الجديدة إلا زيادة العدد، وزيادة التطليق ليست مصلحة مشروعة، والمقصود من الطلاق حاصل وبدونها طلاق المعتدة عبث، والعبث منفي من تصرفات العقلاء، ومردود شرعاً، وأن من المقرر عند الأصوليين أنه لا عبث في التشريع على ما أوضحه الإمام الشافعي في الموافقات.
ولذلك اختير قول من لا يجيزون إرداف الطلاق على المعتدة في أي عدة كانت، اخذا بصحيح مذهب أحمد ومن وافقوه، حسب القرآن الكريم، وما قرره الأصوليون، وقطعاً للاحتيال على إيقاع الطلقات الثلاث في ساعة من نهار بإنشاء طلاق المعتدة مرة ثانية ثم أخرى ولو في مجالس متعددة.
المادة 104
حددت هذه المادة طرق التعبير عن إرادة الطلاق، هادفةً إلى جعل طريق التعبير واضحاً لا شك فيه ولا لبس، فلم تقبل من المطلق طريقاً أدني من غيره في قوة الدلالة على هذه الإرادة والجزم بها، متى أمكن أن يعبر بالطريقة الأوفى دلالة، والأبعد عن الاحتمالات.
فقررت الفقرة (أ) أن الطريق الأصلية هي الفظ الصريح في الطلاق الذي عرفه الناس وألفوه، أكان باللغة العربية أم بغيرها، فللمطلق أن يستعمل أي لغة يحسن التعبير بها، ولو كان قادراً على العربية، ولا يحتاج هذا اللفظ إلى نية، أو قرينة، فهو لا يفهم منه في عرف التخاطب إلا معنى الطلاق.
أما كتابة الطلاق فهي ما يحتمل معنى الطلاق وغيره، ويشترط لوقوع الطلاق بها أن ينوي الرجل بها الطلاق، حسب اجتهاد المالكية، والشافعية، ولا يمكن عندئذٍ إثباط النية إلا بتصريح من المتكلم نفسه أنه قد نوى الطلاق، ولا يلتفت إلى أي قرينة في إثباط النية، مهما كانت الحال.
فإذا كن مريد التطليق عاجزاً عن الكلام تقبل منه الكتابة في التعبير عن إرادته، ولا تقبل الكتابة من غير العاجز عن الكلام، لأن الكتابة أدنى دلالة في حالة القدرة على النطق، فيؤخذ بالتعبير الأوضح تضييقاً لدائرة وقوع الطلاق، ومستند ذلك مذهب الظاهرية الذين لا يوقعون الطلاق الكتابة أصلاً، وقول الشافعي، وإن نوى الكاتب الطلاق، وهو قول لبعض السلف.
والعجز عن الكلام يشمل الخرس الأصلي، ويشمل اعتقال اللسان لعلة طارئة.
فإذا كان مريد التطليق عاجزاً أيضاً عن الكتابة، أما لجهله بها، أو لعله مانعة، قبل منه التعبير بإشارته المفهمة.
المادة 105
جمهور الفقهاء يرون أن الطلاق يكون منجزاً يقصد به إيقاع الطلاق فوراً، مثل: أنت طالق، فينعقد سبباً، ويعقبه حكمه في الحال، ويكون مضافاً، مثل أنت طالق بعد شهر، فينعقد سبباً في الحال ولا يترتب عليه حكمه إلا عند مجيء الوقت المضاف إليه. ويكون معلقاً، مثل: إن خرجت من المنزل فأنت طالق، فلا ينعقد سبباً إلا سند وجود الشرط.
ولوحظ أو صورة الإضافة فيها من المساوئ المعنوية ما يوجب منعها، إذ تجعل الزوجة التي أضيف طلاقها تترقب الفرقة، وتحسب والوقت لها يوماً بيوم، وقد يستمر الزوج في معاشرتها إلى مجيء الموعد وليس هذا مما تقرره الفطرة السليمة والعواطف الكريمة.
وأن الشرط الذي يعلق عليه الطلاق لا فرق بين أن يكون ذنباً تقترفه الزوجة، وبين أن يكون طاعة منها، مثل: إن صليت الفريضة فأنت طالق أو معصية من الزوج مثل: إن لم أقتل فلاناً فزوجتي طالق، وقد يكون التعليق على فعل شخص آخر، أو يستخدم على سبيل اليمين، كقول من جاء بنبأ: إن لم أكن صادقاً فامرأتي طالق. وعلى هذا كثرت حوادث الفرقة والشتات دون ذنب، على حين غفلة من الزوجات الصالحات المطيعات، والزوجة في هذه الحال أحب الجميع إلى زوجها.
وإن تقوية العزائم على الفعل أو الترك، ومثلها تأكيد الأخبار إنما طريقها في الإسلام هو الحلف بالله تعالى، واستخدام الطلاق لذلك هو انحراف عن غايته وما شرع له، ولو كان اليمين بالطلاق تعليقاً، أو تنجيزاً في صورة التعليق مما هو أكثر دوراناً في هذه الأيام.
ولذلك اختير إلغاء الطلاق المضاف، وإلغاء الطلاق المعلق واليمين بالطلاق، في جميع الصور. ومستنده قول كثير من السلف والخلف منهم: الإمام علي وشريح وطاووس، وعكرمة، وعطاء، وأبو ثور والحكم بن عتيبة، وابن حزم وداود، وجميع أصحابه. وهو اختيار أبي عبد الرحمن بن يحيى ابن عبد العزيز من أجل أصحاب الشافعي.
ومفهوم أن التعليق على شرط محقق الحصول وقت التكلم إنما هو تعليق صوري، وصيغته هي تنجيز في الحقيقة. ومن هذا القبيل ما إذا وجد المعلق عليه في المجلس، لأنه متى تحقق في المجلس صار في حكم المنجز.
المادة 106
الطلاق يقبل الإنابة فيه عند الجمهور، فالزوج أن يوكل غيره في تطليق امرأته. ومن المقرر أن الوكيل حينئذٍ لا يملك وكيل غيره إلا بإذن الأصيل.
ونص الحنفية في انقضاء الوكالة بالعزل على أن الوكيل يستمر في وكالته حتى يعلم بالعزل، صيانة لحقوق المتعاملين معه، ودفعاً للضرر عنه في مسئوليته عن التصرف، وهو ما جرت عليه المادة، ويوافق قولاً عند المالكية وأقوالاً في المذاهب الأخرى.
تحديد عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته مرجعه إلى النص القرآني، وليس للاجتهاد فيه نصيب.
وظاهر أن تكرار الحياة المشتركة بين الزوجين ثلاث مرات، وفشلها في إقامتها على وجه ثابت، يدل على أنه لا فائدة ترجى من تجارب أخرى، ماد دامت سيرتهما على حالها، وقد تكون لهذ التجارب آثار تسيء إلى أولادهما، وتصير العودة والفشل أكثر من ذلك أشبه بالتلاعب بمكانة الزواج، وبالاستمتاع المؤقت. فلهذا منع الرجل من تجديد الزواج بعد الثلاث، زجراً له عن التمادي في الطلاق، ودفعاً للضرر عن المرأة، حتى إذا جربت غيره وفشلت تجربتها مع الآخر، وبدت رغبتها في العودة، فمن المقدر أنهما غيرا من عاداتهما، وعزما على نهج تستقيم به الحياة بينهما.
المادة 108
من حرمت على مطلقها بعد ثلاث طلقات، ثم عادت إليه بعد زوج آخر، فإنها تعود على أساس انهدام الطلقات الثلاث السابقة، كأنها تتزوجه أول مرة، وهذا متفق عليه بين الأئمة.
وإذا كان الأول طلقها واحدةً أو اثنتين، ثم تزوجت الثاني ودخل بها، وانتهت زوجتيهما، ثم عادت إلى الأول، فهل ينهدم ما دون الثلاث فيملك عليها ثلاثاً جديدة، مثل عودتها إليه بعد الثلاث، أو لا ينهدم فتعود إليه بما بقي له من الثلاث؟
ذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أن الزواج بالثاني يهدم ما دون الثلاث، فتعود إلى الأول بعدد كامل جديد، فإن الزوج الثاني إذا كان يهدم الثلاث بالإجماع، فهو يهدم ما دونها من باب أولى.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد، ومحمد، وزفر: إن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث.
ورئي الأخذ بالرأي الأول، لأنه أوضح وأيسر وأوفى بالمصلحة، وهو أيضاً مذهب ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر من الصحابة.
المادة 109
موضوع هذه المادة اختلفت فيه الآراء، وأفردت له مؤلفات، فلا مجال لمزيد من الإفاضة فيه، ومعلوم أن المذاهب الأربعة توقع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، أو بألفاظ في مجلس واحد، وأن ابن تيمية، وابن القيم ينقضان ذلك نقضاً قوياً، لأن الثلاث لم تشرع إلا متفرقة، وأن جمعها باطل، لأنه خلاف المشروع، ويصادم ما استهدفه الشارع في تفريق الطلقات من فتح باب التروي والرجعة، وقد أطالا في هذا الاستدلال، وكل من كتب في هذه المسألة بعدهما فهو عيال عليهما.
ورأيهما – رحمهما الله – أن الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارةً أو كتابةً لا يقع به إلا طلقة واحدة، ويؤيده ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد في سنده، والحاكم في المستدرك، من أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد كان يعتبر واحداً فقط على عهد رسول الله صلى الله عليه سلم. وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، حتى رأى عمر أن الناس قد تتابعوا فيه فقال: “إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم” فكان ذلك من عمر سياسة، زجراً لهم، وقد دلت الوقائع التالية على أن هذا التدبير زاد في مشكلة الطلاق، واستغله الجاهلون، حتى روى الحافظ الإسماعيلي أن عمر ندم عليه في آخر أيامه، فقد قدر أن الناس يتهيبون الثلاث فلا يقدمون عليها، فكان العكس.
وما ذهب إليه هذان الفقيهان هو المشهور عن بضعة عشر فقيهاً من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك، وممن نصر هذا القول من شيوخ قرطبة: أصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد عبد السلام الخشني، وابن زنباع، مع غيرهم من نظرائهم أهل الفتيا بالأندلس، ونقله ابن تيمية عن بعض أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو مذهب أهل الظاهر. وممن أفتى به: ابن عباس، والزبير، وابن عوف، وعلي، وابن مسعود، وعكرمة، وطاووس، وخلاس بن عمرو، ومحمد بن مقاتله قال ابن القيم: “وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى، أو إقراراً، أو سكوتاً، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة، ولله الحمد، على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرناً بعد قرن، وإلى يومنا هذا”.
وهذا هو السائد في قوانين الأحوال الشخصية السارية الآن في البلاد العربية، وعلى أساسه صيغت المادة 109.
ولم يذكر في هذه المادة حكم الطلاق المتعدد، أو المتتابع في مجلس واحد، أنه لا يقع إلا واحدة، اكتفاءً بما تقدم في المادة 103 من أنه يشترط لوقوع الطلاق ألا تكون الزوجة معتدة، وذلك لأنها بالطلاق الأول تدخل في العدة، فلا يلحقها الثاني.
المادة 110
شرع الطلاق بائناً إذا كان قبل الدخول، ورجعياً إذا كان بعده، فللزوج إذا طلق حينئذٍ أن يراجع المطلقة خلال عدتها منه، فيرتفع حكم الطلقة، وتستمر الزوجية إلى أن يوجد سبب لانحلالها. وهذا متفق عليه بين المذاهب، ولكنها تختلف في أنه هل للزوج أن يجعل الطلاق بائناً بإرادته، فيقع قاطعاً للزوجية، محرماً للزوجة، فلا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين، أو ليس له ذلك، لأن هذه المسألة من النظام العام في الإسلام الذي أبقى مجال الرؤية والرجعة، شاء الزوج أو أبى.
– ذهب الحنفية إلى أن للزوج أن يوقع الطلاق رجعياً إن شاء، وبائناً إن شاء.
– وذهب الجمهور إلى الرأي الثاني، فقرروا أن كل طلاق يقع رجعياً باستثناء الطلاق قبل الدخول، لأنه لا عدة فيه، والطلاق على بدل تدفعه المرأة إلى الزوج تفتدي به.
والطلاق المكمل للثلاث، وبعض حالات التفريق القضائي، ففي هذه الحالات المستثناة يقع الطلاق بائناً. وقد جعل الله أحكام أنواع الطلاق من لوازمها التي لا تنفك عنها، فلا يجوز أن تتغير أحكامها، فكما لا يجوز في الطلاق قبل الدخول أن تثبت فيه الرجعة، فكذلك لا يجوز في النوع الآخر من الطلاق أن يتغير حكمه، فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة، فكذلك لا يجوز في النوع الآخر من الطلاق أن يتغير حكمه، فيقع على وجه لا تثبت فيه الرجعة، فإن ذلك مخالف لحكم الله تعالى، وهذا صفة لازمة له، فلا يكون على خلافها البتة، ومن تأمل القرآن وجده لا يحتمل غير ذلك. وقد استبان أن الرأي الثاني يقتضيه الكتاب، والسنة، والقياس، وعليه الأكثرون، وهو الأقرب إلى مقاصد الشريعة، والملائم لحاجة الناس، والمساعد على تخفيف مشكلات الطلاق، ومآسيه الناتجة عن التسرع، وعليه درجت قوانين الأحوال الشخصية، فصيغت المادة 108 على أساسه.
الفصل الثاني
الخلع
المادة 111
إذا اختلف الزوجان، وظن كل واحد منهما بنفسه أنه لا يقيم لصاحبه ما تقتضيه الزوجية من حقوق والتزامات مادية وأدبية، فقد شرع للزوجة أن تفتدي نفسها من عصمة زوجها بعوض تبذله له ويخلعها به، ولا حرج عليها فيما أعطت، ولا حرج عليه أن يأخذ. قال تعالى: “ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به”، فسمى في الله الخلع افتداء، والافتداء يحتاج إلى تراض بين الطرفين، فالخلع طلاق يقوم على أساس تعاقدي، وبسبب العوض الذي تبذله المرأة لتخليص نفسها من العصمة يقع به الطلاق البائن، فلا يستطيع الرجل مراجعتها، ولا تعود إليه إلا في زواج جديد بجميع شرائطه.
وكون الخلع طلاقاً بائناً هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن علي، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والقاسمية، وابن أبي ليلى، والشافعي في قوله الجديد.
ولا يختص مع الخلع بلفظ معين، وقواعد الفقه وأصوله تقتضي بأن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها، لا صورها وألفاظها، ولهذا أخذ المشروع بأن الخلع هو الطلاق نظير عوض، ليتناول المبارأة، والطلاق على مال. ويقول القاضي أحمد وغيره: إن المبارئة، والمختلعة، والمفتدية، والمصالحة هي ألفاظ تعود إلى معنى واحد.
وترتيباً على ذلك، وعلى ما تقدم بالمادة السابقة، فإن الخلع لا يعتبر خلعاً بأي لفظ وقع إلا إذا وقع باتفاق الطرفين على عوض، وإذا استعمل الزوج لفظ الخلع أو ما في معناه بإرادته المنفردة دون اتفاق مع زوجته على عوض من جانبها، فإنه يعتبر طلاقاً مجرداً، ولا يقع به إلا الطلاق الرجعي وفق المادة السابقة.
المادة 112
لما كان الخلع طلاقاً على عوض، فإنه يشترط لصحته توافر جميع الشرائط الشرعية المقررة لإيقاع الطلاق حسب الفصل السابق، فيملك الزوج أو الزوجة التصرفات التي تترتب على الطلاق نظير عوض من آثار مالية وغيرها، وإن لم يبلغ أحدهما سن الرشد المالي.
المادة 113
يذهب الحنفية في تكييف الخلع إلى أنه من جانب الزوج يمين، ومن جانب الزوجة معاوضة فيها شبه التبرع، فهو يقصد تعليق طلاقها على قبولها إعطاء العوض، والتعليق يمين، وهي تبذل العوض لتفدي نفسها منه ورتبوا على ذلك أن الزوج إذا ابتدأ بالخلع لم يملك الرجوع عن إيجابه قبل قبولها، لأن اليمين تلزمه بمجرد صدورها، أما الزوجة فلها أن ترجع عن إيجابها قبل قبوله كسائر المعاوضات.
وقد أخذ بعدم صحة تعليق الطلاق، فتعين تطبيق حكم المعاوضات في الإيجاب والقبول بالنسبة إلى الزوجين، فيكون للزوج أيضاً حق الرجوع عن الإيجاب قبل قبول الزوجة.
هذا – وجواز الرجوع في الإيجاب قبل القبول، لكل من الرجل والمرأة، قد نص عليه الحنابلة، كما جاء في فقه الزيدية بإطلاق القول بجواز الرجوع من الموجب قبل القبول.
المادة 114
يصح بدل الخلع من كل ما جاز أن يكون مهراً، وهو ما صح التزامه شرعاً، وليس له نهاية صغرى، ولا حد لأعلاه، فتلزم به الزوجة بالغاً ما بلغ، لأنها التزمته برضاها في مقابل إسقاط حق الزوج. ومن أدلة ذلك قوله تعالى: “ولا جناح عليهما فيما افتدت به”. وجواز الخلع بأكثر مما أعطاه الزوج هو مذهب الجمهور، فقد قال به مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، وأبو ثور، وروى عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وقبيضة، والنخعي.
المادة 115
يرى أبو حنيفة أن الخلع والمبارأة يسقطان كل حق لأحد الزوجين على الآخر مما يتعلق بالزواج الذي تم الخلع منه، كالمهر والنفقة المفروضة المتجمدة، وإن لم ينص في العقد على سقوط ذلك، فاعتبر السقوط هنا تبعياً.
وذهب المالكية، والشافعية، ومحمد بن الحسن من الحنفية إلى أن الخلع لا يسقط إلا ما اتفق عليه، سواءً أكان بلفظ المخالعة أو المبارأة، مثل الطلاق على مال، لأن أثر المعاوضة ليس إلا في وجوب المسمى لا في إسقاط غيره، وقد تثبتت الحقوق المالية بالزواج الصحيح، فلا تسقط بمجرد ��لفاظ تحتمل ا��إسقاط كالخلع، لأن الثابت بيقين لا يزول بالشك، وجاء في الفتاوى الصغرى: “الخلع عقد معاوضة، فلا يزداد على ما تراضيا عليه، واللفظ وإن كان ينبئ عن الفصل، فالفصل وجد على مقدار رضيا به، فكيف يسقط غيره”.
وقد رأت اللجنة أن هذا الرأي يجري عليه العمل، وهو أعدل وأجرى مع النظر القانوني، فأخذت به.
المادة 116
بعض الرجال يتنكبون عن حسن العشرة وكرم الصحبة حتى تفتدي زوجاتهم أنفسهن، وعلاج هذا الأمر إنما يكون بإمضاء الخلع عليهم طلقة بائنة، وبإلزامهم رد العوض المالي، وبإسقاط ما التزمته المرأة مثل رضاع ولدها، أو نفقة حملها، وهنا عني المالكية ببيان أمرين:
أولهما: أن الضرر هو الذي تطلق به الزوجة مما لا يجوز شرعاً.
وثانيهما: تيسير إثباته، فتقبل به شهادة السماع من الثقات أو غيرهم ممن لا تقبل شهادتهم، كالخدم ونحوهم، كما يكفي فيه شاهد واحد ويمينها، أو شهادة امرأتين ويمينهما، وأن بينتها تقبل ولو كان الزوج أشهد أنها خالعته لا عن ضرر، وأسقطت هي البينة الشاهدة لها بالضرر، فإنه لا يلزمها ذلك الإشهاد، والإسقاط، وتقوم ببينتها.
قال مالك رحمه الله: “لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم يسيء إليها، ولم تؤمن من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس، وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها، رد عليها ما أخذ منها”.
وجاء في الفواكه الدواني على الرسالة أن للمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقتها أو أكثر إذا لم يكن الافتداء ناشئاً عن ضرر بها غير شرعي، فإن كان مسبباً عن ضرر أوقعه بها فلا يفوز به، ورجعت عليه بما أعطته له، ولزمه الخلع بعد إثباتها الضرر، قال خليل: “ورد المال بشهادة سماع على الضرر، ولا يشترط في هذا السماع كونه من الثقات وحدهم، بل لو ذكرت البينة أنها سمعت مما لا تقل شهادته كالخدم ونحوهم عمل بشهادتهما، أو امرأتين، ورد المال بيمينها مع شاهد أو امرأتين، ولا يضرها إسقاط بينة الضرر”.
المادة 117
بينت هذه المادة أحكام الخلع على أجرة رضاع الولد أو حضانته، أو الإنفاق عليه، فيصح أن يكون بدل الخلع أو بعضه أن ترضع الأم المخالعة طفلها بلا أجر، أو تحضنه كذلك، أو تنفق عليه مدة معلومة، لأن الرضاعة والحضانة مع المنافع المتقومة التي يستحق في مقابلها المال، والجهالة في مقدار النفقة يسيرة، فتتحمل في المخالعة وقد رضيت الأم بتحمل عبء مالي كان يلزم الأب فلا مانع شرعاً من ذلك، فتلتزم هي به.
فإذا تركت الولد، جاز للأب أن يرجع بما يعادل أجرة الرضاعة أو الحضانة أو النفقة عن المدة الباقية من حين الترك إلا إذا كلنا قد اتفقنا على أنها لا تلتزم بشيء في هذه الحال.
وإذا كانت معسرة وقت المخالعة على الإنفاق، أو أعسرت فيما بعد ولا مال للصغير، فطالبت الأب بالإنفاق عليه، فإنه يجبر على ذلك، ثم يرجع عليها بعد يسارها بما أنفق، لأنه لم يمكن تنفيذ ما التزمته الأم، والنفقة حق الولد، وهي في الأصل على أبيه، فيجبر عليها صيانة للولد، ما دامت الأم معسرة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
فإن كان للصغير مال فنفقته حينئذٍ في ماله، كما سيأتي في نفقة الأقارب، ولا يجبر الأب على الإنفاق.
المادة 118
إذا تخالعا على إمساك الولد عند أبيه في مدة الحضانة صحت المخالعة وبطل الشرط، لأن بقاءه عند الأم حق للصغير أيضاً، فلها أن تأخذه، وعلى أبيه نفقته، وأجرة حضانته إن كان الولد فقيراً. قال المفتي أبو السعود: “لها الرجوع بأخذ الولد، فإن أقوى الحقين في الحضانة للصغير، ولئن أسقطت الزوجة حقها فلا تقدر على إسقاط حق الصغير أبداً”.
والمراد بالإمساك في هذه المادة هو مجرد حق ضم الولد والاحتفاظ به، لا الإنفاق عليه، لأن شرط الإنفاق يعمل فيه باتفاق الأبوين المخالعين، فهو مسألة مالية محضة، لا مانع من تنفيذ اتفاقهما فيها، لأنها لا تمس حقوق الولد ومصلحته.
المادة 119
خلع المريضة مرض الموت صحيح يقع به الطلاق البائن، ويثبت به العوض إلا أنه لا ينفذ إلا من ثلث مالها عند عدم إجازة الورثة، لأنه تبرع، والتبرع في مرض الموت وصية.
والعوض المتفق عليه في الخلع لا يكون هو الواجب في كل حال، فإن ماتت الزوجة وهي في العدة، فليس للزوج عند الحنفية، سوى الأقل من أمور ثلاثة: مقدار نصيبه في الميراث، والعوض، وثلث المال.
وذلك لأنه يحتمل أن يكون الزوجان متفقين على الخلع في مرض الموت، ليحصل الزوج من مال زوجته أكثر مما يستحق من الميراث، فمعاملة للزوجين بنقيض مقصودهما كان للزوج الأقل من الأمور الثلاثة.
وإن ماتت الزوجة بعد انتهاء العدة، أو كان الخلع قبل الدخول، حيث لا عدة، فللزوج الأقل من الأمرين: العوض، وثلث المال، ولا يلتفت إلى نصيبه هنا في الميراث، لأنه بعد العدة، أو حيث لا تكون عدة.
ومصدر هذه المادة مذهب الحنفية.
الباب الثالث
الفرقة بالقضاء
الفصل الأول
التطليق لعدم الإنفاق
المادة 120
يرى جمهور العلماء تطليق الزوجة على زوجها لعدم إنفاقه عليها، ولهم أدلتهم من الكتاب، والسنة، والقياس. وممن جاء عنهم ذلك من الصحابة فمن بعدهم: عمر، وعلي، وأبو هريرة، وابن السيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، وهماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، ويحيى، واسحق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقد أفادت هذه المادة أن الزوج الممتنع عن الإنفاق بغير حق إذا كان له مال ظاهر يمكن تنفيذ النفقة فيه لم يجز لزوجته أن تطلب تطليقها عليه، سواءً أكان حاضراً أم غائباً، لأن حصولها على نفقتها ممكن، وبالتنفيذ يندفع ما وقع عليها من ظلم.
فإذا كان الزوج حاضراً، وليس له مال ظاهر، ولم يثبت إعساره، طلق عليه القاضي في الحال، فإن اثبت إعساره، أو كان غائباً في مكان معلوم، أمهله القاضي مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ليؤدي نفقتها منذ رفع الدعوى، فإن لم ينفق، ولم يحضر نفقة هذه المادة في نهايتها طلق عليه القاضي.
وفقه مالك يجري على التلوم والانتظار للمعسر باجتهاد القاضي، وأن يضرب القاضي الأجل للغائب حسب تقديره. وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: “اضربوا له شهراً أو شهرين”. والشافعي في أحد قوليه يوجب تأجيل المعسر ثلاثة أيام. ويرى حماد بن أبي سليمان تأجيله سنة. وقد اختير الحد الوسط، وهو المدة المبينة في المادة. وأضيفت مدد المسافات إلى فترة الأجل، تحقيقاً للمساواة بين الخصوم.
وروعي أن الزوجة من يوم رفع الدعوى تستحق نفقة حاضرة، فلا أقل من أن تتسلم نفقتها منذ هذا اليوم، ولا تضار بطول الإجراءات.
والغائب في مكان مجهول، والمفقود يتعذر إعذارهما، وإمهالهما لا ينتج غير أضرار الزوجة، فيطلق عليهما بلا إمهال.
أما المحبوس فهو معلوم المحل، كالزوج الغائب في مكان معلوم، فلا يطلق عليه إلا بعد الإعذار، وضرب الأجل.
المادة 121
التطليق لعدم الإنفاق يقع رجعياً، إلى أن يوجد سبب آخر للبينونة، مثل أن يكون طلاقاً ثالثاً، أو قبل الدخول. وهذا فقه المالكية المتبع الآن. ومن المقرر فيه أن الزوج إنما يملك الرجعة إذا وجد في العدة يساراً، فإن لم يجد فلا رجعة له، وفي تحديد اليسار روعي ما صرح به ابن عبد السلام، بأن يكون بحيث يظن أنه يقدر على مداومة نفقة مثلها في المستقبل، وطلاق القاضي كان لضرر الفقر، فلا يمكن الزوج من الرجعة إلا إذا زال موجب الطلقة، وهو الإعسار.
المادة 122
إذا تكرر من الزوج الامتناع عن الإنفاق على زوجته ثلاث مرات فأكثر، ورفعت الأمر إلى القاضي، طالبة الطلاق لعدم الإنفاق، فتوّقى الزوج الطلاق بدفع النفقة الحاضرة، يكون مضراً، فإذا طلبت الزوجة التطليق للضرر في هذه الحالة، طلقها القاضي عليه طلقة بائنة.
الفصل الثاني
التطليق للإيلاء
المواد 123، 124، 125
الإيلاء معناه أن يحلف الزوج يميناً يفيد امتناعه عن مسيس زوجته. وكان أهل الجاهلية يولون السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون إيذاء المرأة، فجاء الإسلام باعتبار هذا الحلف من الرجل ظلماً لها، ينافي حقوقها المشروعة التي لا يجوز للزوج أن يؤذيها فيها، يقول الله تعالى: “للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم”.
وقد اختلف الأئمة في وقوع هذا الطلاق: زمناً، وكيفيةً، ونوعاً:
– فقال الحنفية: إنه يقع بائناً، بصورة عقوبة، بمجرد مضي المدة دون أن يحنث الزوج في يمينه، فإن لم يفئ حتى انقضت الأشهر الأربعة بانت منه زوجته، ولا حاجة إلى القضاء بالتطليق، ولا إلى تلفظ الزوج به.
– وذهب الجمهور إلى غير ذلك:
أ – فمنهم من اشترط تلفظ الرجل بالتطليق، فإن لم يفعل جهد القاضي إلى أن يطلق، وهو مذهب الشافعي في القديم، والظاهرية، وطاووس، وعكرمة، وجماعة من أهل الحديث، وأختاره الشيخ ابن تيمية.
ب – وقال آخرون: إنه يؤمر بالتطليق أو الفيء، فإن لم يفعل طلق القاضي عليه بمقتضى ولايته العامة. وبهذا قال مالك، والشافعي في الجديد، وأحمد، والليث، وإسحق، وأبو ثور، وأختاره ابن المنذر، ورواه سليمان بن يسار عن تسعة رجال من الصحابة. وواضح أن هذا الرأي أجرى مع حكمة التشريع، وفي غيره محاذير ظاهرة، فقد يفاجأ الزوجان بطلاق بائن يكون الحالف غافلاً عن المدة فيه. وحجب القاضي عن سلطة التطليق الجبري على المولى الممتنع ينافي الأصول، والقواعد الشرعية والقانونية.
أما نوع الطلاق فقد ذهب الحنفية، والزيدية، وأبو ثور، وآخرون إلى أنه بائن، لأن المقصود منه دفع الضرر. وذهب الأكثرون، ومنهم مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، إلى أن التطليق بسبب الإيلاء رجعي، إذ الأصل إن كل طلاق يقع رجعياً وضرر المرأة يزول بمراجعتها في العدة، والرجعية آية الرغبة فيها، والإقلاع عن الإضرار بها.
والفيء إنما هو المسيس لمن لا عذر له، فإنه متى كان التطليق جبرياً على الزوج قضاء لسبب، فلا تجوز الرجعة منه إلا بزوال السبب، كيلا ينقض برجعته قضاء القاضي، مع قيام السبب الذي من أجله صدر الحكم، فإن كان للولي عذر من مرض جعله غير قادر على المسيس، أو حبسه أو شبه ذلك صحت رجعته بالقول. قال ابن المنذر: إن هذا قد أجمع عليه كل من يحفظ عنه من أهل العلم. وقاله مالك في المدونة والمبسوط. وفي هدى ما سلف صيغت أحكام هذا الفصل.
الفصل الثالث
التفريق للضرر
المواد 126 – 135
التفريق القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم، أخذ به الفقه المالكي المتبع الآن، وهو أصح القولين عند الحنابلة، وأصبح السائد في قوانين الأحوال الشخصية بالبلاد الإسلامية، ولكن تطبيقه أظهر كثيراً من العيوب والقصور، فعدلت أحكامه تعديلاً يتلافى العيوب التي تشوبه، ويمد أوجه النقص، ويحقق الغرض منه، وذلك على الوجه الآتي:
1 – أن يكون طلب التفريق غير مقصور على الزوجة، بل للزوج أيضاً أن يطلبه وإن كان يملك الطلاق، حتى لا تتخذ الزوجة المشاكسة إساءتها وسيلة إلى تطليقها من زوجها دون مقابل، فتحمله خساراً كبيراً من نفقة العدة، وباقي المهر، والمتعة، فضلاً عن متجمد نفقة الزوجية، وخسارة الزوجية نفسها. ففي فتح باب المحكمة أمامه لطلب التفريق عن طريقها إمكان إعفائه من هذه التبعات، وتعويضه عن طلاق تضطره إليه إساءة الزوجة، وهذا الإعفاء، وذلك بالتعويض مما يحول بين الزوجة وتعمد الإساءة، لتتوصل بها إلى الطلاق.
2 – وصرحت المادة 126 بأن التفريق يجوز أن يطلب قبل الدخول حتى لا يبقى مجال للخلاف حينئذٍ بين المحاكم، ولأن المضارة قد تتحقق قبل الدخول في صور عديدة، ومن المصلحة أن تزول هذه الزوجية التي بدأت معتلة قبل أن يمتد الإضرار إلى غير الزوجين من أهل، أو أطفال أبرياء.
3 – وتعين المحكمة، إذا تعذر عليها الإصلاح، حكمين للتوفيق، أو التفريق حسب المادة 127، فلا يشترط في بعث الحكمين تكرر الشكوى، فإنه شرط ليس في كتاب الله، فلا وجه لتغيير نظام التحكيم به، قال تعالى: “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها….”. وفي بعث الحكمين ابتداء اختصار الإجراءات، وهو لا يضيع شيئاً لازماً، لتحقيق العدالة، وهو ظاهر عبارة “الشامل” من كتب المالكية.
4 – وبينت المادتان: 129، 130 مهمة الحكمين، وما يتبعانه عند العجز عن الإصلاح، من التفريق ونتائجه المالية، أو اقتراحها رفض الدعوى، حسب الإساءة، ومصدرها، وأياً كان طالب التفريق من الزوجين.
5 – ودلت الحوادث على أن كل حكم يميل إلى صاحبه غالباً، وقلما يتفقان، فإذا أمرهما القاضي بمعاودة البحث عن الاختلاف أصر كل منهما على موقفه، وإن ندب غيرهما اتبع الحكمان الجديدان سبيل الأولين، وهكذا يطول التحكيم، وأمد الخصومة، دون الوصول إلى نتيجة. فرئي أن الخير في أن تختار المحكمة حكماً ثالثاً مرجحاً من غير أهل الزوجين، تبعثه مع الحكمين عند اختلافهما، وتقضي بما يتفقون عليه، أو برأي الأكثرية.
وتنظيم التحكيم على هذا الوجه لا يخالف أصلاً من أصول الشريعة، فإن الآية الكريمة لم تنه عن الزيادة في عدد الحكمين، فمتى تبين أنها لازمة في هذا العصر لا مكان للحسم، وإظهار الحق من الباطل، ورفع الضرر، تعين الأخذ بها، وهذا ما سلكه قرار حقوق العائلة العثماني منذ عام 1917، وأتبعه القانونان السوري والأردني، على أن المالكية لم يلتزموا تحكيم اثنين، فمنهم من ذهب إلى أنه يجزي إرسال حكم واحد، قال ذلك عبد الملك في المدونة، وقاله اللخمي أيضاً.
فإذا ذهب كل واحد من المحكمين الثلاثة إلى رأي مخالف للآخرين قضت المحكمة بالتفريق على الوجه الذي تراه في الالتزامات المالية، على أساس أنهم يعتبرون حينئذٍ كشهود اطلعوا على تفاصيل الشقاق وأسبابه، فتستنير المحكمة بأقوالهم في تقدير ما تراه الأعدل.
ويعزز هذا الاتجاه أن بعض فقهاء السلف، ومنهم الحسن، يرون أن الحكمين شاهدان، يرفعان الأمر إلى السلطان، ويشهدان بما ظهر إليهما، وروى ذلك عن ابن عباس، فإن لم تنتج أقوالهم رأياً، أو لم يقدموا تقريراً، سارت المحكمة بالإجراءات العادية.
6 – والضرر الزوجي يكثر وقوعه في حالات خاصة، من النادر أن يحضرها من تقبل شهادتهم عند جمهور الفقهاء، فيصعب إثباته مع أنه يكون ملموساً مشهوراً لدى الكثيرين، فتيسيراً للعدل، وإظهار حقيقة الواقع بين الزوجين، استندت المادة 134 إلى فقه المالكية الذي استمد منه أحكام الموضوع، فقبل الشهادة على الضرر بالتسامع، وقصد به الشهرة في محيط الزوجين. ومن الواضح أن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والملابسات، وأن تحديد محيط حياة الزوجين متروك للمحكمة.
أما الشهادة بالتسامع على نفي الضرر فإنها غير مقبولة.
وقد تقرر أن درجة القرابة أو الصلة بين الشاهد والمشهود له، أياً كانت، لا تمنع وحدها من قبول الشهادة متى توافرت شروطها الأخرى، كالإسلام في الشهادة على المسلم، دفعاً للعسر والحرج، وصيانة للحقوق، أخذاً بقول عمر بن الخطاب، وجميع الصحابة، وشريح، ومن وافقهم.
الفصل الرابع
التفريق للغيبة أو الحبس
المواد 136، 137، 138
ذهب المالكية والحنابلة إلى جواز التفريق للغيبة إذا طالت، وتضررت الزوجة منها، ولو ترك لها زوجها ما لا تستطيع الإنفاق منه مدة غيبته.
وأجاز المالكية التفريق لغيبة الزوج مطلقاً، سواءً أكانت بعذر أم بغير عذر، وجعلوا حد الغيبة الطويلة سنة فأكثر على القول المعتد عندهم، لأن إقامة المرأة بعيدة عن زوجها مدة طويلة أمر لا تحتمله في الأعم الأغلب.
فإذا غاب الزوج عن زوجته سنة فأكثر، وطلبت الزوجة التفريق لغيبته عنها، فإن كان الزوج في مكان معلوم يمكن وصول الإعلان إليه فلا يحكم القاضي بالتفريق في الحال، بل يعلن الزوج: إما أن يحضر للإقامة مع زوجته، أو ينقلها إليه، أو يطلقها، ويحدد له مدة بحسب ما يرى، فإن لم يحضر، ولم ينقلها، ولم يطلقها حتى انقضت المدة التي حددها له القاضي طلقها عليه طلقة بائنة. وإن كان الزوج في مكان مجهول، فإن القاضي يطلقها عليه بلا ضرب أجل ولا أعذار.
والمراد بغيبة الزوج هنا، غيبته عن زوجته، بالإقامة في بلد آخر، أما الغيبة عن بيت الزوجة مع الإقامة في بلد واحد فهي من الأحوال التي يتناولها التفريق لضرر.
واشترط في الغياب المجيز للتفريق أن يكون بغير عذر مقبول، أما إذا كان بعذر مقبول، كغيابه في بعثة علمية، لا يمكن أن تكون الزوجة معه فيها، فلا يجوز التفريق، لعدم قصده الأذى بالغياب.
وهذا الشرط مأخوذ من مذهب الإمام أحمد.
وبينت المادة 138 حكم التفريق لحبس الزوج، تنفيذاً لحكم نهائي بعقوبته، فإذا صدر حكم على الزوج بالحبس ثلاث سنين فأكثر يجوز لزوجته بعد مضي سنة من تنفيذ الحكم عليه أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها، لأن المناط في ذلك تضرر الزوجة من بعد الزوج عنها، ولا دخل لكون البعد باختيار، أو قهراً عنه، ويجيبها القاضي إلى طلبها، ويحكم بالتفريق بطلقة بائنة، بدون كتابة إلى الزوج، أو انتظار، كما يفعل مع الغائب الذي يمكن الكتابة إليه، لأن المحبوس لا يستطيع أن يخرج على تنفيذ الحكم، والضرر يستحكم إذا بقيت في عصمته إلى نهاية هذه المدة الطويلة، فهي كزوجة الغائب في فقه المالكية.
هذا – ولا فرق بين ما إذا كانت مدة حبس الزوج ثلاث سنين فأكثر بحكم واحد، أو بأكثر من حكم.
الفصل الخامس
الفسخ للعيب
المواد 139، 140، 141، 142
إذا وجد أحد الزوجين في الآخر علة جسمية، كالجذام، والبرص، أو جنسية، كالعنة، والجبّ في الرجل، والقرن والرتق في المرأة، أو عقلية، كالجنون – فقد اختلف الفقهاء في جواز فسخ الزواج:
فأهل الظاهر لم يقبلوا فسخه بعلة ما.
والجمهور قالوا بالفسخ في الجملة، واختلفوا في التفصيل.
فالحنفية لا يفسخون الزواج بعيب في المرأة، لأن للرجل حق التطليق، ويجيزون للمرأة الفسخ بعيوب في الرجل، اختلف في بيانها الشيخان ومحمد والأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم لهم تفصيلات: هل الفسخ حق للطرفين؟ وهل العيوب التي يفسخ بسببها محصورة أو غير محصورة؟ وإذا كانت محصورة فما عددها؟ ويعنيا هنا الأخذ بأوسع المذاهب، دفعاً لضرر الزوجين.
فقد أجاز لكل من الزوجين فسخ أن يطلب فسخ الزواج للعيب، وذهب في معيار العيوب مذهب ابن قيم تبعاً للمأثور عن فريق من فقهاء السلف، فبين أن العيوب المقصودة هنا هي كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، أو يتضرر، أو يمنع الاستمتاع لأنه حينئذٍ لا يحصل به مقصود الزواج من المودة والرحمة، والصحابة، والسلف لم يخصوا ذلك بعيب دون عيب:
– فهذا عمر يأمر بتخيير زوجة العقيم، وأجل مجنوناً سنة ليفيق، أو يفرق بينه وبين زوجته.
– والزهري يرد النكاح من كل داء عضال.
– وشريح يقول لمن تزوج عمياء وهو لا يعرفها عمياء: “إن كان دلس عليك بعيب لم يجز”.
– وعمر وابنه، وابن عباس، وجابر بن زيد، وأحمد، والشافعي، وإسحق، قد أثبتوا خيار للفسخ لمن يجد من الزوجين في الآخر عيباً في الجملة.
وفي زاد المعاد: “أما الاقتصار على عيبين، أو ستة، أو سبعة، أو ثمانية دون ما هو أولى منها، أو مساوٍ لها فلا وجه له، فالعمى، والخرس، وكونها مقطوعة اليدين، أو الرجلين، أو أحدهما أو كون الرجل كذلك، من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين…. وما ألزم الله ورسوله مغروراً قط، ولا مغبوناً بما غربه. ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده، وعدله وحكمته، وما اشتمل عليه من المصالح، لم يخف عليه رجحان هذا القول، وقربه من قواعد الشريعة”.
وقد أخذ بأن علم أحد الزوجين بعيب الآخر حين العقد أو رضاه به بعد العقد، مسقط لحقه في طلب الفسخ، إلا العيب الجنسي (العنة) المانع في الرجل، فقد قرر فيه للزوجة حق الفسخ مطلقاً، ولو كانت عالمة راضية، أو كانت علة الزوج الجنسية طارئة بعد الدخول، وهذا مذهب الإمام أبي ثور، وتخريج أبي الحسن اللخمي من المالكية، منعاً لإحراجها، وصيانة لها، فقد تكون رضيت على أمل شفائه، أو أمل قدرتها على الصبر، ثم يخيب ظنها.
وتؤجل القضية بعد الإثبات في جميع العيوب القابلة للشفاء، مدة مناسبة، فإذا انقضى الأجل، ولم تزل العلة، وأصر طالب التفريق، فرق بين الزوجين.
وتشمل المدة المناسبة ما قل أو كثر، حسب تقدير أهل الخبرة أخذاً من مجموع ما ورد عن عمر ومن معه من تأجيل السنة، وعن الحرث بن عبد الله من تأجيل عشرة أشهر، وعن عثمان، ومعاوية، وعمرة بن جندب الذين لم يؤجلوا العنين أصلاً، وعن إبراهيم النخعي الذي قال بتأجيل العنين، ولم يبين أجلاً قل أو كثر، فكان معنى ذلك أنه يتركه لتقدير القاضي.
ومن الملحوظ أن المحكمة لها أن تستعين بأهل الخبرة في العيوب التي يطلب فسخ الزواج من أجلها، وفي تقدير المدة المناسبة للشفاء، مع مراعاة اسلام الطبيب لتوافر الثقات المسلمين ذوي الاختصاص، عملاً بمذهب مالك، وجمهور المجتهدين.
وقد رئي من التيسير والعدل أن يكون التفريق للعيب فسخاً محضاً لا طلاقاً، طبقاً لمذهب الشافعي وأحمد، فلا ينقص به عدد الطلقات، ولا يترتب عليه من الآثار المالية إلا ما يترتب على من الآثار المالية إلا ما يترتب على الفسخ مما تقدم بيانه في الأحكام العامة.
الفصل السادس
الفسخ لاختلاف الدين
المادتان 143، 144
أحكام إباء أحد الزوجين عن الإسلام إذا أسلم الزوج الآخر بالمادتين: 143، 144 مصدرها الراجح من الفقه الحنفي باستثناء أمرين: –
الأول: اعتبار الفرقة بسبب إباء الزوج فسخاً، أخذاً برأي أبي يوسف، لأنه لا وجه للتفرقة بين إباء الزوجة وإباء الزوج، ولأنه “لا إكراه في الدين”، وحتى لا يتوهم أن الالتزامات المالية المترتبة على أن هذه الفرقة طلاق هي وسيلة لإجبار الزوج على الإسلام.
الثاني: فسخ الزواج دون أن تعرض المحكمة الإسلام على من يمثل الزوج إن كان غير أهل للعرض، فإنه لا جدوى من العرض غير الملزم على أبويه، أو إقامة وصي خصومة، وهو عمل شكلي محض، ويعارض في مظهره الآية الكريمة السابقة، وقد أمرنا أن نترك غير المسلمين وما يدينون، وعدم عرض الإسلام هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وأئمة الزيدية.
ويلحظ أن السكوت بعد عرض الإسلام يأخذ حكم الإباء، وأنه إذا وجد سبب من أسباب الحرمة بين الزوجين فسخت المحكمة الزواج على كل حال، وفرقت بين الزوجين إن لم يتفرقا.
وصرحت الفقرة /ب من المادة 144 بأنه لا يجوز البحث في صدق من يعلن إسلامه، ولا في الباعث له على الإسلام: هل هو يريد الإبقاء على الزوجية، أو الخلاص منها؛ أو التوصل إليها، أو غير ذلك، لأن هذا الأمر متروك شرعاً، لما بينه وبين الله تعالى الذي يتولى السرائر، أما في هذه الدنيا فهو يعامل بالظاهر. دل على ذلك قوله الله سبحانه: “ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً….” وما سمعه ابن القاسم عن مالك في سبب نزول هذه الآية.
وما رواه مسلم والأئمة عمن كان في سرية فأدرك رجلاً قال لا إله إلا الله، فطعنه، وقال: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السلاح، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: “أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ …”.
وفي حديث آخر عن جندب بن عبد الله: “فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟”.
والقضاء يجري على أن الاعتقاد الديني مسألة نفسانية، فلا يمكن لأي جهة قضائية البحث فيها إلا عن طريق المظاهر الخارجية الرسمية فقط، ومتى توافرت هذه المظاهر قصر القضاء بحثه على النتائج المترتبة على تغيير الدين، طبقاً لأحكام الدين الجديد، وأوضح أن الإسلام في هذا الموضوع، فلا يصح أن يزعم أحد الزوجين أن له استبقاء الزوجية حسب الشريعة التي عقد الزواج في ظلها.
المادة 145
قال ابن الماجشون وابن أبي أويس من المالكية، إن ردة أحد الزوجين فسخ مجرد للزواج بغير طلاق، وروى علي بن زياد عن مالك رحمه الله أن المرأة إذا ارتدت تريد بذلك فسخ الزواج لا يكون ذلك طلاقاً وتبقى على عصمته. ونقل هذه الرواية ابن يونس، وابن رشد وغيرهما، وفي الشامل أنها لو قصدت بردتها فسخ زواجها لم يفسخ، وفي الفقه الحنفي ذهب الشيخان: أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن ردة الزوج تفسخ الزواج في الحال دون توقف على القضاء، واتفق الثلاثة على أن الفرقة بارتداد الزوجة فسخ، وأفتى الدبوسي، والصفار، وبعض أئمة بلخ، ومشايخ سمرقند بأن ردتها لا توجب الفسخ، ورجح ذلك صاحب النهر رداً لقصدها السيء عليها، وحسماً لاحتيالها على الخلاص بأكبر الكبائر.
وقد أخذ بأن ردة الزوجة فسخ، مع مراعاة المصلحة الزمنية في العدول إلى توقف الفسخ على القضاء، لما ورد على المادة 100، وأخذ أيضاً بفقه الشافعي وأحمد في استقرار الفرقة بعد الدخول لهذا السبب يتوقف على انقضاء العدة، كما لوحظت مواطن الشكوى في تزيين الشيطان للزوجة المسلمة طريق الردة للتوصل إلى الخلاص من زوجية لا ترضيها، فاختير أن ردتها لا توجب الفسخ، سداً لهذا الباب الخطير، طرداً لما جاء في الفقه المالكي، وأفتى به الفقه الحنفي سداً لهذا الباب من أصله، سواءً تعمدت الحيلة أم لا.
الفصل السابع
المفقود
المواد 146، 147، 148
بينت أحكام هذه المواد: 146، 147، 148، على أن من فقد، وانقطع خبره، ولم يعلم له موضع، فإما أن تكون غيبته ظاهراً الهلاك، كالذي يفقد بين أهله ليلاً أو نهاراً، أو يخرج للصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع، فلا يظهر له خبر، أو يفقد في ميدان القتال أو في بادية مهلكة، أو في طائرة نكبت، أو باخرة أصيبت. وإما أن يكون ظاهر غيبته السلامة، مثل السياحة، وطلب العلم، والتجارة في غير مهلكة، فرئي الأخذ بمذهب الإمام أحمد في الحالة الأولى، فينتظر إلى تمام أربع سنين قمرية من حين فقده، فإذا لم يعد وبحث عنه، فلم يوجد اعتدت زوجته عدة الوفاة، وحلت للأزواج بعدها. ففي هذه المدة يتكرر تردد المسافرين، والتجار، فانقطاع خبره على هذا الوجه يغلب فيه ظن الهلاك، إذ لو كان باقياً لم ينقطع خبره إلى هذه الغاية.
وفي الحالة الثانية أخذ بقول صحيح في مذهب الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة، ففوض أمر تقدير المدة التي يعيش بعدها المفقود إلى القاضي، فإذا بحث في نطاق وجوده بكل الطرق الممكنة وتحرى عنه بما يوصل إلى معرفة حاله فلم يجده، وتبين أن مثله لا يعيش إلى هذا الوقت – حكم بموته.
والمالكية والحنفية يرون أن موت المفقود يكون من وقت حكم القاضي. وهو السبب، فيسري من وقته. فتعتد زوجته عدة الوفاة من وقت صدور الحكم، ويستحق تركته ورثته الموجودون حينئذ. وهذا أضبط وأصلح لنظام العمل في القضاء.
وصيغت المادة (148) حسب مذهب مالك المتبع الآن.
الباب الرابع
آثار فرق الزواج
الفصل الأول
آثارها في الزوجية
المواد 149 – 154
مر بيان قسم من هذه الأحكام عند التعليق على المادة 98 ويكفي أن تقرر هنا ما يلي: –
1 – المراجعة هي استدامة الزوجية بالقائمة بعد أن كان الطلاق الرجعي قد حددها بانتهاء المدة، آخذاً بقوله تعالى: …….. إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن…. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف….”
والمراد ببلوغ الأجل هو قرب انقضاء العدة، للإجماع على أنه لا رجعة بعد الانقضاء.
2 – وللمراجعة عند الفقهاء طريقان: طريق مجمع عليه، وهو القول.
وطريق مختلف فيه وهو الفعل.
أ – أما المراجعة بالقول فتكون بكل قول يصدر من المطلق دالاً على معناها: ومنه الصريح الذي يصير مراجعاً به بلا نية، مثل أن يقول، راجعت امرأتي. أو يخاطبها بقوله: راجعتك، أو أمسكتك.
ومنه الكنايات التي تتوقف على النية، مثل، أنت عندي كما كنت، أو أنت امرأتي.
ويشترط أن تكون الرجعة قولية منجزة، فلا تصح إضافتها إلى المستقبل، ولا تعليقها بالشرط، كما لو قال: إذا جاء رمضان فقد راجعتك، أو إن دخلت الدار، فقد راجعت زوجتي.
ويشترط فيها أيضاً الإشهاد عليها برجلين، أو رجل وامرأتين، ووجوب الإشهاد هو قول سعيد بن المسيب، والحسن والشافعي في القديم، وأهل الظاهر. وقد روعي في الأخذ به أنه كثيراً ما يطلق الرجل بإشهاد رسمي، ويداوم العشرة ولو علمت الزوجة بالطلاق، على أساس استدامة الزواج بالرجعة الفعلية، ثم يدب النزاع بينهما فينكر الرجعة، أو يتوفى وينكر الورثة استمراراً زوجيتهما، أو نسب الولد الذي جاءت به بعد الطلاق. واستغلت هذه الأحكام من الجانب الآخر في ادعاءات باطلة بالزوجية والإنساب، فاقتضت المصلحة تدبير ما يضمن صيانة الحقوق وروابط الأسرة ويسد أبواب الاحتيال والزور، ويساير الإعلان والوضوح في بدء الزواج، وفي الطلاق، فاختير أن تكون الرجعة بحضرة شاهدين: رجلين أو رجل وامرأتين، أو بإشهاد رسمي وأن تعلم بها الزوجة. وقد روعي هنا أن الرجعة بالكتابة من الرجعة القولية.
ب – وأما المراجعة بالفعل فتكون بالمسيس. وهذا مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، قال ابن المنذر: إنها رجعة عند ابن المسيب، والحسن البصري، وابن سيرين، وطاووس، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، والثوري، وابن ليلى، وجابر، والشعبي، وسليمان التيمي.
ويلحق بالمسيس في إنشاء الرجعة مقدماته التي توجب حرمة المصاهرة في الفقه الحنفي، ولو حصلت اختلاساً منه، أو بإكراه، لأن المتعة حلال من الجانبين لبقاء الزوجية من كل وجه. وقد رأى أن هذا المذهب أوفق وأقرب إلى استدامة الزوجية، فلم يؤخذ بمذهب يحتم الرجعة بالتعبير القولي.
2 – للزواج الحق في أن يراجع زوجته في عدتها بمحض إرادته سواء أرضيت أم أبت لقول الله تعالى “وبعولتهن أحق بردهن”، ولا يسقط حقه هذا بالإسقاط، فلو قال: أبطلت رجعتي، أو أسقطتها، أو لا رجعة لي، لم يسقط حقه في المراجعة، كما جاء في شرح الطحاوي وغيره، لأن قوله هذا تغيير لشرع الله، وليس ذلك إليه.
الفصل الثاني
العدة
الفرع الأول
أحكامها العامة
المادتان 155، 156
العدة أجل ضربه الشارع لانقضاء ما بقي من آثار الزواج أو شبهته، وركنها حرمات تثبت عند الفرقة حتى ينقضي هذا الأجل، مثل حرمة تزوج المرأة من غير مطلقها، وحرمة خروج معتدة من مسكن الزوجية الذي طلقت وهي فيه.
وهي من النظام العام في الإسلام، وقد شرعت لغايتين أساسيتين:
الأولى: تهيئة الفرصة لإعادة بناء الزوجية الذي تداعى للانهيار، وفي ذلك يقول الله تعالى: “لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً”
الثانية: صيانة الأنساب، إذ تتربص المرأة حتى تضع حملها مقطوعاً بنسبه من أبيه، أو يحصل الاطمئنان إلى عدم وجود الحمل.
وفي العدة معان أخرى أدبية، كحفظ ذكرى الزوجية إلى أمد تظهر فيه المرأة الأسف لزوال نعمة الزواج في فرقة الوفاة أو الطلاق، نظراً لأن نعمة الزواج بالنسبة إلى المرأة أعظم أثراً، وأكبر موقعاً في اطمئنان حياتها.
واصطلح الفقهاء على أن العدة خاصة بتربص المرأة، مع أن الرجل يجب عليه أن ينتظر حتى يزول المانع إذا أراد أن يتزوج من امرأة يمنع من زواجه بها مانع مؤقت، مثل زواجه بأخت امرأته، أو معتدة الغير. وقد بين الفقيه أبو الليث في خزانة الفقه أن صور تربص الرجل عشرون، ونقلها عنه ابن نجيم في البحر الرائق، وابن عابدين في رد المحتار ولكن هذا التربص من الرجل لا يسمى عدة في إصلاح الفقهاء.
وقد أخذ المشروع في أسباب العدة بالفقه الحنفي، فهي تجنيب بالفرقة بين الزوجين بعد الدخول، أو الخلوة الصحيحة، أو الخلوة الفاسدة من جهة أمر شرعي كصوم رمضان – إذا كانت الفرقة في زواج صحيح كما تجب بالفرقة بعد الدخول في الزواج الفاسد. أما وفاة الزوج، حقيقية أو حكمية، فإن العدة تجب بها ولو لم تكن خلوة أو دخول، لإطلاق قول الله عز وجل: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً، والرجل يسمى زوجاً بمجرد العقد الصحيح، والمرأة زوجة حينئذ ولو قبل الدخول، ولأن المعاني الموجبة لعدة الوفاة الوفاء الزوجي، والتأسف على فوات الزوجية بموت الرجل، وهذا يستوي فيه ما إذا كانت الوفاة قبل الخلوة أو الدخول أو بعدها.
وقد صرح الحنفية بأنه إذا حكم بموت المفقود اعتدت امرأته عدة الوفاة من وقت الحكم بالوفاة، كأنه مات في ذلك الوقت معاينة، لأن الموت الحكمي معتبر بالحقيقي، كما جاء في الهداية وفتح القدير. وفي الدخول بشبهة دون عقد، أنه لم ير من صرح ببدء العدة، وينبغي أن يكون من آخر دخول عند زوال الشبهة، بأن علم أنها غير زوجته، وأنها لا تحل له، إذ لا عقد هنا، فلم يبق سبب للعدة سوى الدخول.
المادة 157
أ – مستند انقضاء عدة الحامل بوضع الحمل في جميع الأحوال هو العموم المستفاد من قول الله تعالى: “وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن”، وقد وردت السنة موافقة لذلك ومقررة له، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والأئمة الأربعة، فشمل هذا العموم جميع الحالات وبجميع الأسباب التي يثبت فيها نسب الحمل، فهو يتناول الحامل في حالتي الوفاة والفرقة في الزواج الصحيح وغيره، والدخول بشبهة، ولو كان الوضع بعد الفرقة بلحظة. قال عمر: لو وضعت وزوجها على سريره لم يدفن بعد لانقضت عدتها وحل لها أن تتزوج.
ب – المرجع في عدة من تحيض إلى النص القرآني: “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء”. والقرء هو الحيض في قول الخلفاء الراشدين، وبقية أكابر الصحابة، وأصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود، وأئمة الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، واستقر عليه مذهب أحمد، وبه قال الزيدية.
واختير رأي أبي حنيفة في أقل مدة لانقضاء العدة بالحيض هي ستون يوماً، وهذا التقدير ظاهر في تخريج محمد بن الحسن لقول إمامه، وفي تخريج الحسن له أيضاً، وتقييد الحيضات بالكوامل، لإفادة إن الحيضة لا تحتسب إذا وقعت الفرقة في أثنائها، لأنها ليست حيضة كاملة، فلا بد من ثلاث حيض كوامل بعدها.
ج – الأصل في العدة بالأشهر أن يعتبر الشهر من الهلال إلى الهلال، سواء أكان ثلاثين يوماً أم تسعة وعشرين يوماً. ولكن هذا لا يمكن في جميع في جميع مدة العدة إلا إذا وقع الطلاق مع إهلال الهلال في لحظة واحدة، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان ا��طلاق معلقاً عل�� إهلال الهلال، أو مضافاً إلى أول الشهر.
فإذا وقع الطلاق في أثناء الشهر حسبت العدة في رأي أبي حنيفة بالأيام تسعين يوماً، كل شهر ثلاثون، وبعد إلغاء التعليق والإضافة في الطلاق أصبح من المتعذر تحقق وقوع الطلاق لحظة الإهلال، فأخذ برأي أبي حنيفة في الحالتين 2 و3 من الفقرة (ج)، على أن ابن نجيم نقل في البحر الرائق أن اعتبار الشهور في العدة بالأيام دون الأهلة عندما تبدأ العدة خلال الشهر هو إجماع بين أئمة المذهب وأن الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في الإجارة فقط.
د – في الفقه الحنفي رأيان في عدة المرأة المستمرة الدم التي لا تعرف لها عادة في الطمث:
أولهما – أن عدتها تنقضي بسبعة أشهر من وقت وقوع الفرقة، بحساب ستة أشهر لثلاثة أطهار، وشهر لثلاث حيض، وهذا هو المختار للعمل به، ومبناه على الاحتياط المبالغ فيه.
وثانيهما – انقضاء عدتها بثلاثة أشهر، لأن الغالب في النساء رؤية الحيض مرة كل شهر، وهذا الرأي أقرب إلى الواقع وإلى العدل، فأخذ به، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وقال به عكرمة، وقتادة، وأبو عبيد، ويوافق حكم الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ أمر حمنة بنت جحش أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة تثبت فيها سائر أحكام الحيض.
هـ – حكم الحالة (4) من الفقرة (ج) سنده فقه الحنفية فيما عدا إحلال السنة محل بلوغ اليأس، وهو يوافق في ذلك تقدير أقصى مدة الحمل حسب المقرر في هذا المشروع، والمتبع في قوانين الأحوال الشخصية، وألفه الناس، فأي الفترتين: الحيضات الثلاث وقترة السنة – انقضت فقد انتهت العدة، وينظر ما كتب عن المادة 160 في هذا الفرع.
و – الشرائط التي يعتبر معها الطلاق قرار موضحة في أحكام المواريث الآتية: فمتى تحققت، بحيث ترث مبانة الفار من مطلقها، فإنها تعتد عدة الوفاة إن كانت أطول، وعدة الطلاق إن كانت أطول، وهذا معنى أبعد الأجلين، ذلك أنه بالنظر إلى أنها مبانة تكون زوجيتها غير قائمة مما يوجب عدة الطلاق، وبالنظر إلى أنها وارثة يظهر فيها معنى الزوجية مما يوجب عليها عدة الوفاة، فتقرر أن تعتد العدتين عملاً بالوجهتين، على أن تندمج أقلهما في أطولهما، وعلى أن يعتبر الحيض من وقت الطلاق لا من وقت الوفاة، وهذا مذهب الطرفين: أبي حنيفة ومحمد.
المادة 158
عدة من يتوفى عنها زوجها في زواج صحيح أربعة أشهر وعشرة أيام بموجب قوله تعالى: “والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً”.
ومعتدة الرجعي زوجيتها قائمة من جميع الوجوه، فإذا توفى مطلقها خلال العدة يصدق عليها أنها متوفي عنها زوجها، فتخضع في عدتها لحكم من توفى عنها زوجها في زواج صحيح، فتنهدم عدة الطلاق، وتعتد عدة الوفاة من تاريخ الوفاة، وتنقضي عدتها الجديدة بمضي أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام بلياليها منذ الوفاة إذا صادفت الوفاة غرة الشهر، وإلا فبانقضاء مائة وثلاثين يوماً على رأي أبي حنيفة المتقدم بيانه.
وفي غير حالة الفرار تكون الزوجية بعد البينونة أو الفسخ منقطعة من كل وجه، فلا يشمل النص القرآني الفار الحالة (ب) من هذه المادة، فلا تتحول العدة إلى عدة الوفاة.
وعدة الوفاة ملاحظ فيها غايات ومعان سبق بيانها في مقدمة مذكرة هذا الفصل، وهي لا تنطبق على المدخول بها في الزواج الفاسد أو الشبهة، فلم تلزم بغير عدة الفرقة لمعرفة فراغ رحمها من الحمل، فإن كانت حاملاً حين الفرقة، فإن عدتها تكون بوضع الحمل، كما تقدم في مذكرة المادة 157.
المادة 159
اختلف أئمة الحديث فيمن أبان مدخولته بينونة صغرى، ثم تزوجها في العدة، ثم طلقها قبل الدخول:
– فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن عليها عدة مبتدأة، لأن مجرد تجديد العقد، وهي معتدة بعد دخول سابق عليها يعتبر دخولاً جديداً، فإذا طلقها وجبت عليها عدة مبتدأة لا يحتسب منها ما مضى.
– ورأى محمد أن عليها إتمام العدة الأولى.
– وقال زفر: لا عدة عليها أصلاً.
واتفق فقهاء الحنفية على فساد قول “زفر” لأنه يؤدي إلى تفويت العدة، واختلاط الأنساب. أما رأي الشيخين ففيه مشقة على المرأة بنيت على افتراض بعيد عن الواقع. ولكن مذهب محمد بن الحسن أقرب إلى العدل، ويتفق مع الواقع، لأن الطلاق الأخير صدر قبل الدخول فلا عدة، وعدة الطلاق الأول يجب أن تستمر حتى تنقضي، وعلى أساس ذلك صيغت هذه المادة.
المادة 160
مأخذ هذه المادة ما تقرر في أقصى مدة الحمل، لأن المقصود الأهم في العدة هو تعرف براءة الرحم، ومن مستنداتها أيضاً أنه ليس في الكتاب ولا السنة تحديد سن اليأس بوقت معين، وقد صح عن عمر فيمن طلقت فحاضت حيضة او حيضتين ثم ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه انها تنتظر تسعة أشهر، فإن لم يستبن بها حمل تعتد بثلاثة أشهر. وقضى بذلك بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. قال ابن القيم في زاد المعاد: وقد وافقه الاكثرون على هذا، منهم: مالك وأحمد، والشافعي في القديم، قالوا: – تتربص غالب مدة الحمل، ثم تعتد عدة الآيسة، ثم تحل للأزواج ولو كانت بنت ثلاثين سنة أو أربعين.
وهذا يقضي أنه عند عمر بن الخطاب ومن وافقه من السلف والخلف تكون المرأة آيسة قبل الخمسين وقبل الأربعين، وأن اليأس عندهم ليس وقتاً محدوداً للنساء.
وقد ساق ابن القيم كلاماً طويلاً، ونصوصاً كثيرة، وأدلة واضحة في معنى اليأس والارتياب الواردين في قوله تعالى: “واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر” ثم قال؛ “يجب ألا يكون للكبر الموجب للاعتداد بالشهور حد، وهو ظاهر، ولله الحمد”.
وفي تحديد السنة الواحدة احتياط شامل لجميع الحالات، كما قرر الأطباء، وهو أضبط وأصلح لنظام العمل في القضاء، وأدفع للكذب في هذه المسألة الخطيرة.
المواد 161 – 164
روعي ما تعارفه الجميع، واقتضته المصلحة الزمنية، فلم تلزم المبانة، ولا المتوفى عنها زوجها بالاعتداد في مسكن الزوجية، بل رأي بأن لكل منهما أن تعتد حيث شاءت، وجعلت حكم الفقرتين أ، ب من المادة 161 مقصوراً على معتدة الرجعي لا غير.
وهذا ما يفيد ظاهر النص القرآني في أول سورة الطلاق، وتؤيده السنة الثابتة. وقد قال به جمع من فقهاء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، منهم: أم المؤمنين عائشة، والإمام علي، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الشعثاء، وعمر بن عبد العزيز، وسالم بن عبد الله بن عمر، وطاووس، وعطاء اللذان قالا: المبتوتة والمتوفي عنها تحجان، وتعتمران، وتنتقلان، وتبيتان، وهو مذهب أهل الظاهر، وغيرهم.
ومن الملحوظ في الفترة ب من المادة 161 أن العمل الدوري المشروع يعتبر مسوغاً لخروج المعتدة، كما لو كانت في مدارس الإناث.
وأطلق الفسخ بالمادة 162 ليشمل ما إذا كان بسبب هو معصية من جهة المرأة فإنه في هذا المشروع أصبح محصوراً في حالة آباء الزوجة غير الكتابية الإسلام، وقد رئى أن تكون لها نفقة العدة، إذ هي محتبسة لحق الزوج ما دامت في عدته، والشرع لا يجبرها على الإسلام، لقول الله سبحانه: “لا إكراه في الدين”.
وقد تقدم ما يتعلق بالمادة 163 عند الكلام على المادة 76، والفقرة أ من المادة 78.
وصبغت المادة 164 وفق مذهب أبي حنيفة وأصحابه الذين يرون أن معتدة الوفاة لا تستحق السكني ولا غيرها من أنواع النفقة، سواء كانت حاملاً أم غير حامل، لا على زوجها ولا على غيره، فإن ملك زوجها انتهى بموته، فلا مال له بعد الوفاة، ولا وجه لإيجاب النفقة على الورثة، أو غيرهم من مستحقي التركة، لأنها من آثار الزوجية وعقد الزواج بينها وبين المتوفي، فلا يجب شيء من آثار هذا العقد الشخصي على غير العاقد الملتزم.
الفصل الثالث
التعويض بسبب الفرقة
المادة 165
أوجب المتعة لكل مطلقة “علي” – كرم الله وجهه -، والزهري، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وعطاء، والنخعي، والحسن، والثوري، وابن حزم.
ويقول الإمام ابن جرير الطبري: “المتعة حق للمرأة واجب على مطلقها، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها، أو ببراءة منها له، وأرى أن يحبس إن طلقها في المتعة، لأن الله أمر بالمتعة، وأمره تعالى فرض”.
ويرى الشافعية، والمالكية أن المتعة شرعت لجبر قلب المرأة من فجيعة الطلاق، وتطبيب نفسها عن الألم الذي لحقها، بسبب الفراق.
ومن ثم جاء في الجديد من مذهب الشافعي إن المتعة تجب للمطلقة بعد الدخول، وأعتبر الشافعية أن الفرقة بغير سبب من الزوجة هي كالطلاق مثل ردة الزوج، ولعانه، فإن كانت الفرقة منها أو بسببها، كإسلامها، ولو تبعاً، أو فسخ الزواج بعيبها، فلا متعة لها، لا قبل الدخول ولا بعده، ولا متعة أيضاً لو ماتت، أو ماتا معاً، أو توفى الزوج وحده، لأن الإيحاش، وهو سبب الوجوب، قد انتفى في هذه الحالات.
وفي كتب المالكية أنه لا متعة لمختلعة، ولا مصالحة، ولا من قامت بعيب، وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة، والمملكة، لهما المتعة.،
وفي هذا الزمان تراخت عرى المروءات، وأصبحت المطلقة في حاجة إلى معونة أكثر من نفقة العدة، تساعدها على تخفيف نتائج الطلاق من الناحية المادية، وفي المتعة ما يحقق المعونة، وهو في الوقت نفسه يمنع كثيراً من التسرع في الطلاق.
ولما كان الأصل في تشريع المتعة هو جبر إيحاش الزوج لمن فارقها، ومواساتها من المروءة التي تتطلبها الشريعة، والله تعالى يقول: “ومتعوهن على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره”، ولكن لا إيحاش، ولا ألم في طلاق تم برضاها، ولا موضع لمواساتها إذا كانت الفرقة بطلبها، أو بسبب منها، أو عند إعسار الزوج، أو مصيبة الموت، فقد حددت الفقرة ب من المادة 165 الحالات الاستثنائية التي لا تجب فيها المتعة، كما وضعت فقرتها (أ) المعيار المعتدل المقبول في تقدير المتعة، وأدائها إلا إذا كان الطرفان قد تراضيا على سواه، فيتبع ما اتفقا عليه.
الكتاب الثالث
الولادة وآثارها
الباب الأول
ثبوت النسب
الفصل الأول
أحكام عامة
المادة 166
لا خلاف بين أئمة الدين في أن أقل مدة الحمل ستة أشهر قمرية، حسب تأويل ابن عباس، لقول الله تعالى: “وحمله وفصاله ثلاثون شهراً”، مع قوله عز وجل “وفصاله في عامين”.
وأجمع فقهاء المالكية على أنه في حكم السنة ما نقص عنها بيسير، كأربعة، أو خمسة أيام، لأنه لا يتوالى أربعة أشهر على النقص، فيمكن أن تتوالى ثلاثة ناقصة، والشهران الباقيان بعد الرابع التام ناقصان. أما إن كان النقص ستة أيام فالذي عليه الأكثر، وهو الصحيح، أنه لا يكون حكمه حكم الستة.
وقد اختلف الأئمة اختلافاً كثيراً في أقصى مدة الحمل:
فمذهب أبي حنيفة والثوري أنه سنتان.
ومذهب الشافعي وظاهر مذهب أحمد: أربع سنين.
وفي فقه مالك: قيل أربع سنين، وقيل خمس.
وقال الليث: ثلاث سنين.
وقال عبادة بن العوام: خمس سنين.
وعن الزهري روايتان: ست سنين، وسبع.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبعض أصحاب مالك: ست سنين.
وقال أبو عبيد: لا حد لأقصاه.
وذهب الظاهرية على أنه تسعة أشهر.
وقال محمد بن الحكم: أنه سنة.
ومعظم هذه المذاهب مبني على الاستقراء الناقص من أخبار آحاد الناس، ومهدأ الحمل لا تتيسر معرفته بالضبط، فقد تسبقه فترة طويلة أو قصيرة ينقطع فيها الحيض، فيظن أن المدة كلها للحمل، ويقع الخطأ والاشتباه في حساب مدته.
ويستند الحنفية على أثر موقوف روى عن أم المؤمنين عائشة، أعرض عنه مالك لخبر جارته امرأة م��مد بن عجلان، كما ��عرض الشافعي وأحمد، وهم أئمة الحديث، كما أنهم أئمة في الفقه كبار، وركنوا إلى أقوال غير عائشة، فوضح أن المسألة ليس فيها كتاب ولا سنة، وأن الأولى هو اعتبار رأي الأطباء الشرعيين بجعل أقصى مدة الحمل سنة، فإنه تقدير سليم، ألفه الناس، ويقرب منه رأي محمد بن الحكم، وفيه احتياط كاف للحالات النادرة.
المادة 167
التبني يشمل استلحاق مجهول النسب مع التصريح بأن النسب غير حقيقي، كما يتناول اتخاذ معروف النسب بمثابة الولد.
وقد عرفه أهل الجاهلية، فكان الرجل منهم إذا راقه غلام ضمه على نفسه، وأجرى عليه أحكام البنوة النسبية، وجعل له حظ الابن من ميراثه، واستمر ذلك في صدر الإسلام، حتى أبطله تعالى بقوله: “وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله…”. وقررت هذا الإبطال السنة الصحيحة، ومنها: حادثة زيد بن حارثة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت آية الملاعنة: “أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه، احتجب الله عنه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين”.
وبهذا لا يساير الإسلام أي ممارسات للتبني، ولا يقر ولا يعمل أي حالة منه، فهو لا يتمشى ورغبة من يريدون أن يخلقوا لأنفسهم أبوة او أمومة مصنوعة، وأن يتزينوا بشعور مستعارة، إذ يقرون بنسب أطفال يعلمون يقيناً انهم ليسوا أولادهم، بينما نصوص القرآن والسنة لا تستجيب لعلاقات صورية ومدنية محضة، من أبوة أو بنوة أو أمومة مفترضة فعنى المشروع بإبراز حكم التبني، محافظة الانساب، وحماية للورثة، ودرءاً لمفاسده الجمة، وقطعاً لما فشا من الدعوة إليه، والافتتان في وسائله بالعالم الإسلامي.
وهو لا يثبت النسب، فلا يلزم التبني بالإنفاق على الولد المتبنى، ولا يتوارثان، ولا يترتب عليه أي حق من الحقوق النسبية.
المادة 168
قد يكون بالرجل ما لا يمكن بسببه إنجاب الولد منه، مثل: بعض حالات التعقيم، أو قطع أعضائه الجنسية، أو تهتكها، وإثبات النسب في هذه الحال لمجرد الفراش وإمكانه هو أمر مستحيل في العادة، وقد أدى فساد الذمم، وسوء الأخلاق، إلى الجرأة على إلحاق نسب أولاد غير شرعيين بأزواج هذه حالهم، والإسلام في تشوفه لثبوت النسب إنما حرص على الأنساب الصحيحة النقية، كما حرص على تطهير الأسرة من الدخلاء، فبينت هذه المادة عدم ثبوت النسب إذا ما ثبت أن الرجل غير مخصب، أو لا يمكن أن يأتي منه الولد، لمانع خلقي أو مرضي، وعند النزاع في ذلك اجاز للمحكمة أن تستعين بأهل الخبرة من المسلمين. ومصدر ذلك مذهبا الإمامين: مالك وأحمد.
وينظر ما كتب عن المادة (142).
الفصل الثاني
النسب في الزواج الصحيح
المادتان 169، 170
في الحديث الصحيح أن “الولد للفراش” وفسر الكرخي الفراش بالعقد، ويفسره غيره من الحنفية يكون المرأة بحيث يثبت نسب الولد منها إذا جاءت به، ويقررون في العقد الصحيح ثبوت نسبه من الزوج إذا ولدته بعد ستة أشهر فأكثر من تاريخ العقد، ولو لم يثبت التقاء الزوجين، ولم تقم قرينة على اجتماعها. وافترض المتأخرون منهم فروضاً بعيدة، وغريبة في العادة المطردة، ليجعلوا المستحيل ممكناً، تبريراً لما قالوا به، فزادوا موقف مذهبهم في هذا الموضوع حرجاً.
وفي مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور الفقهاء أن الفراش يكون بالعقد مع إمكان الدخول. وروى حرب عن أحمد أن الفراش يكون بالعقد مع إمكان الدخول. وروى حرب عن أحمد أن الفراش هو العقد مع الدخول المحقق، وهذا ما تقتضيه قواعد وأصول مذهبه، وقد اختاره ابن تيمية.
واختار المشروع المذاهب التي تشترط للنسب إمكان التلاقي بين الزوجين. وظاهراً ان هذا أعدل الأقوال، وهو المتبع الآن، ويمنع الجرأة على إلحاق نسب أولاد بأزواج لم يلتقوا بالأمهات، فإذا مضى على عقد الزواج الصحيح أقل مدة الحمل، وأمكن التلاقي ثبت نسب الولد، وإذا ثبت انتفاء إمكان التلاقي بين الزوجين بمانع حسي لم يثبت النسب.
ومن أمثلة المانع الحسي حبس أحد الزوجين في مكان بحيث يمتنع عليهما الاجتماع فيه أو في غيره، وكذلك من تزوج امرأة ثم طلقها في مجلس العقد، أو مات قبل غيبته عن أهل المجلس، إذ ثبت حساً ونظراً إن الولد لن يكون منه.
والموانع الشرعية: كصوم رمضان، والإحرام بالحج فرضاً أو نفلاً، والحيض، ليست من المانع الحسي.
ونص المادة 16 أخرج الحالات الآتية من ثبوت النسب:
أ – إذا لم يمضي بين عقد الزواج والولادة أقل من مدة الحمل، وإن تلاقى الزوجان وتم الدخول، لأنه لم يمض زمنٍ كافٍ لتكوين الولد من هذا الزوج.
ب – إذا ثبت عدم تلاقي الزوجين لقيام مانع حسي مستمر من وقت العقد إلى حين الولادة، مهما طالت المدة بين الزواج والولادة، لأن السبب هنا هو قيام المانع، وليس قصر المدة.
جـ – إذا حدث المانع بعد إمكان التلاقي أو بعد تحققه، ثم استمر المانع أكثر من خمسة وستين وثلاثمائة يوم، كما لو سجن الزوج بعد الدخول، فجاءت الزوجة بولد بعد سنة من السجن، وقيام المانع.
د – إذا زال المانع، ولم يمض بين زواله والولادة أقل من مدة الحمل. كما لو سجن الزوج سنتين، ثم خرج فولدت الزوجة بعد أربعة أشهر من تاريخ خروجه.
وفي جميع هذه الصور انتقى شرط لا بد منه في ثبوت النسب، فلا يثبت من الزوج، لكن إذا ادعاه الزوج، ولم يقل إن من الزنى، يثبت النسب منه، مراعاة لمصلحة الولد، وتصحيحاً لكلام العاقل ما أمكن، بحمل إقراره على أسباب مشروعة للنسب، وهو أدرى بواقع أمره وسر حياته.
والمقصود بانقضاء العقد بالمدة في المادة 170 هو أن يمضي على الطلاق، دون رجعة، إما سنة، أو ثلاثة، أو تسعون يوماً، حسب حال المرأة في الاعتداد بالحيض أو بالأشهر، كما هو مبين بالمادة.
وانقضاء العدة بالإقرار هو أن تكون المعتدة قد أقرت بانقضاء عدتها بالحيض في مدة تحتمل ذلك.
والمعتدة من طلاق رجعي إذا اعتبرت منقضية العدة بمضي المدة، أو بالإقرار، ثم جاءت بولد بعد ذلك بأقل من ستة أشهر ثبت نسب هذا الولد من المطلق، ولو كانت الولادة بعد أن مضى أكثر من سنة على تاريخ الطلاق، وتعتبر الولادة دليل الرجعة، وتستمر الزوجية، لأن هذه المعتدة في حكم الزوجات، ويملك الزوج منها ما يملكه ممن لم يطلقها، ومعاشرتها تدل على ارتجاعها دلالة ظاهرة. ويستند ذلك مذهب الإمام أحمد.
المادة 171
المراد بمعتدة: البينونة ما يشمل معتدة البائن بينونة صغرى أو بينونة كبرى، والمعتدة من فسخ الزواج، باعتبار إن نتيجة الفسخ فرقة بائنة، وإن لم ينقص ما يملكه الزوج من طلقات.
ومعتدة البائن أو الفسخ لا تحل معاشرتها ممن فارقها في خلال العدة، فلا يقدر بينهما معاشرة إلا قبل الفرقة، وقد انقطع إمكان هذه المعاشرة حساً بالنسبة على معتدة الوفاة، ومن ثم افترقتا عن معتدة الرجعي، فلا بد لثبوت نسب مولودها من أن يولد قبل مضي أقصى مدة الحمل من تاريخ الفرقة أو الوفاة.
فالمعتدة من بائن أو فسخ أو وفاة، إذا لم تقرر بانقضاء العدة، يثبت نسب ولدها، متى أتت به في أثناء هذه العدة. ولو ولدته بعدها لا يثبت نسبه بالفراش، ولكن إذا ادعاه الزوج أو ورثه المتوفي، وتوافرت شروط ثبوت النسب بالإقرار، فإنه يثبت النسب.
وإن أقرت بانقضاء العدة في مدة تحتمل الانقضاء يثبت النسب، إذا أتت بالولد لأقل من ستة أشهر قمريه من وقت الإقرار، ولأقل من خمسة وستين وثلاثمائة يوم من وقت الفرقة أو الوفاة.
الفصل الثالث
النسب في الزواج الفاسد، والدخول بشبهة
المادة 172
الفراش في الزواج الفاسد إنما يثبت من حين الدخول الحقيقي، ولا عبرة بتاريخ الزواج، بالمتزوجة زواجاً فاسداً لا يثبت نسب ولدها ممن تزوجها إلا إذا جاءت به لستة أشهر قمرية فأكثر من وقت دخوله بها، لا من حين العقد، وجميع أولادها بعد هذه المدة ينسبون إليه ما دام يعاشرها بدون حاجة إلى أن يدعيه الرجل، ولا ينتهي: الفراش إلا أذا تفارقا من تلقاء أنفسهما، أو فرقت بينهما المحكمة، وبعد المفارقة أو التفريق تطبق أحكام نسب ولد المعتدة من بينونة.
والشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت في نفس الأمر، وللفقهاء في تقاسيمها، وتسميتها، اصطلاحات عديدة، والصحيح عند الحنابلة إن من باشر امرأة لا زوج لها بشبهة فاتت بولد لحقه نسبه، وصرحوا بأنه لو تزوج رجلان امرأتين، فزفت كل واحدة منهما على زوج الأخرى غلطاً، فدخل بها وحملت، يلحق الولد بمن دخل بها، لأنه اعتقد الحل فيلحق النسب، كالدخول في زواج فاسد، وكما لو لم تكن ذات زوج. أو تزوجت امرأة المفقود الذي حكم بوفاته ثم بان حياً.
وقالوا: إذا بوشرت المرأة بشبهة في طهر لم يباشرها فيه زوجها، فاعتزلها حتى تأتي بولد لستة أشهر من حين تلك المباشرة لحق الولد بالذي دخل بها، انتفى نسبه من غير لعان. وإن أتت بالولد قبل ستة أشهر لحق الزوج بكل حال، للعلم بأنه ليس من الدخول بشبهة.
وفرقوا بين الدخول بشبهة والزنى بأنه لا يعتقد الحل في الزنى.
وقال الإمام أحمد: “كل من درأت عنه الحد ألحقت به الولد”.
وقد أخذ المشروع في هذا الموضوع بالاجتهاد الحنبلي، لأنه أقرب إلى المصلحة في ثبوت الأنساب.
الفصل الرابع
الإقرار بالنسب
المواد 173 – 175
الإقرار بالنسب على النفس بينت أحكامه في الفقه الحنفي على كثير من حسن الظن بالناس، وحمل حالهم على الصلاح فكان وسيلة لمضارة الورثة، وللوصول إلى أغراض غير مشروعة، وفي مذهب الإمام مالك ما يقطع أسباب ذلك، ويكفل العلاج الصحيح لمواطن الشكوى، ويبقى على مزايا هذا الإقرار لصالح الأسرة والمجتمع، فاستمد المشروع منه، ومن بقية المذاهب الأربعة، ما يلي: –
1) في إقرار الرجل بالبنوة، صحيحاً كان أو مريضاً، وسواءً أكان الولد صغيراً أو كبيراً، حياً أم ميتاً، يثبت نسبه من الرجل المقر متى توافرت الشروط الآتية: –
أ – أن يكون المقر له مجهول النسب، فلو كان معلوم النسب من أب معين بطل الإقرار، لأنه مكذب شرعاً، ومن هذا القبيل ما إذا ثبت أن أم هذا الولد لم تزل زوجة لغير المقر حتى ماتت.
ب – ألا يكذبه العقل، مثل كون المقر ليس أسن ممن ادعى أنه ولده، بحيث يكون فرق السن بينه وبين الولد لا يحتمل هذه البنوة، لأنه كذبه الحس، فلم يصح الإقرار لاستحالته.
ج – ألا تكذبه العادة، كإقرار من علم أنه لم يقع منه زواج أصلاً، وبمثل أن يستلحق من ولد في بلد بعيد علم أنه لم يدخله قط.
د – ألا يصرح بأن الولد من الزنى، فإن صرح بهذا السبب غير المشروع لم يثبت النسب، لأنه نفى الفراش.
ﻫ – أن يصدقه الولد المقر له إذا كان بالغاً مكلفاً، وهذا على خلاف المذهب الحنفي الذي يشترط التصديق من المميز أيضاً، ولكنه مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، وقد راعى المشروع في ذلك أن طور التمييز لا يتأتى فيه البصر العميق بالأمور من جميع جوانبها، فالتمييز فيه غير تام ولا مستوعب للنتائج، والوعي فيه ينبعث عن عقل فض لم ينضج، ولم تكتمل استنارته، ومن مصلحة الذي لم يبلغ حد التكليف الشرعي أن يثبت نسبه دون توقف على التصديق حتى يستفيد بوجود من يتعهده، ويباعد بينه وبين منابع المرارة والنقمة على المجتمع، ويصان من الضياع المادي والأدبي.
2 – وفي إقرار مجهول النسب بالأبو�� يجب توافر الشروط ا��سابقة.
3 – وفي إقرار الأم بنسب الولد تراعى شروط إقرار الرجل بالولد أيضاً، وإلا تكون ذات زوج، ولا معتدة وقت أن ولد، فيثبت النسب منها حينئذٍ بإقرارها، لأن فيه إلزاماً على نفسها دون غيرها.
4 – وفي إقرار الولد بالأم يشترط ما شرط في إقرارها به، فإذا تحقق ذلك صح إقراره، لأنه أقر بما يلزمه، وليس فيه تحميل النسب على الغير.
وواضح أن النسب الثابت بالإقرار على هذا الوجه لا يقبل النفي، ولا يتحول من شخص إلى غيره، كما هو مقرر في كل نسب ثابت.
الباب الثاني
نفي النسب
(اللعان)
المواد 176 – 180
حرص فقهاء المالكية على بيان أن اللعان شعيرة من شعائر الإسلام. وهو مشروع لحفظ الأنساب، ودفع المعرة عن الأزواج، وثبت بالكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع.
وكيفيته نزلت بها هذه الآيات: “والذين يرمون أزاجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين”.
وذهب مالك، والشافعي، واسحق، وسعيد بن السيب، والحسن وربيعة، وسليمان بن يسار، والزيدية، وأهل الظاهر إلى أن اللعان من قبيل اليمين، فيصح من كل زوجين.
وصرح المالكية بأن اللعان يكون من شبهة الزواج وإن لم تثبت الزوجية، ويكون في الزواج الفاسد الذي لا يقر الزوجان عليه بحال، وبين الفاسقين، وبين المسلم والكتابية، ولو مات الولد الذي اتهمها به.
وقال الشافعية، إن اللعان يصح من الزوج ولو باعتبار ما كان، أو باعتبار الصورة، فينتفي النسب به في حالات البينونة، والدخول في الزواج غير الصحيح، أو الشبهة.
وروى اسحق بن منصور عن أحمد أن جميع الأزواج، يتلاعنون. ونص الجماعة من أصحابه على هذه الرواية، وأن ما يخالفها شاذ في النقل، وبينوا جواز نفي الولد باللعان بعد البينونة.
وأخذ الحنفية بتغليب حكم الشهادة في اللعان، وبنوا على أصلهم أنه لا لعان إلا في الزواج الصحيح القائم، فلا يمكن نفي الولد في الزواج الفاسد إذا ولد في تمام ستة أشهر من تاريخ الدخول، واشترطوا أن يكون كل من الزوجين أهلاً لأداء الشهادة بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والنطق، وعدم الحد في قذف، وعفة الزوجة وقت اللعان ببرائتها ولو من التهمة بالدخول في زواج فاسد أو بشبهة.
وحاجة الزوج الذي لا تصح منه الشهادة إلى اللعان، ونفي الولد كحاجة من تصح شهادته سواء. والأمر الذي ينزل به مما يدعوا إلى اللعان كالذي ينزل بالعدل، والشريعة لا ترفع ضرر أحد النوعين، وتجعل له فرجاً ومخرجاً مما نزل به، وتدع الآخر في الآصار والأغلال، يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثله، قد ضاقت عنه الرحمة التي وسعت من تصح شهادته، وهذا ما تأباه الشريعة الواسعة السمحة.
ومن أجل ذلك اختار المشروع فقه مالك ومن وافقوه في شرائط اللعان، وعدل من مذهب الحنفية الذي شدد في هذه الشرائط تشديداً يكاد يصادر على الرجل حقه المشروع في اللعان ونفي النسب، ومن ثم، يجوز اللعان في سائر الأحوال التي يثبت فيها النسب بغير ادعاء، نتيجة لفراش في زواج صحيح، أو دخول في زواج فاسد أو بشبهة، ولو كانت المرأة غير مسلمة أو غير عفيفة، أو كان الرجل غير أهل للشهادة أو أخرس، ويكفي أن يكون مكلفاً.
ولخطورة موضوع الأنساب نظم المشروع الطريق الجاد السريع إلى استقرارها. فاختار أن يتم نفي نسب الولد خلال سبعة أيام من وقت الولادة أو العلم بها، وأوجب اتخاذ إجراءات دعوى اللعان في خلال خمسة عشر يوماً اعتباراً من هذا التاريخ. ومدة النفي هي رواية الحسن عن الإمام أبي حنيفة.
والمراد بالاعتراف الضمني أن يصدر من الرجل شيء فعله يدل على الاعتراف بالنسب، كشراء لوازم الولادة، وقبول التهنئة.
وأخذ في جواز اجتماع المتلاعنين في زوجية جديدة بمذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، لأن في عودة الزوجية توسعة، وهو قول ابن المسيب، وابن جبير، والثوري، والنخعي، والهادي.
وقد لوحظ أن اللعان ليس صريحاً في الطلاق، ولا ينوي به الزوج الطلاق، والفرقة فيه بغير اختياره بل بحكم الشرع، والمصلحة في إبقاء ما يملكه من طلقات، فقررت المادة 178 أن الفرقة باللعان فسخ، وإلى هذا ذهب الشافعي، وأحمد، والهادوية، والناصر، والمؤيد بالله، وآخرون.
وبقية أحكام المادتين 178، 179 جارية على المذهب الحنفي، وهي واضحة.
الباب الثالث
دعوى النسب
المواد 181 – 185
المقصود بالمادة 181 هو سد باب الاحتيال، والدعاوي المزورة، وهذا لا يتحقق إلا بتقييد قبول دعوى الإقرار، بأن يكون الإقرار بالنسب ثابتاً بورقة رسمية، أو بورقة عرفية، تكون مكتوبة كلها بخط المقر، وعليها توقيعه، أو مصدقاً على توقيعه عليها.
ودعوى النسب لا تكون دعوى صحيحة يجب على القاضي سماعها، إلا إذا كانت مشتملة على سببه، من زواج صحيح أو فاسد، أو دخول بشبهة، أو إقرار مما يثبت به النسب، طبقاً لأحكام هذا القانون.
وبينت الفقرة أ – من المادة 184 أن التناقض يغتفر في دعوى البنوة والأبوة، لحرص الشارع على إثبات النسب، ولا يغتفر فيما عداهما، وقد سبق ما يتعلق بالتناقض عامة في المادة 96.
ولم يحترم المشروع الأحكام النهائية في النسب إلا بالنسبة لطرفي الخصومة، رعاية للعدل، وصيانة للحقوق. وهذا ما يجري عليه قضاؤنا العالي في الكويت، إذ لم يلتفت إلى أحكام نهائية بأنساب مكذوبة صنعت لأدعياء (محكمة التمييز – طعن رقم 14 لسنة 1979 – أحوال شخصية – جلسة 1980/1/5). محكمة الاستئناف العليا في الاستئناف رقم 160 لسنة 1978 جلسة 1979/8/21 وقد سارت عليه المحكمة العليا الشرعية بمصر ولم تخالفها أي محكمة شرعية، ولو أن أحكام النسب اعتبرت حجة على الكافة لوجب على وزارة الداخلية تنفيذها في مسائل الجنسية، وضاعت المصلحة العامة. فالالتزام بحجة الأمر المقضي بين الخصوم أنفسهم هو السبيل الأعدل بعد شيوع دعاوي النسب المزورة.
الباب الرابع
الرضاع
المادة 186
وضع المشروع ضابطاً عاماً للحالات التي يلزم فيها القضاء الأم بإرضاع ولدها، هو تعذر تغذيته بغير لبنها بأي سبب كان، ورئى أنه إذا تيسر تغذيته بغير الرضاعة الطبيعية تغذية لا ضرر فيها عليه، فإن الأم لا تتعين لإرضاعه في حالة عدم قبوله ثدي غيرها، ولا في حالة عدم وجود مرضعة أخرى، وهذا متفق مع رأي “الحلواني” في ظاهر الرواية عند الحنفية من عدم الإجبار، وفي صيانة الرضيع عن المرض أو الهلاك أولاً، واحترام إرادة الأم ثانياً، عند تحقق هذه الصيانة.
المادة 187
أجرة الإرضاع تعتبر من نفقة الصغير، ونفقته واجبة في ماله إن كان له مال، كسائر نفقته من طعام، وكسوة، وإن لم يكن له مال، فنفقته واجبة على أبيه لا يشاركه فيها أحد، فتجب عليه أجرة إرضاعه إذا كان قادراً بيساره أو بكسبه، وإذا كان فقيراً عاجزاً عن الكسب، أو كان الأب متوفي فأجرة إرضاع الصغير واجبة على من تجب نفقته عليه إذا لم يكن الأب موجوداً، وتستحق من وقت الإرضاع.
وتعتبر ديناً صحيحاً لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، فلو ماتت الأم قبل قبضه، كان لورثتها المطالبة به، باعتباره من تركتها، ولو مات الأب قبل أن تقبضه الأم أخذ من تركته كغيره من الديون، أسوة بسائر الغرماء.
المادة 188
إذا قامت الأم بالرضاع حال قيام الزوجية، أو في عدة الطلاق الرجعي أو البائن، فلا تستحق أجرة على الإرضاع، لأن الزوج مكلف بالإنفاق عليها في حال الزوجية، وفي حال العدة من الطلاق الرجعي أو البائن واجتماع نفقتين في وقت واحد لا يجوز، لكفاية النفقة الواجبة لها على الزوج للقيام بهذا الحق. وهذا مذهب الحنفية.
وإذا قامت الأم بالإرضاع بعد انتهاء الزوجية، وانقضاء العدة أو في عدة الوفاة، فإنها تستحق الأجر على الإرضاع من غير خلاف بين الفقهاء، لقوله تعالى: “فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن”، فأوجب الله على الأزواج أن يعطوا مطلقاتهم أجرة الإرضاع إذا قمن به، ولأن الأم في هذه الحالة لا تجب لها النفقة على الأب، لانفصام عرى الزوجية، وانقطاع آثارها بانقضاء العدة أو الوفاة.
وإذا كانت المرضعة ليست أماً، فإنها تستحق الأجرة على الإرضاع في كل حال.
ووضحت الفقرة (ب) أن أجرة الإرضاع لا تستحق لأكثر من حولين من وقت الولادة، وذلك باتفاق الفقهاء، فمتى بلغ الصغير حولين كاملين لم يكن للمرضع الحق في المطالبة بأجرة الرضاع، ولا يتوقف سقوط حقها في الأجرة على التراضي أو القضاء.
الباب الخامس
الحضانة
المادة 189
يراد بحضانة الصغير تربيته، ورعايته، وتعهده بتدبير طعامه، وملبسه، ونومه، وتنظيفه، وجميع شئونه التي بها صلاح أمره، ممن له حق تربيته شرعاً، وحق الحضانة يثبت أولاً للنساء، ثم للرجال على الترتيب الآتي:
الأم، فهي أحق الناس بالحضانة، سواء أكانت زوجة لأبي الصغير، أم مطلقة، لما روى أم امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله. إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثدي له سقاء، وأن أباه طلقني، وزعم أن ينزعه مني، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنت أحق به ما لم تتزوجي”.
ولأن الأم أشفق وأقدر على تحمل مشاق الأولاد، فكان في تفويض الحضانة إليها مصلحة للصغير.
فإن لم توجد الأم، أو وجدت ولم تكن أهلاً للحضانة، انتقل حق الحضانة إلى أمها. والمراد بأم الأم هنا، أم الأم من جهة الأم، أو من جهة الأب، وتقدم جهة الإناث.
ثم إلى خالة المحضون الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب، ثم خالة الأم، وتقدم التي لأب وأم، ثم إلى لأم، ثم التي لأب، فإن لم توجد عمة للأم، انتقلت الحضانة إلى أم الأب، ثم أم أمه، ثم أم أم أبيه، ثم أم أبي الأب. وتقدم الجدة القربى على البعدى.
فإن لم توجد جدة من جهة الأب انتقلت الحضانة إلى الأب، ثم إلى أخت المحضون الشقيقة، ثم التي لأم، ثم التي لأب.
فإن لم يوجد للمحضون أخت، أو وجدت ولم تكن أهلاً للحضانة، انتقلت الحضانة إلى عمة المحضون الشقيقة، ثم التي لأم، ثم التي لأب.
فإن لم توجد عمة المحضون انتقلت الحضانة إلى عمة أبيه، على أن تقدم الشقيقة، ثم التي لأم، ثم التي لأب.
فإن لم توجد عمة للأب، انتقلت الحضانة إلى خالة الأب، على أن تقدم الشقيقة، ثم التي لأم، ثم التي لأب.
وعلى هذا صيغت الفقرة (أ).
وبعد هؤلاء تكون الحضانة للوصي إذا كان المحضون ذكراً، فإن كان أنثى، وكان الوصي المختار رجلاً، فلا تثبت له الحضانة إذا كان غير محرم لها، ويقدم عليه من كان محرماً لها من أخ، أو عم، أو جد، ورجح ذلك الشيخ خليل في التوضيح، واعتمده ابن عبد السلام في “التسولي” في شرح التحفة، لفساد الزمن.
وبعد الوصي تنتقل الحضانة إلى أخي المحضون، على أن يقدم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأم، ثم الأخ لأب، فإن لم يكن له أخ، انتقلت الحضانة إلى الجد لأب، ثم إلى الجد لأم، ثم إلى ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأم، ثم ابن الأخ لأب، فإن لم يوجد ابن أخ، انتقلت الحضانة إلى العم الشقيق، ثم العم لأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأم، ثم ابن العم لأب إن كان من يستحق الحضانة غلاماً فإن كان أنثى لم يكن له الحق في الحضانة إذا كانت تطيق المسيس، سواء أكان ابن العم مأموناً عليها أم غير مأمون، لأنه ليس محرم لها.
وإذا تعدد المستحقون للحضانة، وكان في درجة واحدة، كالأخوات، والعمات الشقيقات، اختار القاضي منهم الأصلح للمحضون.
ومصدر هذه المادة فقه المالكية.
المادة 190
يشترط في مستحق الحضانة من النساء أو الرجال:
1 – البلوغ والعقل، لأن كلاً من الصغير والصغيرة، والمجنون والمجنونة، والمعتوه في حاجة إلى عناية الغير، لأنهم لا يحسنون القيام بشئون أنفسهم، فكيف يوكل إليهم القيام بشئون غيرهم؟.
2 – الأمانة بحفظ كل من الدين والمال، حسب المتبع من فقه المالكية.
3 – القدرة على تربية المحضون، وصيانته صحياً، وخلقياً، فإن كان بالمرأة أو الرجل مرض يعجزه عن القيام بالعناية بالمحضون، فلا حق لأحدهما في الحضانة، وكذا كبر السن الذي يمنع الحاضن من القيام بشئون الصغير، ولا يشترط إسلام الحاضنة أما كانت أو غيرها، لأن الحضانة مبناها على الشفقة، والحنان، ولا يؤثر فيهما اختلاف الدين، ما لم يتبين خطر على دين المحضون، بأن بدأت حاضنته تعلمه أمور دينها، وأصبح المحضون يعقل ذلك، واتضح أن فيه خطراً على دينه، فإنه في هذه المسألة يسقط حقها في الحضانة.
واشترطت الفقرة (ب) من المادة أن يكون الحاضن محرماً للأنثى، وعلى هذا لا يكون للرجل الحق في حضانة ابنة عمه، لعدم المحرمية بينهما، وإعطاؤه هذا الحق قد يؤدي إلى الفساد والفتنة، فدرءاً لهذا لا يثبت له حق الحضانة.
كما يشترط أن يكون عند الحاضن من يصلح للحضانة من النساء، كزوجة أو أم، أو خالة، أو عمة، لأن الرجل ليس له صبر على تربية الأطفال، كالنساء، فإن لم يكن عنده من يصلح من النساء، فلا حق له في الحضانة.
وهذا هو فقه المالكية، وبه أخذ المشروع.
المادة 191
المقرر في مذهب مالك أن زواج الحاضنة بغير محرم من المحضون ودخول الزوج بها يسقط حقها في الحضانة، إلا إذا علم الزوج بزواجها، وسكن عاماً، ولم يكن له عذر في السكوت، وتبتدئ السنة من تاريخ علمه، فلا تحسب المدة السابقة على العلم.
ولا يقل منه ادعاؤه عدم علمه بأن زواجها بغير محرم مسقط لحقه في الحضانة، لأن مثل ذلك مما لا يجهله أحد.
المادة 192
الحاضنة غير المسلمة كالمسلمة في حق إمساك ولدها، ما لم يعقل ديناً، أو يخاف أن يألف غير الإسلام، فإن كان يعقل الأديان، أو يخشى عليه أن تنشئه على غير الإسلام، فإنه ينزع منها، لأن في ذلك مصلحة المحضون.
وفي كل حال ينزع منها إذا بلغ السابعة من عمره، لأن ذلك سن التمييز في الأعم الأغلب.
ومصدر هذه المادة مذهب الحنفية، وهو الأصلح في هذا الزمن.
المادة 193
قررت هذه المادة أن حق الحضانة لا يسقط بالإسقاط، وإنما يمتنع بموانعه، ويعود بزوالها والمعروف في فقه المالكية أن المانع من استحقاق الحضانة إذا كان أمراً اضطرارياً، لا دخل للحاضنة فيه، فإن الحضانة تعود إليها بعد زوال المانع، وإن كان المانع أمراً اختيارياً فإن الحضانة لا تعود إليها بعد زوال المانع، فلو مرضت الحاضنة مرضاً يمنعها من الحضانة، أو سافرت لأداء فريضة الحج، ثم شفيت من مرضها، أو عادت من الحج، فإن الحضانة تعود إليها، لأن المانع كان أمراً ضرورياً.
أما لو تزوجت برجل أجنبي ودخل بها، وسقط حقها في الحضانة، ثم فارقها الزوج بطلاق أو وفاة، فإن الحضانة لا تعود إليها، لأن المانع كان باختيارها.
ويرى الحنفية والشافعية والحنابلة، أنه إذا أسقطت الحضانة لمانع، ثم زال المانع عادت الحضانة لصاحبها، سواء أكان المانع ضرورياً أم اختيارياً، ورئي الأخذ بهذا الرأي، مراعاة لمصلحة المحضون، ولأنه رأي الجمهور.
المادة 194
لم يرد في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية نص يحدد الوقت الذي تنتهي فيه الحضانة، ومن ثم اختلف الفقهاء:
فيرى الحنفية أن حضانة الصغير تنتهي بالنسبة للغلام عندما يستغني عن خدمة النساء، وقدرها “الخصاف” بسبع سنوات. وقدرها “الرازي” بتسع، والفتوى في المذهب الحنفي على الأول.
وأما البنت فإن حضانتها تنتهي عند بلوغ السن التي تشتهي فيها، وقدرت بتسع سنين.
ويرى الشافعية أن الولد ذكراً كان أو أنثى يبقى في حضانة النساء حتى يبلغ السابعة، وعندها يخير بين أبيه وأمه، أو بين من يحل محلهما.
ومذهب الحنابلة يتفق مع الحنفية في الراجح عندهم، وهو من السابعة للغلام وبعدها يخير بين أبويه، وهو الصحيح في المذهب، وبين التاسعة للبنت على الرأي المشهور، وبعدها يكون الأب أحق بها من غير تخيير لها.
أما المالكية فيرون أن الغلام يبقى عند أمه، أو من يحل محلها في الحضانة، حتى يبلغ، ثم يذهب بعد ذلك حيث يشاء.
والمشهور في مذهب مالك أن الغلام إذا بلغ مجنوناً، أو زمناً، سقطت حضانته عن الأم، واستمرت نفقته على الأب.
ويقابل هذا ما قاله ابن شعبان: “إن أمد الحضانة في الذكر حتى البلوغ، عاقلاً غير زمن”.
أما بالنسبة للبنت، فتبقى في حضانة أمها، أو ممن يحل محلها في الحضانة، حتى تتزوج، ويدخل بها زوجها، وعلى هذا لو عقد زواجها، ولم يدخل بها الزوج، بقيت حضانتها، وكذا لو طلقت قبل الدخول، استمرت حضانتها، ولم تسقط بالعقد عليها.
وقد جاء في “المدونة”: أن البنت تكون عند الأم، أو عند الجدة، أو عند الخالة، على حسب الأحوال، حتى تبلغ النكاح، ويخاف عليها، فإذا بلغت مبلغ النكاح، وخيف عليها، نظر، فإن كانت أمها في حرز، ومنعة، وتحصين، كانت أحق بها حتى تنكح، وإن بلغت محضونتها ثلاثين أو أربعين سنة، ما دامت بكراً، فإذا خيف على البنت في موضع الحاضنة من هؤلاء، ولم تكن في تحصين ومنعة، أو كانت غير مرضية في حالها، ضم الجارية أبوها إليه، أو أولياؤها، إن كان في الموضع الذي تضم إليه كفاية وحرز”.
ومن لغة المالكية صيغت هذه المادة، طرداً لما عليه العمل.
المادة 195
المقرر شرعاً أن لولي المحضون أن يتعهده، ويطلع على أحواله، ولا يتأتى له ذلك إذا سافرت به الحاضنة إلى دولة أخرى للإقامة فيها، فإن أرادت السفر فله نزع المحضون منها، والأمر كذلك بالنسبة للولي إذا أراد السفر بالمحضون للإقامة بدولة أخرى.
وعلى هذا جرى الحكم الوارد في المادة، آخذاً من مذهب الإمام مالك.
ومن البديهي أن لكل من الحاضنة والولي أن يسافر بالمحضون للتنزه وغيره، أو بإذن الآخر.
المادة 196
نظمت هذه المادة أحكام رؤية المحضون، فجعلتها حقاً لكل من الأبوين والأجداد فقط، وبينت أن الأصل في الرؤية أن تكون لدى من بيده الولد، وعند عدم الاتفاق على زمان ومكان الرؤية يعين القاضي موعداً دورياً، ومكاناً مناسباً، ويراعى في تحديد المكان أن يتمكن فيه بقية أهل الولد من رؤيته، أملاً في التعاطف والتآلف الأسري وصلة الأرحام، وحتى لا يبقى مجال لأي شوائب ترسب في نفسية المحضون.
المواد 197 – 199
جاء في الشرح الكبير للدردير في فقه المالكية:
“وللحاضنة أم أو غيرها قبض نفقته وكسوته، وغطائه، ووطائه، وجميع ما يحتاج له الطفل، وليس لأبي المحضون أن يقول لها ابعثيه، ليأكل عندي، ثم يعود لك، لما فيه من الضرر بالطفل والإخلال بصيانته، والضرر على الحاضنة للمشقة، وليس لها موافقة الأب على ذلك لضرر الطفل…”
“وأما السكنى، فمذهب المدونة الذي به الفتوى أنها على الأب للمحضون والحاضنة معاً، ولا اجتهاد فيه”.
فأجرة المسكن من النفقة الواجبة للصغير، آخذاً بالمشهور في الفقه المالكي، ولا يلزم الحاضنة منه شيء، إلا إذا كانت الحاضنة تملك مسكناً تقيم فيه، أو مخصصاً لسكناها فلا تستحق أجرة مسكن للمحضون.
وذكرت الفقرة (أ) من المادة 199 أن الحاضنة لا تستحق أجرة حضانة إذا كانت أماً، والزوجية قائمة بينها وبين أبي المحضون أو كانت معتدة له من طلاق رجعي أو بائن، لأن لها نفقة الزوجية، أو نفقة العدة، فلا تجمع بين نفقتين، لما في أجرة الحضانة من شبه بالنفقة، وإنما تستحقها بعد انقضاء عدتها.
ومصدر هذه المادة مذهب الحنفية، لأن المالكية يرون أن الحاضنة أماً كانت أو غير أم لا تستحق أجرة حضانة، سواء أكانت زوجة أم مطلقة. فقد روي عن “أشهب” قوله: أن الأب لا يكلف مع النفقة على الولد النفقة على الجدة والأم، ولا أجر حضانتها، وإنما عليه نفقة الولد خاصة.
وإذا كانت الحاضنة غير الأم، فلها أجرة الحضانة، ما لم تتبرع بذلك.
كما وضحت الفقرة (أ) أن الحاضنة لا تستحق أجرة حضانة في أثناء مدة المتعة المحكوم بها للحاضنة على أبي الصغير.
وبينت الفقرة (ب) أن الحاضنة تستحق أجرة حضانة حتى بلوغ الصغير السن التي يستغني عندها عن خدمة النساء، وهي سبع سنوات للصغير، وتسع سنوات للصغيرة، لأن الحضانة عمل من الأعمال، فتستحق من يقوم بها أجراً في مقابلها، ومن القواعد المقررة شرعاً، أن من عمل عملاً لغيره، كانت أجرته واجبة على ذلك الغير، ما لم يكن متبرعاً.
ولا تستحق الحاضنة أجرة حضانة بعد هذه السن، لأن المحضون بعدها يقوم بكثير من شئونه، وله أوقات للتسليم أو العمل، فمهمة النساء فيها أقرب إلى الإشراف والعناية منها إلى الحضانة.
الباب السادس
نفقة الأقارب
المادة 200
اتفق الفقهاء على مبدأ وجوب النفقة للقريب على قريبه، ولكنهم اختلفوا في تحديد القرابة الموجبة للإنفاق.
فيرى المالكية والشافعية أن نفقة الأقارب لا تجب إلا بين الأقارب في عمود النسب. وإن اختلفوا في هذا الخصوص أيضاً، فالمالكية يرون أنها تجب على الولد ذكراً أو أنثى لأبيه وأمه الأدنين، وتجب على الأب لولده ذكراً أو أنثى، ولا تجب على الأم نفقة ولدها، ولا تجب لغير من ذكر من الأقارب.
والشافعية يرون أن النفقة تجب على الأصول لفروعهم، وعلى الفروع لأصولهم من غير تقييد بدرجة، لأن الأصول آباء، والفروع أولاد.
وذهب الحنفية إلى أن النفقة تجب على كل ذي رحم محرم لذي رحمة، أما القريب غير المحرم، فلا تجب النفقة عليه.
وقال الحنابلة: أن النفقة تجب على الأصول لفروعهم، وعلى الفروع لأصولهم، كما تجب على سائر الأقارب، لكن بشرط أن يكونوا وارثين.
ورئي الأخذ بمذهب الشافعية بأنه لا نفقة للأقارب سوى الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، تقديراً لقوة القرابة.
المادة 201
إذا كان الأصل فقيراً سواء كان أباً، أو أماً، أو جداً، أو جدة، من جهة الأب، أو من جهة الأم، وله ولد موسر ذكراً أو أنثى، تجب نفقته عليه، من مأكل، ومشرب، وملبس، وسكنى، وعلاج، ويدخل في هذا نفقة الخادم إن احتيج إليه، بأن يكون الأصل مريضاً، أو شيخاً كبيراً، أو ما شابه ذلك، وكذلك نفقة زوجة الأب غير الأم، إن كان في حاجة إليها، فإنها تجب على الفرع.
جاء في نهاية المحتاج: أنه يجب على الفرع نفقة زوجة الأصل إن وجب إعفافه، وإن احتاج الأصل إلى الزواج، أما نفقة الأم فواجبة على كل حال.
ولا يشترط عجز الأصل عن الكسب، فإنه ما دام محتاجاً، ولو كان قادراً على الكسب، وجبت نفقته على الفرع، وهذا مذهب الحنفية، لأن في حمل الأب على الكسب مع غنى الفرع إيذاء له، والله أمرنا بالإحسان إلى الوالدين، وعدم إيذائهما، ولأن الإسلام جعل مال الولد لأبيه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: “أنت ومالك لأبيك”.
وعند تعدد الأولاد يجب عليهم نفقة الأصل بحسب يسارهم على قول في المذهب الحنفي، والمشهور للمالكية.
المادتان 202، 203
إذا كان الولد فقيراً، صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، فن��قته واجبة على أبيه الموسر وإن علا.
ويشترط في الفرع أن يكون عاجزاً عن الكسب، لأنه إذا كان قادراً على الكسب كان مستغنياً بكسبه، ولم يكن في حال ضرورة يتعرض فيها للهلاك إن لم ينفق على أصله.
والعجز عن الكسب يكون بالصغر، وبالأنوثة، لأن الأصل في الأنثى عدم تعرضها لعناء العمل، وليس للأب أن يدفعها إليه، إلا إذا كانت تكتسب بالفعل من وظيفة، أو من حرفة، كخياطة ونحوها، فإنها تكون مستغنية بكسبها، وعليها نفقة نفسها، فإذا لم تكن لا كسب لها، أو لا يكفيها كسبها، تكون نفقتها واجبة على أبيها، أو من يليه من أصولها، حتى تتزوج، فتكون نفقتها على زوجها، فإن طلقت، وانقضت عدتها، واحتاجت، عادت نفقتها على أبيها، أو من يليه في الإنفاق عليها، كما يعد عاجزاً عن الكسب “المقعد” الذي لا يستطيع العمل، والأمي الذي لا يحسن صناعة، وطلبة العلم الذين يشغلهم تحصيل العلم عن الكسب، بشرط أن يكون طالب العلم ناجحاً في حياته التعليمية، فإن كان لاهياً عن طلب العلم فعليه أن يسعى وراء رزقه، ويتكسب لينفق على نفسه، ولا يكون كلاً على غيره. وتستمر النفقة على الولد الفقير العاجز حتى يستغني بكسب أو بمال.
وإذا كان الأب معسراً، وقادراً على الكسب، ولكن لم ييسر له عمل يكتسب منه، أو يسر له عمل يكتسب منه مالاً يفي بحاجته، وحاجة من تجب عليه نفقتهم من أولاده، ففي هذه الحال تجب عليه النفقة لأولاده، ولكن لا يؤمر بأدائها، بل تؤمر الأم بأدائها، إذا كانت موسرة، ويكون ما تؤديه الأم ديناً لها ترجع به على أبيهم إذا أيسر، وكذا إذا كان الأب غائباً، ولا يمكن استيفاء النفقة منه.
وإذا كان الأب فقيراً، وعاجزاً عن الكسب لمرض أو كبر سن، أو أي عاهة تعجزه عن الكسب، فيعتبر كالمعدوم، وتجب النفقة على من عداه من أقارب الأولاد عند أبيهم.
وإذا كان الأب والأم معسرين وجبت النفقة على من تجب عليه عند عدم الأبوين، ويكون ذلك ديناً على الأب يطالب به إذا أيسر.
ومصدر هاتين المادتين مذهب الحنفية.
المادة 204
إذا تعدد المستحقون للنفقة، ولم يكن في يسار من تجب عليه النفقة ما يكفي جميعهم، فإنه يقدم في الإعطاء زوجته أو زوجاته، لأن نفقة الزوجة معاوضة، بخلاف غيرها من الأقارب، فمواساة وصلة، ثم الولد الصغير، ثم الولد الكبير الزمن، ثم غير الزمن، ثم الأم، ثم الأب، ثم يكون سواهم سواء، يقسم عليهم ما يستطيعه المكلف بالنفقة، وفي هذا اتباع للعدل.
والأصل في ذلك ما روى أن رجلاً جاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله: عندي دينار، فقال له عليه الصلاة والسلام: تصدق به على نفسك، فقال الرجل: عندي ديناراً آخر، فقال له الرسول: تصدق به على زوجتك، فقال الرجل: عندي دينار آخر، فقال له الرسول: تصدق به على ولدك – وفي رواية أخرى تقديم الولد على الزوجة – فقال الرجل: عندي دينار آخر فقال له الرسول: تصدق به على خادمك، فقال الرجل: عندي دينار آخر، فقال له الرسول: أنت أبصر به”.
وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء فلذوي قرابتك، فإن فضل شيء عن ذوي قرابتك، فهكذا وهكذا “أي وزعه في الناس كيف شئت”.
المادة 205
روعي في حكم هذه المادة ما جرى عليه عمل المحاكم في الكويت، وما أجمعت عليه قوانين الأحوال الشخصية السائدة في البلاد العربية، وإذا كان للمذهب الحنفي خلاف في إسناد الحكم إلى يوم صدوره فقط، فإنه في تعليلهم، لاستثناء المدة إذا كانت أقل من الشهر، قالوا: إن القاضي يجب أن يمكن من إصدار حكمه، وهذه المدة تكفي لصدور حكم القاضي.
ومغزى هذا التعليل أن طالب النفقة لا يضار بالعراقيل التي تعطل حقه في النفقة من يوم طلبها، ولا بما استحدث من إجراءات في نظام المرافعات تؤخر الفصل في دعواه، فوجب أن يحفظ حقه من تاريخ رفع الدعوى، أو التراضي عليها، وتعتبر ديناً في ذمة من وجبت عليه لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
المادة 206
مؤدى هذه المادة عدم جريان التقاص بين نفقة الولد الواجبة على أبيه، وبين دين الأب على الأم الحاضنة، إن كان له دين عليها، صيانة لحياة الولد، وخشية عليه من الضرر، فالمستحق لهذه النفقة هو الولد لا الأم، فلذلك لم يشترط إعسارها لمنع المقاصة في نفقة الولد، بل يمتنع التقاص الجبري إذا طلبه الأب بالنفقة على الولد، ويلاحق الأم في أموالها بدينه عليها.
ومن المقرر شرعاً أن إحياء المهج مقدم على المال، وأمثلة ذلك كثيرة في مواطن فقهية عديدة.
ونصت المادة 207 على أن يسري على نفقة الأقارب حكم المادة 79 من هذا القانون.
الباب السابع
الولاية على النفس
المواد 208 – 212
الانسان قبل استكمال أهليته يسمى قاصراً، سواء أكان فاقداً هذه الأهلية كلها أم كان ناقصها، كما في المرحلة بين التمييز والرشد.
وعلى القاصر من حين ولادته إلى بلوغه ثلاث ولايات:
الأولى: ولاية حضانته، وقد سبق الكلام عنها.
والثانية: ولاية المحافظة على نفسه وصيانته، إلى بلوغه غير مقيد. والبلوغ الشرعي يكون بظهور العلامات الطبيعية المعروفة، فمتى ظهرت كان بالغاً، دون التقيد بسن معينة، فإذا تأخر ظهورها اعتبر بالغاً حكماً بتمام الخامسة عشرة من العمر، سواء في الذكور أو الإناث.
والثالثة: الولاية المالية، وتثبت على الصغار، والمجانين، والمعاتيه، وذوي الغفلة، والسفهاء.
والقاصر في جميع الأحوال محتاج إلى من يقوم على شئونه، ولذلك وجب شرعاً تعيين من يتولى أمره في نفسه أو ماله.
والولاية عليه نوعان:
ولاية على النفس، وولاية على المال.
ونقتصر هنا على الولاية على النفس وهي تتعلق بشخص القاصر ونفسه، كالتزويج، والتعليم، والتطبيب، والعمل، وهي ذات ارتباط وثيق بالأسرة، وعمادها أن يكون الولي حريصاً، قادراً على رعاية القاصر، وصيانة حقوقه، ولذا كان الأصل في الولاية أن يتولاها من الأسرة أقرب الناس نسبياً إلى القاصر، كابن الصغير، وابن المجنون، والأب رب الأسرة، فهو عادة أحرص الناس على مصلحة أولاده، ومستقبلهم، ويليه الجد العاصب ولذا جعل الشارع الولاية أولاً للأب، ثم للجد العاصب، وعند عدم وجودهما تكون الولاية للعاصب بنفسه حسب ترتيب الإرث بشرط أن يكون محرماً، وعند التساوي في الدرجة والقوة تختار المحكمة من تراه منهم، فإن لم يوجد أحد من هؤلاء عينت المحكمة من تراه من غيرهم.
ومن البدهي أنه إذا اختلفت الحاضنة وولى المحضون في غير ما يتعلق بخدمته، فالأمر للولي، كما في توجيهه إلى حرفة، أو نوع معين من التعليم.
وإذا كانت مهمة الولي العمل على مصلحة الصغير في نفسه وماله، فيشترط أن يكون أهلاً لذلك، بأن يكون بالغاً، عاقلاً، أميناً، متحداً معه في الدين، قادراً على حماية مصالحه.
فإذا فقد الولي شرطاً من الشروط المذكورة، قامت الصلاحية، فتسلب ولايته، ويكون ذلك بحكم تصدره المحكمة بناء على طلب من تهمه مصلحة القاصر.
وإذا لم يكن الأب أو الجد موجوداً، ولم يعين ولي على القاصر، أو سلبت الولاية من الولي، تعهد المحكمة بوضع القاصر في يد أمين، أو جهة خيرية، حتى تعين ولياً عليه.
القسم الثاني
الوصية
الباب الأول
أحكام عامة
الفصل الأول
تعريف الوصية، وركنها، وشرائطها
المواد 213 – 225
قد عرفت الوصية في المادة 213، بأنها تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت. وهذا التعريف أشمل، وأضبط مما عرفها الفقهاء الأقدمون، فقد عرفها بعضهم بأنها تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، وبعضهم بأنها اسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد الموت، وهذان التعريفان لا يشملان بعض الوصايا، كالوصية بتقسيم التركة بين الورثة. لكن تعريف القانون يشمل كل الوصايا، فهو يشمل التمليكات، والإسقاطات، وتقرير مرتبات، ويشمل تقسيم التركة بين ورثة المتوفي، ويشمل الوصية بالمنافع دون الأعيان.
وركن الوصية قد ذكر في الفقرة الأولى من المادة 214، وهو أنها تنعقد بالعبارة أو بالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزاً عنهما، انعقدت الوصية بإشارته المفهمة.
والمقرر عند الحنفية أن التصرف ينشأ بالعبارة إن كان المتصرف قادراً عليها، ولا تغني الكتابة عن العبارة إلا إذا كان العقد بالمراسلة، إذ المشافهة غير ممكنة في هذه الحال، فتقوم الكتابة مقامها، وهذا لأن الأصل في الدلالات أن تكون بالألفاظ، فلا تنتقل إلى غيرها إلا عند العجز، فإذا كان الموصي عاجزاً عن العبارة كالأخرس ومن اعتقل لسانه، قامت الإشارة المفهمة أو الكتابة مقام اللفظ، وإذا كان لا يستطيع النطق، ولا يعرف الكتابة ففي المذهب رأيان، أحدهما أنه لا يجوز العقد بالإشارة والثاني أنه تكفي الإشارة.
وقد جرى القانون على غير مذهب الحنفية، إذ سوى بين انعقاد الوصية بالعبارة والكتابة، ولم يجعل جواز الإنشاء بالكتابة عند عدم إمكان العبارة، بل جعل انعقاد الوصية بالعبارة والكتابة، ولم يجعل جواز الإنشاء بالكتابة عند عدم إمكان العبارة، بل جعل انعقاد الوصية بالإشارة عند العجز عن العبارة أو الكتابة، وفي رواية جواز إنشائها بالكتابة، ثم قراءتها عليه، وهذا يتفق مع مذهب الإمام مالك، وقول في مذهب الإمام أحمد.
وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 214 على أنه لا تسمع عند الإنكار في الحوادث الواقعة من تاريخ العمل بهذا القانون دعوى الوصية أو الرجوع القولي عنها بعد وفاة الموصي إلا إذا وجدت أوراق رسمية، أو مكتوبة جميعها بخط المتوفي، وعليها إمضاؤه، تدل على ما ذكر، أو كانت ورقة الوصية أو الرجوع عنها مصدقاً على توقيع الموصي عليها، ويجوز في حالة الضرورة إثبات الوصية اللفظية بشهادة شاهدين عدلين حضراها.
والمطبق في دولة الكويت في الأحوال الشخصية، ومنها الوصية هو أحكام مذهب الإمام مالك، التي تقضي بجواز إثبات الوصية بأي دليل شرعي، كالبينة الشرعية وغيرها.
ولكن الفقرة السابقة اشترطت لسماع دعوى الوصية، أو الرجوع القولي عنها بعد وفاة الموصي في غير حالة الضرورة توافر إحدى الحالات الآتية:
أ – أن تكون الوصية أو الرجوع عنها ثابتة بأوراق رسمية.
ب – أو أن تكون الوصية أو الرجوع عنها مكتوبة كلها أو كله بخط المتوفي، وعليها إمضاؤه كذلك تدل على ما ذكر.
ج – وأن تكون ورقة الوصية أو الرجوع عنها مصدقاً على توقيع الموصي عليها، وفي حالة الضرورة يجوز إثبات الوصية اللفظية بشهادة شاهدين حضراها.
والذي دعا إلى عدم سماع الدعوى بالوصية أو الرجوع عنها في غير الأحوال المذكورة هو أن اتباعه أدعى إلى الاطمئنان، فقد ضعف الوازع الديني، ونشأ عن ذلك أن كثرت دعاوى الوصايا الباطلة بعد وفاة الموصي، وقد حال الموت بينه وبين أن يقر الوصية أو ينكرها، والورثة قد لا يعلمون الحقيقة، ومن السهل إثبات الوصية بشهادات مزورة، ملفقة.
فقطعاً للادعاءات المزورة، والوصايا الباطلة، رئي النص على ألا تسمع إلا الدعاوي السابقة، وهذا لا يجافي الشريعة، ولا يخرج عنها.
فقد ذهب الحنابلة إلى أن الوصية سنة، أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده”.
ومن حق ولي الأمر أن يخصص القضاء بالزمان، والمكان، والحادثة. وفي النص على عدم سماع الدعاوي في غير الحالات المذكورة حث للناس على توثيق وصاياهم رسمياً، وأن تكون كتابتها جميعاً بخطهم، وإمضائهم إياها، أو التصديق على توقيعهم عليها، وليس في ذلك تكليف الناس بما يشق عليهم، فقد توافرت الوسائل، وكثر وعي الناس.
وهذا كله عند إنكار الوصية.
أما عند الإقرار بها فتسمع في غير الحالات المذكورة، وكل هذا في الحالات العادية. أما في حالة الضرورة، كأن يكون الموصي في سفر، وأوصى فيجوز في مثل هذه الحالة إثبات الوصية بشهادة شاهدين عدلين، حضرا الموصي، وهو يوصي، فلا تقبل شهادة من لم يحضرها، وكل هذا بعد تاريخ العمل بهذا القانون. وسيأتي بيان معنى الرجوع القولي وغيره في المادة (228).
المادة 215
موضوع هذه المادة هو الشرط في الباعث على الوصية: إذ الشروط في الوصية أنواع. منها ما يرجع إلى الباعث عليها، ومنها ما يرجع إلى صيغتها، ومنها ما يرجع إلى الموصي، ومنها ما يرجع إلى الموصى له، ومنها ما يرجع إلى الموصي به، وهذا كله في الوصية الاختيارية لا الواجبة.
فما يرجع إلى الباعث عليها قد أوردته المادة – والمراد بالباعث السبب الذي دعا الموصي ودفعه إلى إصدار وصيته – فإذا ما صدرت الوصية وجب البحث عن العوامل التي دفعت الموصي إلى الإيصاء بما أوصى به، وذلك بالنظر فيما اشترطه، وفيما صاحب الوصية من ظروف وملابسات، فإذا تبين من ذلك أن السبب الذي دفعه إلى الإيصاء غير مشروع ومناف لمقاصد الشرع، ولم يكن يقصد بوصيته خيراً، ولا مصلحة مشروعة، كانت الوصية باطلة.
والمراد بالباعث المنافي لمقاصد الشارع ما يجعل الوصية محرمة أو مكروهة تحريماً.
والوصية التي وضعت للمعصية هي الوصية بأمر محرم نصاً، كالوصية لأندية القمار أو لمرقص.
والوصية التي ليست في ذاتها محرمة، بل هي تمليك مباح، ولكن الباعث عليها أمر محرم، كالوصية لخليلته، ليضمن أن تستمر معه على الحال المحرمة بينهما، وكالوصية لأهل الفسوق، ليستعينوا على فسقهم، وإلى بطلان الوصية بالمعصية ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الظاهر، والشيعة الجعفرية، والزيدية، فبطلان الوصية بالمعصية محل اتفاق بين المذاهب.
وقد جرى القانون على أن الوصية تبطل إن كانت بمحرم أو بمكروه تحريماً، كما هو مذهب الحنفية – والمكروه تحريماً يعد من المحرم عند غير الحنفية – ولكن الحنفية لا يجعلونه من المحرم، ولكن يعطونه حكمه. فالوصية بمال يشترى به خمر، أو بألف دينار ليشتري به كفن، أو بمال تبنى به قبة على قبره، أو ليبنى به مسجد حول قبره باطلة، لأنها بمحرم، أو مكروه تحريماً – والمكروه تنزيهاً لا تبطل به الوصية.
والمادة بصيغتها المذكورة تشمل وصية الضرار، وتفيد أنها باطلة – وجمهور الفقهاء على أن الوصية إذا كانت بالثلث، أو بأقل منه، وكانت لغير وارث لم تكن من وصية الضرار، فلا تبطل مهما كان قصد الموصي، سواء أكانت بقليل ماله أم بكثيره، تضرر بذلك ورثته أم لا، وإن من الفقهاء من خالف ذلك، وجعل الوصية وصية ضرار إذا قصد بها الموصى الإضرار بورثته، وإن كانت بأقل، من الثلث أو لأجنبي، وإن المدار في ذلك على قصد المورث الإضرار، فإذا لم يقصد ذلك لم تكن وصية ضرار.
هذا هو الحكم في وصية المسلم.
أما وصية غير المسلم فقد نصت الفقرة الأخيرة من المادة على أنها تكون صحيحة إلا إذا كانت محرمة في الشريعة الإسلامية، والوصايا التي تصدر من غير المسلم قد تكون قربة في شريعته وفي الإسلام، كالوصية بإسراج بيت المقدس، أو لفقراء المسلمين، فإن الوصية للفقراء قربة في كل الأديان، وقد تكون الوصية بمحرم في شريعة الموصي وفي الإسلام، كالوصية للمغنيات والنائحات، والوصية بذلك باطلة، لأنها معصية في كل الشرائع، وقد تكون الوصية بما هو قربة عندهم، وليس قربة في الإسلام، وهذه القربة قد تكون محرمة في الشريعة الإسلامية، وقد لا تكون، فالوصية بمبلغ يصرف على من يدعون للدين المسيحي، وارتداد المسلمين قربة عند غير المسلمين، لكنها محرمة في الإسلام، فلا يصح العمل بها، ومثل هذه الوصية باطلة لمخالفتها للشريعة الإسلامية.
الوصية المضافة، أو المعلقة بالشرط، أو المقترنة به:
بينت المادة 216 حكم هذه الوصايا فذكرت أنها صحيحة، سواء أكان الشرط صحيحاً أم غير صحيح، مع مراعاة ما نصت عليه المادة 213 من عدم صحة الوصية بالمعصية، أو التي يكون الباعث عليها منافياً لمقاصد الشريعة.
ومن المقرر أن الصيغة المنشئة للعقود والتصرفات إما منجزة، أو معلقة، أو مضافة.
فالمنجزة هي ما تدل على إنشاء العقد ووجوده في الحال كالبيع والشراء.
والمضافة إلى المستقبل هي ما تدل على إنشاء العقد في الحال، ولكن تؤخر أحكامه إلى زمن مستقبل، كإجارة تعقد في الحال على أن تنفذ بعد شهرين.
والمعلقة ما تدل على ترتيب وجود العقد على وجود أمر غير مستحيل الوقوع في المستقبل.
ومن الواضح أن الوصية لا تنعقد بصيغة منجزة، لأن آثارها تتأخر إلى ما بعد الموت، فلا تصح إلا مضافة إلى المستقبل، أو معلقة.
وقد أجاز القانون أن تكون صيغة الوصية مقترنة، بشروط، وأوجب اعتبار بعضها، وألغى بعضاً، فأوجب اعتبار الشرط الصحيح، وهو ما كان فيه مصلحة للموصي أو الموصى له أو غيرهما، ولم يكن منهياً عنه، ولا منافياً لمقاصد الشريعة، وألغى اعتبار الشرط غير الصحيح.
ومثال الشرط الذي فيه مصلحة للموصي أن يبدأ في تنفيذ الوصايا بما فاته من زكاة أو حج، ومثل الذي فيه مصلحة للموصى له، أن يبدأ من الوصية بسداد دينه، ومثل الذي فيه مصلحة لغيرهما، أن يوصي بنفقة دار لجهة من الجهات على أن يكون من حق من لا يجد سكناً من ذريته، أن يسكن فيها.
ومثال الشروط المنهي عنها أن يشترط في تنفيذ وصايا تخصيص قدر معين من المال، ليكون أجرة للنائحات، أو المغنيات.
ومثال الشرط المنافي لمقاصد الشرع أن يوصي لشخص، ما دام عزباً. ومقتضى المادة أن الشروط الباطلة لا تؤثر في صحة الوصية لمعصية، فيبطل كما سبق، فإن لم تتمحض للمعصية وقرنت بشرط غير صحيح بطل الشرط، وصحت الوصية.
والشرط الصحيح يراعى ما دامت المصلحة فيه قائمة، بمعنى أنه يحقق مصلحة للموصى له، فإذا أوصى شخص لفقراء بمبلغ ينفق في كسوتهم، وكانت مصلحتهم في ذلك، وصرف فيها، فإن كانت مصلحتهم في أخذ نقود أو طعام، أعطوا النقود أو الطعام، فالمناط هو المصلحة.
المادة 217
المراد بمن هو أهل للتبرع البالغ العاقل الرشيد، غير المحجور عليه لسفه أو غفلة، وبناء على ذلك لا تصح وصية الصبي الذي لا يميز ولا وصية المجنون، أو المعتوه والمغمى عليه، وهذا محل اتفاق بين جميع الأئمة، إذ ليس لهؤلاء إرادة، ولا عبارة معتبرة، فتكون وصيتهم باطلة باتفاق.
وكذلك لا تصح وصية السكران، إذا أوصى حال سكره، لأنه وهو كذلك غير عاقل، ولا إرادة له، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، والشيعة الجعفرية، وذهب الحنفية إلى صحة وصية السكران، زجراً له واعتبار – لقصده. إذ أقدم على السكر وهو يعلم أنه قد يأتي من الالتزامات مالا يقصده، وذلك عندهم إذا سكر بمحرم، أما إذا سكر بغير محرم، كأن شرب المسكر للتداوي فوصيته باطلة، لانعدام إرادته، وهذا ما ذهب إليه الشافعية أيضاً.
وطبقاً لما اشترطته المادة من أن يكون الموصي أهلاً للتبرع، فإن وصية المكره، والهازل، والمخطىء غير صحيحة، وهو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة، والزيدية، والشيعة الجعفرية.
أما وصية المحجور عليه لسفه أو غفلة، ووصية من بلغ ثماني عشرة سنة فإنها باطلة ألا إذا أذنت بها المحكمة المختصة قبل حصولها، أو أجازتها بعد حصولها، ذلك أن سن الرشد حسب القانون رقم 4 لسنة 1974 هو إحدى وعشرون سنة ميلادية، وإذا طرأ الجنون على الموصي بعد الوصية، فإن كان جنوناً مطبقاً، وهو الذي لا تحصل منه إفاقة قبل الموت، واستمر حتى الموت بطلت الوصية، طبقاً لمذهب الحنفية، وإن كان غير مطبق فلا تبطل، وهو مذهب المالكية والحنابلة.
أما وصية المرتد فموضع خلاف بين الأئمة، فعند صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد أن وصية المرتد والمرتدة جائزة، وقال أبو حنيفة: أن وصية المرتدة جائزة، لأنها لا تقتل، ووصية المرتد باطلة إن مات. على ردته. وعند المالكية، والشافعية، واحد القولين عن أبي حنيفة أن وصية المرتد والمرتدة موقوفة، فإن ماتا على الردة بطلت. وإن عادا إلى الإسلام. صحت ولعل هذا الرأي هو اعدل الآراء.
المواد 218 – 221
أورد القانون شروط الموصى له، وما يتصل بها في المواد 218 – 221، وذلك بالإضافة إلى ماسبق في المادة 215.
وقد جاء في المادة 218 أنه يشترط في الموصى له شرطان:
الأول: أن يكون معلوماً.
الثاني: أن يكون موجوداً عند الوصية إن كان معيناً، فإن لم يكن معيناً لم يشترط فيه أن يكون موجوداً عند الوصية، ولا وقت موت الموصى.
وذكرت المادة (219) أن الوصية للمساجد والمؤسسات الخيرية وغيرها من جهات البر، والمؤسسات العلمية، والمصالح العامة صحيحة، وتصرف على عمارتها، ومصالحها، وفقرائها، وغير ذلك من شئونها، مالم يتعين مصرف الوصية لها بعرف أو دلالة، كما تصح الوصية لله تعالى بدون ذكر جهة معينة، ولأعمال البر بدون تعيين جهة منها، وتصرف حينئذ في وجوه الخير.
وذكر في المادة (220) أن الوصية لجهة معينة من جهات البر غير موجودة، ولكنها ستوجد مستقبلاً صحيحة، فإن تعذر وجودها، صرفت الوصية إلى أقرب مجانس لتلك الجهة، طبقاً لمذهب الحنابلة.
وذكرت المادة (221) أن الوصية تصح مع اختلاف الدين، والملة، ومع اختلاف الدارين، ما لم يكن الموصى تابعاً لبلد إسلامي، والموصى له غير مسلم تابع لبلد غير إسلامي، تمنع شريعته من الوصية لمثل الموصى.
واشترط أن يكون الموصى له معلوماً، وموجوداً عند الوصية، إن كان معيناً محل اتفاق بين المذاهب، وتعيين الموصى له قد يكون بالإشارة إليه، وفي هذه الحالة لا يتصور إلا أن يكون موجوداً عند الوصية، وقد يكون بذكر اسمه، سواء أكان واحداً أم متعدداً، وقد يكون بذكر صفة مختصة به تدل عليه شخصياً، لدلالة اسمه عليه، وذلك كأن يوصي شخص لحمل فلانة، أو لحمل هذه المرأة؛ أو لأكبر أولاد فلان سناً، أو لأول ولد يولد لفلان، أو نحو ذلك من الأوصاف، ففي هذه الأحوال كلها يشترط القانون أن يكون الموصى له موجوداً عند الوصية، مع ملاحظة استثناء جهات البر، إذا أوصى إلى جهة معينة منها.
وصحة الوصية للمنشآت الخيرية المعينة غير الموجودة هو مذهبا الحنابلة، والمالكية.
وعند المالكية، لا يشترط في الحمل الموصى له أن يكون موجوداً عند الوصية. وتصح الوصية بالمرتبات لغير الموجودين، وذلك استثناء مما اشترطته المادة 218.
المواد 222 – 225
ذكر القانون شروط الموصى به، وما يتصل بها في هذه المواد فذكر في المادة 222 أنه يشترط في الموصى به ثلاثة شروط:
(1) أن يكون مما يجري فيه الإرث، أو يصح أن يكون محلاً للتعاقد حال حياة الموصى.
(2) أن يكون متقوماً عند الموصى ان كان مالاً.
(3) أن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصى إن كان معيناً بالذات.
والذي يجري فيه الإرث، هو المال المملوك سواء أكان عقاراً أم منقولاً، أو أن يكون حقاً من الحقوق التي تنتقل بالإرث، كالديون الثابتة في ذمة المدينين، فإنها تنتقل، بوفاة الدائن إلى وارثه سواء أعدت أموالاً، أم حقاً من الحقوق المالية، ويتناول كذلك حقوق الارتفاق، وهي حقوق المرور والشرب�� والتعلي، وحق المسيل، ل��نها كلها حقوق مالية تنتقل بالإرث، فكل ما ذكر محل للإيصاء، فتصح الوصية بالعقار، وبالمنقول، سواء أكان تحت يد الموصى، أم تحت يد نائبه، كيد المستأجر، والوديع، والمستعير، كذلك تصح الوصية، ولو كان الموصى به في يد الغاصب، وتصح الوصية بالدين، سواء أكانت الوصية للمدين أم لغيره، وتصح بالبناء والغراس، ولو في أرض الغير، وهناك حقوق لازمة لمحالها، لا تنفك عنها، فتنتقل إلى الورثة، مع محالها وتبعاً لها، فلا تنفك عن محالها إلا بالتنازل عنها، وذلك، كحق الشفعة، وحق الخيار، لسبب العيب، أو لسبب فوات وصف مشترط، فمثل هذه الحقوق لا يتصور الإيصاء بها إلى غير من تنتقل إليه بالوراثة.
ومما يكون محلاً للتعاقد حال حياة الموصى هو ما ليس مالاً، وذلك كالمنفعة فإنها لا تورث، ولكنها تصلح لأن تكون محلاً لتعاقد الموصى حال حياته، فيملكها بعقد الاجارة، وبعقد الإعارة، وبالوقف، وكذلك حق تأجيل الدين، فإنه وان انتقل إلى الوارث بأجله، لكنه يصلح لأن يكون محلاً لالتزام الدائن، وعقده، فيؤجل للمدين الدين ويلزمه الأجل. وعلى ذلك تصح الوصية بتأجيل الدين، والبراءة منه، والوصية بالبراءة من الكفالة.
وقد اشترطت المادة في الموصى به أن يكون متقوماً عند الموصى إن كان مالاً، أي أن يكون متقوماً في شريعة الموصى والموصى له إذا كان مالاً، لأن وصف التقوم إنما يكون في الأموال لا في غيرها.
والمتقوم هو ما كان له قيمة عند الاعتداء عليه، وذلك لا يكون إلا في الأموال المملوكة، لأن الأموال المملوكة منها ما هو متقوم، ومنها ما هو غير متقوم، فالخمر مال، ولكنه غير متقوم في شريعة الإسلام.
وبناء على ذلك فلا يصح لمسلم، أن يوصي بخمر ولو لذمي.
والمنافع في عرف القانون من الأموال، فيجب لصحة الوصية بها أن تكون متقومة في شريعة الموصي، بناء على الشرط المذكور، فتصح الوصية بسكنى دار، لأنها منفعة متقومة يستعاض عنها بالمال في عقد الإجارة، ولا تصح الوصية بمثل الاستظلال بظلال جدار لأنها منفعة غير متقومة.
والشرط الثالث: أن يكون الموصى به موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات أو بالشخص. كالوصية بهذه الدار لفلان، أو بهذه الغنم، أو بالغنم التي املكها الآن، مثلاً. وهذا الشرط محل اتفاق بين الفقهاء.
أما إذا كان الموصى به غير معين بالشخصية ولا بالذات، فلا يشترط وجوده عند الوصية، وإنما يشترط وجوده عند الوفاة، فإذا قال شخص: أوصيت لفلان بكتبي وليس له كتب عند الوصية، صحت وصيته إذا توفي عن كتب. فإذا توفي وليس عنده كتب كانت وصيته باطلة. واشترط أن يكون الموصى به وقت الإيصاء ملكاً للموصي إذا كان معيناً هو مذهب الأئمة جميعاً.
وإذا كان الموصى به جزءاً شائعاً في مال معين، فإن وجوده في ملك الموصي شرط عند وجود الوصية – ولكن هناك مسألة قرروا فيها صحة الوصية مع عدم وجود الموصى به وقت الوصية، ولا وقت الوفاة، وذلك إذا ما أوصى بغلة بستانه، فإذا مات وليس في بستانه غلة صحت الوصية، وتكون له الغلات المستقبلة، ما دام حياً، وإذا كانت في البستان غلة وقت الوفاة، كانت الوصية في الغلة القائمة، وفي الغلات المستقبلة، ما دام حياً، لأن الوصية بالغلة من قبيل الوصية بالمنافع، وهي تجوز الوصية بها، وإن كانت تتجدد بعد وفاة الموصي، ولأن الغلة اسم للموجود وقت الوفاة، وما يوجد مستقبلاً، وكذلك الحكم فيما لو أوصى بثمرة بستانه، وذلك طبقاً لمذهب الشافعية الذين لا يفرقون بين الوصية بالغلة والثمرة، على خلاف مذهب الحنفية الذين يفرقون بينهما.
وما جاء في المادة 223 هو تفصيل لما ذكر في المادة 222 إذ الخلو من الحقوق التي تنتقل بالإرث، وهو طبقاً للمذهب المالكي مصدر المادة اسم لما يملكه من أنفق ماله في عمارة الوقف، أو في الصرف على مصارف الوقف عند حاجتها، وعدم وجود ريع للوقف من المنفعة التي دفع النقود في مقابلها، وحق الأولوية في البقاء فيه، وقد ذكر له المالكية ثلاث صور:
الأولى: أن تكون عين الوقف مخربة، فيؤجرها ناظر الوقف لمن يعمرها من ماله، على أن يكون شريكاً للوقف بما زادته فيه عمارته، فإذا كانت تؤجر مثل العمارة بمائة دينار مثلاً، ثم صارت تؤجر بعدها بمائتين، كان صاحب العمارة شريكاً للوقف بحق النصف وسمي ما يملكه من ذلك خلواً.
الثانية: أن يكون لمسجد حوانيت مثلاً موقوفة عليه فأحتاج إلى العمارة الضرورية، وليس هناك ريع يعمر به، فيعمد الناظر إلى مستأجر الحوانيت، ويأخذ منه مقداراً يعمر به المسجد، ويخفض له في مقابل ذلك أجر الحوانيت إلى النصف مثلاً، وعند ذلك تكون منفعة الحوانيت شركة بين المستأجر والوقف مناصفة، ويسمى ما يملكه المستأجر من ذلك خلواً.
الثالثة: أن يكون للوقف أرض فضاء، ويريد الناظر أن يبنيها، فيدفعها لشخص على أن يقيم عليها بناء من ماله، يكون له حق البقاء نظير أجرة يدفعها كل شهر مع ذلك في نظير انتفاعه بأرض الوقف، وعند ذلك يعد المستأجر شريكاً للوقف في منفعة العين مقابل ما دفعه في بنائها، ويسمى ما له من حق فيها خلواً.
وعندهم – المالكية – أن الخلو يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة، والوصية، وينتقل بالوراثة عند الوفاة، وما عدا الخلو من الحقوق التي تنتقل بالإرث سبق بيانه عند الكلام عن المادة (222) والخلو يشمل الحكر، وهو كالخلو في أحكامه.
والمادة (223) تفصيل لإجمال الفقرة الأولى من المادة (222) أو تطبيق لها.
وصحة الوصية بالإقراض مذهب الحنفية، وقد لوحظ فيه أمران: أحدهما أنه يترتب عليه منع بعض التركة عمن ورثها مدة من الزمن لا يستطيعون فيها الانتفاع به، فوجب لذلك ألا يتجاوز الوصية به ثلث التركة، إذ أن حقهم في الثلثين يجب أن يتوافر لهم ملكاً وانتفاعاً من وقت وفاة مورثهم، فإذا زاد ما أوصى بإقراضه على ثلث التركة، توقفت الوصية في الزائد على إجازة الورثة.
ثانيهما: أن للإقراض شبهاً بالمعاوضات من ناحية أن الموصى له سيرد مثل ما أخذه قرضاً، وإذ أجاز الحنفية الوصية بالبيع والهبة، فمن المتسق مع ذلك الوصية بالإقراض.
وإذا كانت الوصية بالإقراض من قبيل الوصية بالمنافع، فهي تقيد بأجل معلوم، كما تقيد الوصية بالمنافع، وذلك على خلاف القرض في مجال الحياة، فإن الأجل فيه غير لازم عند جمهور الفقهاء خلافاً للمالكية الذين قرروا أن الأجل يلزم إذا ذكر له وقت معلوم، أو جرت العادة العامة بأجل معروف، إذا لم يذكر أجل انصرف التوقيت إليه، أو يكون المال المقرض جرت العادة في مثله أن يؤدي في أجل معلوم كثمر زرع مثلاً، فإنه يؤجل أداؤه إلى وقت الحصاد.
وأجازت المادة (225) للموصي أن يقسم تركته على حسب الميراث الشرعي بين ورثته، بحيث يعين نصيب كل واحد من الورثة في أعيان ماله، ليتمكن من تنظيم تركته، وقسمتها بين الورثة على الوجه الذي يرى المصلحة فيه، ويقضي على ما عساه يكون من خلاف بينهم على التقسيم بعد وفاته، وليمكن للضعفاء من ورثته من أن يكون تحت أيديهم من التركة مالاً يشق عليهم استغلاله والوصية تكون لازمة على الورثة من غير حاجة إلى إجازتهم لها إلا إذا كان قد حابى في قسمته بعض الورثة محاباة تزيده عن نصيبه، فإنها تتوقف على إجازة الورثة في الزائد على نصيبه. ومصدر هذه المادة ما قاله بعض فقهاء الشافعية والحنابلة ونص عليه المالكية.
الفصل الثاني
بطلان الوصية والرجوع عنها
المادة 226
تبطل الوصية بموت الموصى له حال حياة الموصي، لأنه انما يملك عند وفاة الموصي أو عند قبوله الوصية، وهو في ذلك الوقت معدوم، وغير أهل لأن يملك، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقد روى القول به عن على، وبه قال الزهري، وحماد بن أبي سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، كما جاء في المغني لابن قدامة.
وفي “الحطاب” إن وفاة الموصى له في حياة الموصي تبطل الوصية له علم الموصي بموته أم لم يعلم.
وكوفاة الموصى له حال حياة الموصي زواله وانعدامه حال حياة الموصي أيضاً، فتبطل به الوصية، كما إذا كان الموصى له منشأة من المنشآت، أو مدرسة، أو مستشفى، فألغى وزال من الوجود حال حياة الموصي، فإن الوصية له أيضاً تبطل في هذه الحال، لانعدام الموصى له على وضع لا يظن له وجود بعد ذلك.
وكذلك تبطل الوصية إذا كانت، بمعدوم، لم يوجد حين وفاة الموصي فتوفي الموصى له قبل وجوده، وبعد وفاة الموصي، وذلك كأن يوصي لشخص بسكنى داره سنة، تبتدئ بعد وفاته بستة أشهر مثلاً، وتوفي الموصي مصراً على وصيته، وقبلها الموصى له بعد وفاته، ثم توفي الموصى له قبل مضي الستة الأشهر.
وقد نصت الفقرة ب – على أن الوصية تبطل بهلاك الموصى به قبل وفاة الموصي، وذلك سواء أكان الهلاك بآفة سماوية لا يد لأحد فيه، أم كان نتيجة اعتداء عليه، ولو من غير الموصي، وذلك لزوال محل الوصية.
والوصية بعين ليست وصية بضمانها، وبدلها عند استهلاكها، أما إذا كان ذلك بعد وفاة الموصي، وقبل القبول، فإنه يكون مبطلاً للوصية، إذا كان بغير اعتداء على الموصى به يستوجب ضمانه، وذلك لزوال محلها لا إلى بدل. أما إذا كانت نتيجة اعتداء مستوجب للضمان كأن تعدى عليه إنسان، فأتلفه، أو أتلف شيئاً منه، فإن قيمة ما أتلف يتعلق بها حق الموصى له. كما كان متعلقاً بعين الموصى به، فإذا قبل الموصى له الوصية تملك تلك القيمة بالقبول. وهذا هو مذهب الحنفية، والحنابلة، وذلك في الموصى به المعين، أو في موصى به هو جزء من معين، أما إذا لم يكن معيناً ولا جزءاً من معين، فلا يتصور هلاكه، كما تبطل في الهالك منه إذا هلك بعض المعين الموصى به، كأن يوصي بهذه النقود، فيضيع نصفها، أو بهذه الافراس، فينفق عشرة منها، فإن الوصية تظل باقية فيما بقي من النقود أو الافراس، وتبطل فيما ضاع أو هلك.
المادة 227
مصدر هذه المادة مذاهب مختلفة، فقد أخذ برأي أبي يوسف من الحنفية في اعتبار القتل مانعاً من الاستحقاق مطلقاً، سواء أجاز الورثة أو الموصي، أم لم يجيزوا بعد القتل وقبل الموت، ومن يمنع هو المسئول حسب قانون الجزاء الكويتي.
والقتل بالتسبب الذي يشمل شهادة الزور التي تؤدي إلى القتل من مذهب الإمام أحمد، وكون القتل بغير حق، وبغير عذر أخذ من مذهب أبي يوسف وسائر الأئمة.
وعند المالكية إن القاتل يستحق الوصية سواء أكان القتل عمداً أم خطأ وهو أحد أقوال الإمام الشافعي، وقد اتفق الفقهاء على أمرين، أولهما أن القتل بحق لا يمنع نفاذ الوصية، كالقتل قصاصاً، أو دفاعاً عن النفس، إن تعين الإنقاذ بذلك، أو القتل حداً، أو قتل العادل مورثه الباغي.
الثاني: أن العقل إذا فقد، أو غاب لعارض، فلا يعتبر القتل في هذه الحال، وكذلك إذا كان هناك عذر في القتل، كقتل من يفاجئه مع أهله، وقتل ذات رحم محرم منه في حالة الزنى.
الرجوع عن الوصية
المادة 228
إذا استوفت الوصية شروط صحتها عند إنشائها، ولم يحدث قبل الوفاة ما يبطلها فهي صحيحة، وتكون لازمة، إذا كانت وصية واجبة، بل إنه إذا لم ينشئها الموصي نفذت من غير عبارة منشئة لها. والوصية الاختيارية عقد غير لازم يجوز الرجوع عنه في أي وقت شاء الموصي، لأن الذي صدر منه هو الإيجاب، والتصرفات الشرعية لا تلزم إلا إذا ارتبط بالإيجاب حق لغير المتكلم به، والوصية لا تنفذ إلا بعد الوفاة، فلا يترتب عليها أي حق قبل الوفاة، ولذلك فللموصي أن يرجع عنها في أي وقت شاء.
والرجوع يصح بالقول الصريح، وبكل فعل بدل عليه، وتقوم القرينة أو العرف فيه على أنه أراد بالفعل نقض الوصية، أو يتضمن الفعل من تلقاء نفسه نقضها، كأن يكون الموصى به حيواناً فيذبحه، أو ثياباً فيخيطها لنفسه، ويلبسها، ونحو ذلك من الأفعال التي تنقض الوصية، ويتعذر تنفيذها في الموصى به بعد وقوعها، أو تدل بالعرف على أن الفعل لا يكون إلا إذا كان قد أراد الرجوع، ويصح الرجوع أيضاً بكل تصرف شرعي من شأنه أن يخرج العين عن ملك الموصي، أو يجعل الجمع بين التصرف والوصية غير ممكن، فبيعها وهبتها يبطلان الوصية، ولو عادت إليه بعد ذلك ولو بفسخ التصرف نفسه، فإذا أراد الوصية بعد ذلك فلا بد من عبارة جديدة، ومن التصرفات التي تدل على الرجوع الوقف ولو مؤقتاً.
وقد تقدم أن دعوى الوصية، أو الرجوع عنها لا تسمع عند الإنكار بعد الوفاة إلا بشروط ذكرت في المادة 214 في الحالات العادية وغيرها.
وهذا كله مع ملاحظة ما نصت عليه المادة 214 بالنسبة لعدم سماع دعوى الرجوع عن الوصية بعد وفاة الموصي عند الإنكار.
لكن ما المراد بالرجوع القولي الوارد في المادة 214 الذي يحتاج في إثباته إلى مسوغ من المسوغات الواردة فيها، أهو الرجوع المقابل للرجوع بطريق الدلالة؟ ويكون المراد منه الرجوع الصريح، وعلى ذلك يكون الرجوع الصريح هو الذي يحتاج إثباته إلى أحد المسوغات الواردة في المادة.
ونتيجة لذلك يكون الرجوع بطريق الدلالة، ولو كان قولاً لا عملاً، كالتصرف في البيع لا يحتاج إلى إثباته بالأوراق، أم المراد من الرجوع القولي كل رجوع يكون بالقول، سواء أكان بالقول الصريح أم بتصرف قولي يدل عليه؟ إن عبارات الفقهاء تدل على أن المراد بالرجوع القولي الرجوع الصريح بالقول، فقد جاء في ابن عابدين في بيان أنواع الوصايا بالنسبة للرجوع ما نصه: واعلم أن الرجوع في الوصية على أنواع: ما يحتمل الفسخ بالقول والفعل: كالوصية بعين، وما لا يحتمله إلا بالقول، كالوصية بالثلث أو الربع، فإنه لو باع أو وهب لم تبطل ولنفذ وصيته من ثلث الباقي، وطبقاً لذلك فإن كلاً من البيع والهبة يعد من الرجوع العملي أو الفعلي، وكل تصرف يؤدي إلى خروج العين الموصى بها من ملك الموصي يعد من الأفعال لا من قبيل الأقوال فقط.
فالرجوع القولي الوارد في المادة 214 المراد منه الرجوع القولي الصريح، وهو الذي يحتاج في إثباته إلى أحد المسوغات المذكورة في المادة. أما الرجوع الفعلي فيجوز إثابته بأي طريق من طرق الإثبات الشرعية.
المادة 229
المراد من جحود الوصية في المادة هو إنكار حصولها في الماضي، وذلك لم يعده القانون رجوعاً عنها، لأنه كذب يخالف الواقع فقد وقعت الوصية، وحصلت فعلاً، والكذب لا يبطل العقود، ولا يلغي الحقوق المقررة، أو التي ستقرر … أما النفي للوصية في المستقبل، كأن يقول: اشهدوا أني لا أوصي لفلان، فذلك ليس جحوداً للوصية، ولكنه نفي لبقائها في المستقبل، وذلك رجوع عنها.
وكذلك لم يعتبر القانون إزالة بناء العين الموصى بها، ولا الفعل الذي يزيل اسم الموصى به، أو يغير معظم صفاته، ولا الفعل الذي يوجب فيه زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها رجوعاً عن الوصية إلا إذا دلت قرينة أو عرف على أن الموصي يقصد بذلك الرجوع عن الوصية.
وعلى ذلك فلا تكون الأفعال رجوعاً عن الوصية، إلا إذا كانت مهلكة للعين، مزيلة لها إزالة تامة أو ناقلة للملكية نقلاً تاماً، أما إذا استهلكت العين في غيرها، بأن دخلت في أشياء أخرى للموصي، ولم يمكن فصلها فلا يعد إزالة لحقيقتها، فإذا كانت العين الموصى بها ثياباً فصبغها الموصي، أو قطعها، أو كانت سيارة فغير بعض أجزائها، ليجعلها أحسن، أو خلط الموصى به بغيره خلطة يجعله غير متميز، سواء أكانت قيمية أم مثلية فإن ذلك لا يعد رجوعاً عن الوصية، لأن الحقيقة لم تزل، ولم تخرج عن ملك الموصي، إلا إذا صحبت الفعل قرينة عرفية أو قولية تدل على الرجوع، وحينئذٍ لا تكون دلالة الرجوع من الفعل، بل تكون الدلالة مما حف بالفعل من قرائن.
وعدم اعتبار الجحود رجوعاً هو أحد قولين مصححين في مذهب الحنفية، وعدم اعتبار التغيير في العين غيّر جوهرها وكيانها رجوعاً هو مذهب الإمام مالك، فهو لا ينظر إلى التغييرات التي تلحق الموصى به، من حيث أنها في ذاتها تدل على الرجوع أو لا تدل، إنما نظر إلى الأفعال من حيث أثرها في العين، فما دامت لم تزل حقيقة الموصى به لا يبطل الوصية، والفعل عنده لا يدل بذاته على الرجوع إنما يدل ما حف به من قرائن.
ونزع الملكية، والاستملاك في دولة الكويت لا يعد رجوعاً عن الوصية، لأنه ليس تصرفاً اختيارياً من الموصي، وإنما هو إجراء تسير عليه الدولة، لا يملك الموصي عدم تنفيذه، وهذه المادة تفصيل للإجمال الوارد في الفقرة الثانية من المادة (228).
الفصل الثالث
قبول الوصية وردها
المواد 230 – 235
الوصية حسبما جرى عليه القانون تصرف ينشأ بإرادة منفردة، إذ أنه بمجرد وجود السيارة الدالة على إرادة الشخص لتصرف معين في تركته بعد وفاته، تعتبر الوصية قد وجدت بحكم القانون.
ولكن الملكية بمقتضى الوصية لا تثبت للموصى له بقبوله الوصية صراحة، أو دلالة بعد وفاة الموصي، ولا عبرة لقبوله أو رده قبل وفاته، لأن الوصية تصرف لا تظهر آثاره إلا بعد الوفاة، فلا عبرة بالقول أو الرد إلا وقت التنفيذ، ولأن القبول إنما هو لثبوت الملكية لا لإنشاء التصرف، فكان لا عبرة له إلا عند تنفيذ أحكامه.
والقبول من كامل الأهلية الرشيد، يكون منه بالصراحة أو الدلالة، وكذلك الرد، وقبول قاصري الأهلية وفاقديها، والمحجور عليهم يكون ممن لهم الولاية عليهم، ولأولئك حق القبول مطلقاً، لأن القبول نفع محض.
أما الرد فهو ضرر، ولذلك ليس لمن له الولاية على من ذكروا أن يرد الوصية إلا بعد إذن المحكمة، فإذا أذنته بالرد كان ملزماً بذلك، وإذا لم تأذنه نفذت الوصية، وهي حين تأذن بالرد، فإنها تراعي مصلحة الموصى له، فاقد الأهلية، ومن هو على شاكلته.
ويكون القبول إذا كان الموصى له جهة، أو مؤسسة، أو منشأة ممن يمثلها قانوناً، فإن لم يكن لها من يمثلها لزمت الوصية من غير حاجة إلى قبول: وإذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد قام ورثته مقامه فيهما، والوصية تقبل التجزئة، فمن له القبول، أن يقبل الوصية كلها، أو بعضها، فإن قبلها كلها لزمت، وإن رد بعضها بطلت فيما ردها فيه، وإذا تعدد الموصى لهم، فقبل بعضهم، ورد بعضهم، لزمت في نصيب من قبل، وبطلت في نصيب من رد م 231، 232.
والقبول لا يشترط أن يكون فور الوفاة، فليس له وقت معلوم، بل يستمر ذلك الحق للموصى له، ما لم يثبت رده صراحة أو دلالة.
فحق القبول أو الرد ثابت على التراخي لا على الفور.
وإذ استطال الوارث، أو من له تنفيذ الوصية الزمن، أو خشي استطالته، فقد أعطاه القانون حقاً لدفع الضرر، أو لمنع الاستطالة من غير مبرر، فسوغ له أن يبلغ الموصي له بإعلان رسمي، فيه بيان كاف للوصية، ويطلب منه القبول أو الرد، فإذا مضى على علمه بذلك ثلاثون يوماً كاملة لا يدخل فيها يوم الإعلان، ولا مواعيد المسافة، ولم يجب بالقبول أو الرد، ولم يكن له عذر مقبول في عدم الإجابة، تعتبر الوصية قد بطلت، لأن ذلك يكون دليلاً على الرد، وأإن لم يكن رداً صريحاً، لأن الانتظار بعد ذلك عبث، وضرر على الورثة – المادة 232.
وإذا كان الموصى له غير موجود وقت الوفاة، ثم وجد، ولم يوجد من قبل عنه عند الوفاة، فالمفهوم أنه عند وجوده، ووجود من يقبل عنه يكون له القبول والرد، لأن القانون ذكر أنه لا بد منه صراحة أو دلالة للزوم الوصية، إلا إذا اعتبر ذلك من نوع الوصية التي لا يوجد من يمثلها، فتلزم من غير حاجة إلى القبول.
وملكية الموصى له للموصى به لا تثبت من وقت القبول، بل تثبت من وقت الوفاة، إن لم يكن قد حدد له وقت معين عند إنشاء الوصية، لأن سبب الملكية ليس هو القبول، بل السبب هو الوصية نفسها، والقبول لزوم، أو شرط لدخول المال في ذمة الموصى له، لكيلا يدخل شيء في ملك الإنسان جبراً عنه، لأن من الناس من لا يتحمل منه التبرع له، فجعل له حق الرد في الوصايا، فإذا وجد القبول ثبتت الملكية من وقت السبب، ويترتب على أن ثبوت الملكية يكون من وقت الوفاة، أن زوائد المال، وهي نماؤه أو غلاته، تكون ملكاً للموصى له من وقت الوفاة أيضاً، وبذلك تكون عليه نفقة الموصى به من وقت الوفاة، سواء في ذلك نفقات الحفظ، أو نفقات الإصلاح والإبقاء وإذا رد الموصى له الوصية كلها أو بعضها بعد الموت، وقبل القبول، بطلت فيما رد، وإذا ردها كلها أو بعضها بعد الموت والقبول، وقبل ذلك منه أحد من الورثة انفسخت الوصية، وإن لم يقبل منه ذلك أحد منهم بطل رده – م 234، ومصدر هذا الحكم هو مذهب الحنفية، إذ الرد عندهم فسخ للوصية، لأن الورثة قائمون مقام الموصي، وكان يمكن أن يرد عليه لو كان حياً إذا قبله، فكذلك إذا ردها على الورثة الذين يقومون مقامه وذلك لأن العقد يلاحظ فيه أصل انعقاده، فإن كان ينعقد بالإيجاب والقبول، فكذلك يجب فسخه بالتراضي، وإذا رد الموصى له على بعض الورثة دون بعض، فمقتضى القياس هذا باطل، لأن هذا تمليك لمن ردها عليه، ولكنهم استحسنوا، وجعلوا الرد على بعض الورثة، كالرد على جميعهم، وكان بين الورثة على فرائض الله تعالى، لأن أصل العقد كان بينه وبين الموصي، وأحد الورثة: يقوم مقامهم جميعاً في الحقوق، فكان الرد على أحدهم بمنزلة الرد عليهم، أو يعد رد الموصى له فسخاً، لقبوله الوصية، وهو ينفرد بذلك في حق نفسه.
والمادة 235 ليست في حاجة إلى بيان.
الباب الثاني
أحكام الوصية
الفصل الأول
الموصى له
المواد 236 – 245
الوصية للمعدوم جائزة حسبما جاء في المادة 236، والمراد بالمعدوم من لم يكن موجوداً وقت إنشاء الوصية، ولكن يحتمل أن يوجد في المستقبل، سواءً أوجد عند الوفاة أم لم يوجد إلا بعدها، وقد يحصل اليأس من وجوده بعدها، كأن يوصى لمن يولد لفلان، ولم يكن له ولد عند إنشاء الوصية، ولم يولد له ولد عند وفاة الموصي، أو ولد له ولد ومات، أو حصل اليأس من أن يكون له ولد بعد الوفاة، إذ يموت عقيماً، فقد أجازت المادة إنشاء الوصية مع كل هذه الفروض، وإن كانت في الحالة الأخيرة تنشأ صحيحة، ولكنها تؤول إلى البطلان، لتعذر وجود من يستحقها، والوصية كما تصح للمعدوم منفرداً بها، تصح مع موجود، كأن يقول أوصيت لأولاد فلان الذين ينتسبون إليه في الحال والاستقبال، فإنه يدخل في الاستحقاق أولاده الموجودون وقت إنشاء الوصية، ومن يوجدون بعد ذلك. والوصية بالأعيان أو المنافع جائزة، وهي بالأعيان تمليك تام، والمنافع تمليك ناقص. والملكية التامة لا تنتقل للموصى لهم إلا عند وجودهم بالوصف الذي ذكره الموصي، وعدم إمكان دخول غيرهم، وقبل ذلك تكون للموصى لهم المنفعة، وتكون ملكية الرقبة للورثة، وإذا آلت ملكية الرقبة والمنافع للموصى لهم، فإن من يموت منهم يكون نصيبه لورثته أيضاً. وإذا كانت الوصية بالمنافع للمعدوم الذي سيوجد، فإن ملكية الرقبة تكون لورثة الموصي دائماً، وليس للموصى لهم إلا المنفعة، كما هو الشأن في الوصية بالمنافع، ويراعى في تنفيذ الوصية لفظ الموصي، والقرائن اللفظية والعرفية التي قارنت إن��اء الوصية، من حيث الدلالة. والوصية للمعدوم جائزة في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه.
والمراد بمن يحصون في المادة المعينون بأسمائهم وأشخاصهم، أو المعروفون بأوصافهم، كالموصى من بني فلان، أو جنسهم كبني فلان.
وأوضحت المادة 237 أن الوصية بالمنافع قد تكون دائمة، كما إذا كان الموصى لهم غير محصورين لا ينقطعون غالباً، كالفقراء والمساكين، والمحاويج، وفي مثل هذه الحالة لا تكون المنافع قابلة لأن تعود إلى الورثة، فإن كانت لمن يحصون، ولم يوجد أحد منهم عند وفاة الموصي كانت المنفعة لورثة الموصي.
وإن وجد مستحق حين وفاة الموصي أو بعده كانت المنفعة له، ولكل من يوجد بعده من المستحقين إلى حين انقراضهم بانقراض طبقتهم، أو بموتهم قبل ذلك، فتكون المنفعة عندئذٍ لورثة الموصي، وعند اليأس من وجود غيرهم إذا انقرضوا، ترد العين لورثة الموصي، لأن من يستحق المنفعة لا وجود له.
وبينت المادة (238) أنه إذا قال الموصي أوصيت لمن يولد لفلان بكذا، ولم يكون لفلان إلا ولد، أو لم يولد لفلان إلا ولد واحد، استحق العين الموصى بها، أو الغلة كلها وحده، إلا إذا دلت عبارة الموصي، أو قامت قرينة على أنه أراد غير ذلك، كأن يقول أوصيت لمن يولد لفلان بكذا، يأخذ الثلاثة كله، ومن دونهم يأخذون بمقدار هذه النسبة، فإنه في مثل هذه الحالة يأخذ الواحد الثلث، والاثنان الثلثين، والباقي يكون للورثة غلة فقط، أو غلة ورقبة على حسب ما أوصى الموصي، وذلك عند اليأس من وجود مستحق آخر.
والمراد بالطبقة في المادة (239) البطن من الذرية، فإذا كان بين الموصى لهم توالد، اعتبر كل بطن طبقة، فإذا قال أوصيت لأولاد فلان، ثم لأولادهم بمنفعة كذا، كان أولاد فلان طبقة، وأولاد أولادهم طبقة، فإذا كان أفراد الطبقة الأولى (أولاده) موجودين، استحقوا وحدهم المنفعة الموصى بها، ولا تستحق الطبقة التالية (أولاد الأولاد) إلا بعد انقراض الطبقة الأولى، أو اليأس من وجودها، وهكذا في كل طبقة، وبانقراض جميع الطبقات تعود المنفعة إلى ورثة الموصي إلا إذا كان قد أوصى بها، أو ببعضها لغيرهم، وتعود المنفعة إلى ورثة الموصى، إذا لم يكن أوصى بها أو ببيعها، فإذا لم يكن بين الموصى لهم توالد، كأن يوصى شخص لأولاد زيد، وأولاد عمرو، وأولاد خالد، فإن الوصية حينئذٍ تكون لثلاثة بطون من ذريات مختلفة، ولا يمكن في هذه الحالة أن يوصف أحدها بأنه أول أو ثان للبطون الأخرى، وتصح الوصية لكل البطون على اعتبار أنها طبقة واحدة، فإذا قال بعد ذلك، ثم من بعدهم لأولادهم، ثم من بعدهم لأولادهم، كان أولاد زيد وعمرو وخالد طبقة، وأولادهم طبقة ثانية، فلا تستحق إلا عند انقراض أفراد الطبقة الأولى، أو اليأس من وجودهم على نحو ما سبق بيانه. وكل ذلك مع مراعاة ما نصت عليه المادتان السابقتان: 237، 238.
وذكرت المادة (240) أن الوصية لمن لا يحصون أي غير المحصورين جائزة، سواء أكان لفظ الوصية يدل على معنى الحاجة أم لا، وإذا صحت لا تصرف للمحتاجين وغير المحتاجين، بل تصرف إلى المحتاجين فقط، لأن الوصية عمل معروف، ويعتبر أو يتعذر فيها الصرف إلى الجميع، فلا بد أن يصرف إلى بعضهم، وهم المحتاجون، ولا يلزم أن يصرف إلى جميع المحتاجين أيضاً، أو يسوى بينهم في مقدار ما يصرف بل ذلك راجع إلى اجتهاد من له تنفيذ الوصية، وهو الوصي المختار الذي يعينه الموصي، فإن لم يعين أحداً، فالصرف يكون من اختصاص الدائرة المختصة بالمحكمة الكلية، ومن تعينه لذلك، على أن يقدم الأحوج على المحتاج، وقال بعض فقهاء الحنفية إن من يقل عددهم عن المائة يحصون، ومن زاد على المائة فلا يحصون، وترك بعضهم التقدير لرأي القاضي.
والمراد بالمحصورين في المادة (241) المعروفون بأوصافهم أو جنسهم، كبني فلان، أو المرضى من بني فلان، أو حفظة القرآن الكريم بقرية كذا، ولم يعرفوا بأسمائهم، ولم يعينوا بأشخاصهم، ففي هذه الحالة يكون الموصى به لجميع الموصى لهم، فإن لم تتم الوصية لبعضهم، كموته في حياة الموصي، أو عدم قبوله، فإن الموصى به يكون كله للباقين، ما دام الوصف يكون ثابتاً لهم، ويكون لكل منهم قدر ثابت من الموصى به، وكأن له وصية مستقلة. وإذا مات واحد من الموصى لهم بعد استحقاقه لنصيبه في الوصية، ودخوله في ملكيته، تطبق الأحكام العامة للقانون في هذا، فإن كانت الوصية بملكية تامة استحقها، انتقل نصيبه إلى ورثته، لتعين نصيبه باستحقاقه من الأعيان الموصى بها فتنتقل إلى ملكيته، كما ينتقل كل ملك تام، وإن كان الموصى به منفعة، أو لم يكن قد استحق منه إلا المنفعة، فإن نصيب من يموت يكون لباقي من ينطبق عليه الوصف، لأنه لم تثبت في المنافع حصص معينة ثابتة، والمنافع لا تنتقل بالوراثة، إذ الملكية فيها ناقصة.
وأحكام هذه المادة مصدرها في الجملة الفقه الحنفي والمالكي.
والصور التي أوردتها المادة (242).
1 – أن يوصى لمعين شخصاً أو جهة، ولغير معين محصور، كأن يوصى لزيد وولده، أو أن يوصى بغلة هذا العين للصرف على مستشفى كذا، ولولد فلان.
2 – أن يوصى لمعين شخصاً أو جهة، ولغير معين غير محصور، كأن يوصى للفقراء ولأولاد فلان.
3 – أن يوصى لغير معين محصور، ولغير معين غير محصور، كأن يوصى لأولاد فلان والفقراء.
4 – أن يوصى للأنواع الثلاثة، كأن يوصى لفلان، ولأولاد فلان، وللفقراء.
والحكم في الأمور كلها، كما هو نص المادة، اعتبار كل من الجهة والجماعة غير المحصورة، وكل واحد من المعينين بأسمائهم أو بالإشارة إليهم، أو بما يدل على تعيينهم تعييناً شخصياً، وكل واحد من الجماعة المحصورة المعرفة بالوصف في الحكم، كالشخص المعين بالذات، فيجعل لكل شخص منهم حقيقة أو اعتباراً سهم من الموصى به، ويقسم الموصى به بينهم على هذا الأساس، ذلك لأن المعينين من الموصى لهم أوصي لكل منهم بشخصه، فلا بد من مراعاة أشخاصهم، وذلك يستوجب أن يكون لكل فرد منهم حصة، ومثلهم في ذلك الجهة باعتبارها جهة معينة موصى لها على هذا الوضع، وفي حكم ذلك الجماعة التي عرفت بالوصف، وهي مما يحصى ويحدد عدده، ويعرف، فأمكن اعتبارهم كالمعينين، واعتبارهم برؤوسهم. أما من لا يحصى فلا يمكن معرفة عددهم ولا حصرهم، وعلى ذلك فلا يمكن اعتبارهم برؤوسهم، فلم يكن من سبيل إلا أن تعتبر الوصية لهم، كالوصية للجهة، باعتبارهم وحدة يجمعهم الوصف.
وهذا كله إذا لم ينص الموصي في وصيته على طريقة خاصة لقسمة الموصى به بينهم، وإلا وجب اتباع ما نص عليه.
ومصدر المادة – رأي الشيخين: أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد خالفهما محمد إذا كان من بين الموصى لهم جمع لا يحصى، كالفقراء فإنه في هذا الحال يجعل له في الموصى به سهمان لا سهم واحد، لأن أقل الجمع اثنان، إذ أن الشارع قد اعتبر الإثنين من الأخوة جمعاً في قوله تعالى: “فإن كان له أخوة فلأمه السدس” فأعطى الأم السدس مع الأخوين أو الأختين، وعلى ذلك فإذا أوصى لجمع كانت الوصية لاثنين على الأقل، فوجب أن يكون له سهمان.
وحجة الشيخين أن الوصية لمن لا يحصى لا يراد بها الشمول لجميع الأفراد، ولا يراد بها التمليك، لأن الشمول متعذر، والتمليك لا يكون إلا لمعلوم معين، وعلى ذلك يكون المراد مجرد الإنفاق في هذا السبيل، وذكر الجمع لا يراد منه إلا الجنس، وتعيين المصرف، وذلك يتحقق بالصرف لواحد.
ومؤدي المادة (243) أنه إذا أوصى الموصي لمعينين، ولمن هو غير أهل للوصية، كأن يوصى لشخصين أحدهما ميت، فإن الحي يستحق نصف الموصى به، ويرجع النصف الآخر إلى ورثة الموصى، ومصدر المادة مذهباً المالكية، والشافعية.
ومعنى المادة (244) أنه إذا بطلت الوصية لمعين، أو جماعة لسبب من الأسباب المبطلة، فإن حصة من بطلت الوصية له تعود إلى ورثة الميت، ولا يأخذ الباقون من الموصى لهم إلا حصتهم، ويعود للورثة ما كان للموصى له أن يستحقه لو أنه كان أهلاً للوصية، وذلك هو ما أوصى له به صراحة ولفظاً، أو ما يكون له نتيجة المزاحمة، والقسمة عند ضيق محل الوصية. وهذا هو مذهب الشافعية.
والمادتان (245، 246) خاصتان بالحمل، والوصية للحمل جائزة في جميع المذاهب، لأنها تمليك له، وهو أهل لأن يملك، بدليل ميراثه، ولا تتوقف على قبوله عند الحنفية، وعند غيرهم يكفي قبول الولي أو الوصي.
والوصية للحمل وصية لمعين، ولذا وجب لصحتها اتفاقاً وجوده عند الإيصاء، كما يجب كذلك ثبوت نسبة من الموصى إليه، إن كان قد عرفه بنسبته إليه، كأن أوصى لحمل فلانة من فلان.
ولا يستحق الحمل ما أوصى به له إلا إذا ولد حياً، وذلك بأن ينفصل جميعه وهو حي، وذلك مذهب الأئمة عدا الحنفية الذين يرون أنه يكفي لاستحقاق الوصية أن يولد أكثره حياً – ويعرف وجود الحمل بأحد أمرين:
الأول: أن يقر الموصي بوجود الحمل عند الإيصاء، وفي هذه الحالة إذا ولد الحمل حياً لخمسة وستين وثلاثمائة يوم من وقت الإيصاء، أو لأقل من ذلك صحت الوصية، وذلك للحكم بوجود الحمل حكماً، بناءً على أن أقصى مدة يمكثها الجنين في بطن أمه هو سنة، وهو ما ذهب إليه محمد بن عبد الحكم المالكي، إذ يرى أن أكثر مدة الحمل هي سنة قمرية، ولكن رؤى أن تكون السنة شمسية، بناء على رأي الأطباء، وإذا أقر الموصى بوجود الحمل وقت الوصية، فيعامل بإقراره، إلا إذا أثبت أنه كاذب بيقين، بأن ولد الحمل لأكثر من خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
الأمر الثاني: ألا يصدر من الموصي إقرار بوجود الحمل، وفي هذه الحالة تصبح الوصية للحمل إذا ولد حياً لسبعين ومائتي يوم فأقل من وقت الإيصاء، لدلالة ذلك عادة، أو غالباً على وجود الحمل في وقت الإيصاء، لأن هذه هي المدة التي يمكثها الحمل في بطن أمه عادة، وهذا الحكم عام سواء أكانت الحامل زوجة، أم معتدة لفرقة بائنة، أم لموت، أو لطلاق رجعي، أم كانت غير متزوجة، ولا معتدة. وهذا التقدير يتفق وما ذهب إليه ابن تيمية، فإذا أتت الحامل بالحمل لأكثر من ذلك كان المظنون بناء على الغالب أنها إنما حملت به بعد وقت الوصية، فلا تصح سواء أكانت زوجة أم خالية من الأزواج.
وإذا كانت معتدة لوفاة، أو لفرقة بائنة، فإن الوصية تصح في هذه الحالة، إذ أتت به لخمس وستين وثلاثمائة يوم فأقل من وقت الموت، والفرقة البائنة، لأن الشارع أثبت نسبه من صاحب العدة في هذه الحال. وإثبات النسب في هذه الحال نتيجة اعتبار المعتدة حاملاً عند الوفاة أو الفقة، وإذا كانت الوصية بعد ذلك كان الحمل موجوداً عندها ضرورة، فصحت الوصية.
أما إذا جاءت به لأكثر من هذه المدة، فلا تصح الوصية، لاحتمال وجود الحمل بعد الفرقة أو الموت.
وإذا كان الموصى به عيناً توقف الغلة إلى أن ينفصل الحمل حياً، فتكون له، وذلك مذهب الأئمة الثلاثة، وقول عند مالك.
وإذا كانت منفعة توقف حتى ينفصل الحمل حياً، فتكون له، وإذا استحق الحمل الموصى به بولادته كله حياً، ثم مات، وكانت الوصية عيناً استحقها بعده ورثته، وأما إذا كانت منفعة فتعود بموته إلى ورثة الموصي، لأن الموصي به هو المنفعة، وهو يستحقها ما دام حياً.
هذا هو حكم الحمل إذا كان واحداً، وهو ما تضمنته المادة (245).
فأما إذا كان الحمل اثنين أو أكثر في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين بينهما أقل من ستة أشهر، فإن ولد اثنان أو أكثر أحياءً، كان الموصي به بينهم بالتساوي، وإن ولد واحد حياً، والآخر ميتاً، كان الموصى به كله للحي، وذلك ما لم يكن للموصى نص في مثل هذه الحالة، فإنه يتبع نصه، وإن استحق الحمل الوصية، ثم مات، فالحكم هو ما سبق بيانه في شرح المادة (245).
الفصل الثاني
الموصى به
المادة 247
تضمنت المادة أن مقدار الوصية التي تنفذ من غير حاجة إلى إجازة الورثة هو ثلث التركة عند الوفاة لغير وارث، فإن كانت الوصية بأكثر من الثلث صحت الزيادة موقوفة على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت وإن لم يجيزوها بطلت فيما زاد على الثلث، وإن أجازها بعضهم، وامتنع بعضهم عن الإجازة نفذت الوصية في الزيادة في حق المجيز، وبطلت في الزيادة في حق غير المجيز، والإجازة المعتبرة تكون بعد الوفاة، ولا عبرة بالإجازة قبلها، لأن تنفيذ الوصية هو وقت الوفاة، لأنه قبل وفاة الموصي لا يعرف الورثة على التعيين، فقد يموت أحدهم قبل الموصي، وقد يوجد من يحجب بعضهم، وقد يحصل من بعضهم ما يقتضي حرمانه، فالصفة التي كانت سبباً للحق لم تثبت، لأن الإجازة تبرع بحق، فلا يكون قبل ثبوته بوفاة الموصي، والوارث الذي تعتبر إجازته هو الذي يكون أهلاً للتبرع، وهو كامل الأهلية، البالغ، العاقل، الرشيد الذي لم يحجر عليه لسفه أو غفلة، وذلك لأن الإجازة تبرع، وهو تصرف ضار، فلا يجوز من غير الرشيد، ولا يجوز من ولي الوارث، لأن ولايته منوطة بالمصلحة، ولا مصلحة في التبرع، والثلث هو ما يكون من تركة خالصة من كل دين، لأن سداد الدين يكون أولاً، وبعد السداد تقدر الوصية بثلث الباقي، فإذا كانت التركة خالصة من الدين، ولا وارث للوصي، بل سيذهب المال إلى الخزانة العامة، نفذت الوصية كلها، لأن الخزانة العامة آخر المستحقين للتركة، فالموصى له بأكثر من الثلث مقدم عليها.
وبينت المادة (248) أن الموصى إذا كان مديناً، فإما أن يكون دينه مستغرقاً للتركة كلها أو لبعضها، فإن كان الدين مستغرقاً للتركة كلها، صحت وصيته، ولكن لا تنفذ إلا ببراءة ذمته من الدين، كأن يجيز الدائنون الوصية، أو يتبرع متبرع بسداد الدين فإن برئت ذمته من بعض الدين مستغرق للتركة، كأن يجيز الغرماء بعض الوصية، أو كان الدين غير مستغرق للتركة نفذت الوصية في باقي التركة بعد سداد الدين، فإن وسعها الثلث نفذت، وإن لم يسعها توقف نفاذ الزائد على الثلث على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت في الزيادة، وإن لم يجيزوها بطلت فيها، ولا يكفي في نفاذ الوصية عند استغراق الدين للتركة حال وفاة الوصي إجازتها من الغرماء، مع اعتبار الدين باقياً في ذمته مشغولة به، لأنه ما دام هناك دين فهو مقدم على الوصية، فلا بد من إبراء الغرماء لذمة الموصي حتى تنفذ الوصية. ومثل الإبراء أن يتبرع أجنبي بسداد الدين للدائنين، ويقبلوا ذلك منه، وإذا كان المتبرع بالوفاء وآثار استخلاصاً للتركة، فإن كان هو الوارث الوحيد، أو على إرادة الرجوع في التركة بدينه إذا لم يكن وحيداً، فلا يترتب على ذلك نفاذ الوصية في ثلث ما يخلص من التركة بسبب هذا الأداء، وإنما حل الوارث في هذه الحالة محل الدائن، فصارت التركة مدينة له.
ومؤدى المادة (249) أنه إذا كانت الوصية بعين معينة والدين كان متعلقاً بها قبل الوفاة، بأن كان للدائن حق اختصاص على العين. أو رهن، فإن مقتضى الاستيفاء منها يكون مقدماً على حق الموصى له في الوصية بها، ولو كانت تخرج من ثلث الباقي بعد سداد الدين، لأن الدين مقدم على الوصية بإجماع الفقهاء، ولأن حق الموصى له لم يتعلق بالوصية إلا بعد الوفاة، أما حق الدائن فمتعلق بها قبل الوفاة، فيستوفي الدين أولاً، ولكن إن استوفى الدين منها كلها، أو من بعضهم لا يضيع حق الموصى له في الوصية، لأن الوصية قد صحت ولزمت بقبول الموصى له بعد الوفاة، فلا تقبل السقوط بعد ثبوتها ولزومها، ما دام للمستوفي تركة تخرج العين من ثلثها، فإن لم تستوف بذاتها نفذت بقدرها، ولذلك نصت المادة على أنه يرجع بقيمة الموصى به في باقي التركة أن سداد الدين من الموصى المعين له. ويعتبر ثلث الباقي بعد الدين، لأن التركة التي توزع بين الورثة والموصى له هي التي تبقى بعد سداد الدين بالسداد أو الإبراء.
ومؤدى المادة (250) أنه إذا أوصى الموصي بمثل نصيب وارث معين من ورثته أو بنصيبه، فإن الموصى له يستحق مثل نصيب ذلك الوارث، بمعنى أن تقسم المسألة بالسهام من غير نظر إلى الوصية، ثم يزاد على مجموع عدد السهام عدد يساوي مقدار نصيب الوارث الموصى بمثل نصيبه، ويكون هذا هو ما يعادل نصيب الموصى له، وتقسم التركة على عدد السهام ويأخذ كل ما يخصه.
فإذا أوصى الموصي بمثل نصيب ابنه لأخيه الشقيق، ثم مات عن ابنه، وبنتين له، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون للابن النصف، ولكل بنت الربع، فتكون السهام أربعة، للابن سهمان، ولكل بنت سهم، ثم يعطي الموصى له مثل نصيب الابن، وهو سهمان، وبذلك تصير السهام ستة، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
وأوضحت المادة (251) أنه إذا أوصى الموصي بمثل نصيب وارث غير معين من ورثته فإما أن يكون الورثة متساويين في الأنصبة، أو غير متساويين، فإن كانوا متساويين أعطى الموصى له مثل نصيب أحدهم زائداً على السهام، فإذا أوصى لابن أخيه مثلاً بمثل نصيب أحد ورثته، وتوفي الموصي عن ثلاث زوجات، وثماني أخوات شقيقات، وأخ لأب، فالأنصبة في هذا المثال متساوية، لأن للزوجات ثلاثة سهام مقدار الربع، وللأخوات الشقيقات ثمانية أسهم، وللأخ لأب الباقي، وهو سهم، وتكون السهام 12 يزاد عليها مثل نصيب أحد الورثة، وهي سهم واحد، ويكون عدد الأسهم للورثة وللموصى له 13 سهماً.
وان كان الورثة غير متساويين في الأنصبة، وأوصى الموصي بمثل نصيب أحدهم، وتوفي الموصي مثلاً عن ثلاث زوجات، وبنتين، وابن ابن، ففي هذه الحالة، للزوجات الثلاث سهام ثلاثة، لكل زوجة سهم من أربعة وعشرين سهماً، وللبنتين الثلثان 16 سهماً، ولابن الابن الباقي خمسة أسهم، وعلى ذلك يكون للموصى قدر أقلهم ميراثاً، وهو إحدى الزوجات، فيكون له سهم واحد يضاف إلى سهام الورثة، فتصير السهام خمسة وعشرين سهماً، وحكم هذه المادة كسابق مصدره مذاهب جمهور الفقهاء.
وذكرت المادة (252) أن الموصي إذا أوصى لأحد بمثل نصيب أحد الورثة، ولآخر بسهم معلوم شائع، كالربع في التركة سواء أعين الوارث الذي أوصى بمثل نصيبه أم لم يعين، ففي مثل هذه الحالة توزع التركة بالسهام بين الورثة، ليعرف مقدار سهم كل وارث، ثم يضاف إلى أصل سهام التركة عدد سهام الوارث، ويعلم مقدار سهام الموصى له، مع ملاحظة أن أصل الفريضة هو مقدار الباقي بعد المقدار الذي أوصى به للموصى له الآخر، فإن كانت الوصية بالسهم المعلوم الشائع في التركة، وبمثل نصيب أحد الورثة لا تتجاوز الثلث، أو تجاوزته، وأجازها الورثة نفذت الوصيتان، وإن لم يجيزوها، ولم يسعهما الثلث، قسم بينهما بالمحاصة، أي بنسبة سهامها، ومصدر هذه المادة فقه الإمام أحمد بن حنبل.
واتفقت آراء الفقهاء على ألا يعطى الموصى له فعلاً عند التنفيذ إلا ما يخرج من ثلث أعيان التركة الحاضرة، وأن ينتظر فيما بقي له مما أوصى له به حضور بقية أعيان التركة، فكلما حضر شيء أعطى من الموصى له به بقدر ثلث ما حضر، حتى يستوفي وصيته فإن خرج الموصى به من ثلث الموجود أخذه، غير أن الحنابلة إنما يعتبرون حضور الوصية وقت الوفاة، ولا تأثير لغيبته بعد ذلك في حق الموصى له، فإذا ما أوصى له بعين حاضرة، أو بوصية مرسلة مثلاً، بخلاف الحنفية والمالكية، إذ هم يعتبرون حضور الوصية عند التنفيذ ووجه ما ذهب إليه الفقهاء أن للمال الحاضر فضلاً عن المال الغائب، فربما هلك المال الغائب أو ضاع، أو لم يستطع الحصول عليه، فيكون هالكاً أو كالهالك، فمن العدل ألا يحتسب على الورثة وحدهم، وبهذا جاءت المادة (253).
والمقصود من المادة (254) واضح، وهو أنه إذا كانت الوصية بسهم شائع في التركة، كالوصية بربع المال مثلاً، وكان للتركة دين على الغير، استحق الموصى له من المال الحاضر جميعه سهمه فيه، أي ربعه فيعطى له، وكلما حضر شيء منها، أخذ ربعه، وهكذا حتى تحضر جميع أعيان التركة، فيتم الموصى به جميعه، ومصدر هذا مذهب الحنفية.
وذكرت المادة (255) أنه إذا أوصى الموصي بسهم شائع في نوع من ماله، كأن يوصي بثلثي عمارة تساوي تسعين ألف دينار مثلاً، ومان له ديون مقدارها مثل ثمن العمارة، فإن ما أوصى به يكون مقداره ما يساوي ستين ألف دينار، وذلك لا يخرج من ثلث المال الحاضر، وهو العمارة، بل يكون له ثلثها، أي ما يساوي ثلاثين ألف دينار، ويبقى له ثلاثون ألف دينار يستوفيها من العمارة، بقدر ما يحصل من الديون، على معنى أنه كلما حصل قدر من الدين استوفى من العمارة ما يقابل ثلث الدين الذي حصل، حتى يستوفي حقه كله، وبعد أن يأخذ الموصى له ثلث العمارة قبل تحصيل شيء من الدين، يكون ثلثاها للورثة يتصرفون فيه تصرف الملاك، فلهم أن يبنوا عليها، وقد يحصل لهم ضرر إن استوفى الموصى له حقه من العمارة، فإن حصل لهم ضرر، فلا يأخذ الموصى له باقي حقه من العمارة، ولكن يأخذ قيمة ما بقي من حصته في النوع الموصى به من ثلث ما يحضر حتى يستوفي حقه. ومصدر ذلك فقه الإمام أحمد بن حنبل، ومذهب الحنفية، بقاعدة نفي الضرر.
وبينت المواد (253 و254 و255) تنفيذ الوصية إذاكان في التركة مال غائب، أو دين على أجنبي، وفي المادة 256 بيان كيفية تنفيذ الوصية إذا كان الدين على وارث من ورثة الموصى، فأفادت أن الدين إذا لم يكن حالاً وقت القسمة بل كان مؤجلاً عد مالاً غائباً في جميع الأحوال إذ لا يمكن حينئذٍ مطالبة المدين به، ولا إجباره على الوفاء قبل موعده، ولا بطريق المقاصة، أخذاً من المواد السابقة أما إذا كان مستحق الأداء في ذلك الوقت، فإن كان مساوياً لنصيب الوارث المدين أو أقل، اعتبر مقدار هذا الدين مالاً حاضراً لا ديناً، فيعتبر مضموماً إلى ما حضر من أموال التركة، وعلى ذلك يأخذ الموصى له وصيته كاملة، ما دامت تخرج من ثلث ذلك المال بما فيه الدين، إذ لا ضرر على الورثة في هذه الحال، لأن الدين سيكون من نصيب الوارث المدين، ولا يأخذ شيئاً من المال الحاضر خلافه إن كان نصيبه مساوياً للدين، فإن كان دينه أقل، أخذ الفرق بين نصيبه ومقدار الدين. أما إذا كان دينه أكثر من نصيبه وقد حل أداؤه، فيكون الزائد على نصيبه كالدين على أجنبي، أي مالاً غائباً، وما عداه مالاً حاضراً يأخذ الموصى له ثلثه، وإن بقي له شيء يستوفيه من الدين الذي يحصل حتى تتم له الوصية، وذلك إن كان الدين، والتركة من جنس واحد، فتقع المقاصة، وإن كان الدين من جنس، والتركة من جنس آخر، فلا يأخذ الوارث نصيبه من التركة، حتى يؤدي ما عليه من الدين، فإن لم يؤده باح القاضي نصيبه، ووفي الدين من ثمنه، وقد بينت المادة أن أنواع النقود، وأوراقها جنس واحد، ومصدر المادة مذهب الحنفية.
وذكرت المادة (257) حكم ما إذا كانت الوصية بعين من التركة، أو بنوع من أنواعها فهلك الموصي به كله، أو استحق، أو هلك بعضه، أو استحق – ولذلك أربع صور.
(1) أن يكون الموصي به معيناً، ويهلك قبل القبول، فتبطل الوصية، لانعدام محلها، ويبطلها الاستحقاق، ولو بعد القبول والقبض، لأنه ظهر أن الموصي لا يملكها.
(2) أن يكون الموصى به عيناً فيهلك بعضها أو يستحق، فيأخذ الموصى له ما يبقى، أن كان يخرج من الثلث، وتب��ل الوصية في الجزء الهالك، أو المستحق، مع ملاحظة ما سبق من أن الهلاك لا يبطل الوصية في الجزء الهالك إذا كان بعد القبول والقبض بخلاف الاستحقاق.
(3) أن يكون الموصى به جزءاً شائعاً من عين خاصة، فهلكت كلها أو بعضها، فإن الوصية تبطل لانعدام الموصى به، مع ملاحظة ما سبق في الفرق بين الهلاك والاستحقاق.
(4) أن يكون الموصى به جزءاً شائعاً من عين معينة، فهلك بعضها، أو استحق، ففي هذه الحال يأخذ الموصى له وصيته كاملة من الباقي إن وسعها، فإن لم يسعها أخذ الباقي كله، وبطل من وصيته بمقدار ما نقصه الباقي عن الوصية.
وذكرت المادة (258) حكم الوصية بحصة شائعة في معين، كأن يوصى شخص بنصف العمارة، ففي مثل هذه الحالة إذا ما هلكت العمارة أو استحقت فلا شيء للموصى له، وهذا قدر متفق عليه بين الفقهاء.
فإذا ما هلك بعض العمارة أو استحق، وكان الباقي بعد الهلاك أو الاستحقاق أكثر من الموصى به أو المستحق، أو مساوياً له، فإن الموصى له يأخذ جميع ما أوصى به من الباقي، إن كان أكثر، والباقي كله إن كان مساوياً أو أقل من الموصى به، وذلك هو مذهب الحنفية، والإمام أحمد، وأحد قولي الشافعية، وما ذهب إليه الإمام زفر عند الاستحقاق – وذهب الإمام مالك، وزفر عند الهلاك إلى أن الموصى له يأخذ حصته منسوبة إلى الباقي.
وجاء في المادة (259) أن الوصية بحصة شائعة في نوع من أموال الموصى، كالوصية بعشرة أفراس، فإن كان عددها وقت الوصية مائة، اعتبرت الوصية بالعشرة، فإذا مات الموصي، وليس له ذلك النوع بطلت الوصية، وإذا هلك بعضه أو استحق ثبت العشر في الباقي إن خرجت الوصية من ثلث المال، فإن لم تخرج من ثلث المال، أخذ منه بقدر الثلث فقط. والفقرة الثانية من المادة مأخوذة من رأي بعض علماء المالكية (ابن الماجشون). أما الفقرة الأولى فمحل إجماع من الفقهاء.
الفصل الثالث
الوصية بالمنافع
المادة 260
المراد بالمنافع التمرات والغلات، وحقوق الارتفاق، والوصية بالإقراض، وبالتأجير، والوصية بقدر من المال يدفع شهرياً، كما جعلت منه الوصية ببيع عين لشخص بحق معلوم، والوصية بتقسيم التركة.
ولا يشترط في الوصية بالمنفعة أن يكون الموصى مالكاً للعين والمنفعة، فيجوز للمستأجر أن يوصى بمنفعة العين التي يملك منفعتها مدة الإجارة.
والوصية بالمنافع جائزة باتفاق الأئمة الأربعة، ومعهم جمهور فقهاء المسلمين، ولم يخالف فيها إلا ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وفقهاء أهل الظاهر.
والوصية بالمنفعة لها أحوال مختلفة:
(1) فقد تكون وصية بالمنفعة مدة معلومة بعد الوفاة.
(2) وقد تكون وصية غير مؤقتة لموصى له معين.
(3) وقد تكون وصية غير مؤقتة أو مؤبدة لقوم غير محصورين، يظن انقطاعهم أو لا يظن، أو لجهة بر لا تنقطع.
(4) وقد تكون الوصية غير مؤقتة، وهي لمحصورين.
(5) وقد تكون الوصية لمحصورين، وغير محصورين.
وقد بينت هذه المادة حكم الوصية لمعين مدة معلومة المبدأ والنهاية، وحكم الوصية لمعين قدراً معيناً، لكن غير معلوم المبدأ، وفي الحالتين المذكورتين تنفذ المدة إذا جاءت بعد وفاة الموصي، وقبول الموصى له، فإذا انتهت المدة الموصى بها قبل وفاة الموصي بطلت الوصية.
وإن مات الموصي وفي المدة المعلومة بقية نفذت الوصية في القدر الباقي، إذ قد تعذر التنفيذ في الجزء الذي مضى، فبطلت فيه، وصحت في الباقي.
وإذا كانت الوصية غير معينة البدء، ولكن معلومة القدر، كأن يقول: أوصيت لفلان بسكني داري ثلاث سنين، ولم يذكر بدئها ولا نهايتها، فتبدأ المدة في هذه الحال من وقت الوفاة، لأنه وقت تنفيذ الوصية.
المادة 261
بينت هذه المادة حكم ما إذا منع الموصي له من الانتفاع بالعين كل المدة أو بعضها، سواء أكان المنع من بعض الورثة، أم من كلهم، أم من جهة الموصي، والمدة الموصي بها معلومة.
فإن كان المنع من الانتفاع من بعض الورثة، كأن يكون موصي بسكنى دار ثلاث سنين ذكر ابتداؤها، فجاء أحد الورثة وسكنها في تلك المدة، ومنع الموصي له من سكناه فيها، فإن هذا الوارث يكون قد اعتدى على حق الموصي له، فيثبت له ابتداء الحق في التعويض، وذلك بأحد أمرين. اما بأن يسكن الدار مدة تساوي المدة التي منع من الانتفاع فيها إذا رضي الورثة، واما بأن يضمن له الوارث الذي منعه بدل المنفعة التي منعها، لأنه تعدى على حق الموصي له، فإن كان المنع من الانتفاع من كل الورثة في المدة المعلومة، فإنهم يكونون متعدين على حق الموصي له، ويضمنون له بدل المنفعة، اما بتعويضه بأداء بدل المنفعة، أو بتمكينه من الانتفاع مرة أخرى، والموصي له مخير في أحد الأمرين، فإن كان المنع من الانتفاع من جهة الموصي، أو بعذر، يحول بين الموصي له والانتفاع، كأن يكون الموصي قد أجر العين الموصي بها لغيره، واستمرت الإجارة نافذة من بعد موته إلى نهايتها، أو أن تكون العين الموصي بمنفعتها تحتاج إلى إصلاح ليتم الانتفاع بها، فأجرى الإصلاح، وأخذ مدة من زمن الوصية فلا ضمان على أحد، إذ لا تعدي من أحد الورثة، ولكن الموصي له قد قبل الوصية، فصار له حق تنفيذها، وقد حالت الأمور دون التنفيذ، فيحق له التنفيذ في مدة أخرى تحل محل الأولى.
وما سبق كله هو فيما إذا كان المنع من الانتفاع بالاستعمال الشخصي، فإن كان المنع للاستغلال، فإن الموصي له يستحق غلة العين الموصي بانتفاعها، وهذه الأحكام مصدرها مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه.
المادة 262
ذكرت هذه المادة أحكام الوصية بالمنفعة (1) لقوم غير محصورين لا يظن انقطاعهم، أو لجهة من جهات البر، وكانت الوصية مؤبدة أو مطلقة. (2) لقوم غير محصورين يظن انقطاعهم وكانت الوصية مؤبدة أو مطلقة.
فذكرت أنه بالنسبة للحالة الأولى تكون الوصية على التأبيد لا تنتهي، فإذا أوصى بغلات عين للفقراء، أو على مسجد، أو مدرسة، أو مستشفى، كانت الغلات لهذه الجهات على التأبيد، وصار التصرف من بعد الوفاة وقفاً جاء في شكل وصية، وتكون العين وقفاً من كل الوجوه بعد الوفاة.
وبالنسبة للحالة الثانية، وهي أن تكون الوصية لقوم غير محصورين يظن انقطاعهم مطلقة أو مؤبدة، كالوصية لبني فلان، فإن الموصي لهم يستحقون المنفعة إلى انقراضهم، فإذا انقرضوا عادت العين إلى ورثة الموصي.
ومصدر حكم الحالة الأولى مذهب الحنيفة، والثانية مذهب المالكية.
وقد نصت الفقرة الأخيرة من المادة على وجوب مراعاة أحكام المادتين السابقتين 259، 260 فيما إذا كانت الوصية لمعين مدة معلومة المبدأ والنهاية، وانتهت المدة قبل وفاة الموصي، وفيما إذا منع الموصي لهم من الانتفاع.
المادة 263
أوضحت هذه المادة حال الموصي لهم إذا كانت الوصية بالمنفعة لمدة معينة لقوم محصورين، ثم من بعدهم لمن لا يظن انقطاعهم، كالمساكين، أو لجهة من جهات البر، كمسجد، أو مستشفى، ففي هذه الحالة إن كان الموصي لهم موجودين وقت وفاة الموصي، استحقوا المنفعة المدة المعلومة، كالعين، فإنه يأخذ المنفعة في المدة المعينة، ثم بعد انتهاء المدة تؤول المنفعة إلى جهة البر، وإن كانوا غير موجودين وقت الوفاة، ويظن وجودهم بعدها، فإن الغلة تكون لجهة بر عامة، كمكاتب تحفيظ القرآن الكريم، والمساجد، ونحو ذلك، حتى يوجد الموصي لهم، وقد يحدث أن تستمر الوصية مدة طويلة لا تنفذ فيها، لعدم وجود الموصي لهم. ففي هذه الحال قد ذكرت المادة مدة معلومة هي ثلاث وثلاثون سنة، وبعدها تكون الغلات لجهات البر. فإذا لم يوجد بنو فلان الموصي لهم في مدة الثلاث والثلاثين سنة ووجدوا بعدها فلا يستحقون شيئاً من الوصية، بل تكون لجهات البر، وإن لم يوجد المستحق أصلاً، وحصل اليأس من وجودهم بأن مات فلان الموصي لبنيه، ولم يعقب، فالغلة بعد اليأس وقبله، تكون لأعم جهات البر نفعاً إلى أن تنتهي المدة المعلومة، فتكون لجهة البر المنصوص عليها، وإن وجد المستحقون، ثم انقرضوا مع اليأس من وجودهم، ولم تنته المدة المعلومة، ففي هذه الحالة تكون الغلات إلى نهاية المدة لجهات البر الأعم نفعاً، وبعد انتهاء المدة تكون المنفعة لجهة البر.
المادة 264
الموصي له بالانتفاع بعين تحتمل الانتفاع أو الاستغلال، فيخير في الانتفاع بها، أو باستغلالها، ولو خالف ذلك ما أوصى به الموصي، ولم يقيد ذلك إلا بشرط واحد هو ألا ينتفع انتفاعاً يضر العين، فمن أوصى له بسكنى دار معينة يجوز له أن يؤجرها، ومن أوصى له بأجرتها يجوز له أن يسكنها، متى كانت العين تصلح لأحد الأمرين، ومصدر المادة مذهبا الشافعية والحنابلة.
المادة 265
يفرق الحنيفة بين الوصية بالغلة، والوصية بالثمرة، فقالوا إن الموصي إذا أوصى بثمرة أرضه أو بستانه، وأطلق في وصيته فلم يحدد مدة، كان للموصي له الثمرة القائمة وقت وفاة الموصي دون غيرها مما يحدث من الثمار مستقبلاً، وإذا نص على الأبد، فقال بثمرة أرضه أو بستانه أبداً كان للموصي له الثمرة القائمة عند الموت وما يحدث بعدها من ثمرات مدة حياة الموصي، أما إذا أوصى بغلة أرضه أو بستانه، وأطلق أو أبد، فإن للموصي له ما يكون موجوداً من الغلة عند وفاة الموصي، وما سيحدث فيها بعد ذلك.
وذهب الحنابلة والمالكية، والشافعية إلى أنه لا فرق في الدلالة والمعنى بين الغلة والثمرة، فللموصى له ما يكون موجوداً عند وفاة الموصي، وما سيحدث، أطلق أم أبد، وعلى مذهب الأثمة الثلاثة المذكورين جرت المادة.
المادة 266
مؤدى المادة أن الوصية ببيع عين من التركة لشخص بثمن معين قدره الموصي، والوصية له بتأجيرها مدة معينة كسنة أو سنتين، وبأجرة معينة سماها، هذه الوصية نافذة، إذا كان الثمن في البيع ثمن المثل، والأجرة أجرة المثل في الإجارة، وكذلك الحكم إذا كان الثمن أو الأجرة أقل من ثمن أو أجرة المثل بغبن يسير، فإن كان من الثمن أو الأجرة أقل من ثمن أو أجرة المثل بغبن فاحش، فإن كان هذا الغبن يخرج من ثلث التركة نفذت الوصية، وإن زاد على الثلث، وأجاز الورثة الوصية نفذت، وإن لم يجيزوها فلا تنفذ إلا إذا زاد الموصي له الثمن في البيع، والأجرة في الإجارة إلى ثمن المثل، أو أجرة المثل، ومصدر المادة مذهب الحنفية.
المادة 267
بينت المادة أنه إن كانت المنفعة مشتركة بين الموصي له والورثة، أو بين عدد من الموصي لهم، فإن طريق التوزيع الذي يختارونه ينفذ من غير تقييد لهم إلا اتفاقهم عليه، أو قضاء القاضي إن اختلفوا، فإما أن يوزعوا الغلة بينهم، بنسبة ما يخص كل واحد منهم، أو بقسمة العين بينهم، إذا لم يكن في القسمة ضرر على أحد، وكانت تحتمل القسمة، أو يضمنها قسمة مهايأة مكانية، بأن ينتفع كل واحد منهم بحصة من العين زماناً، ثم يتناوبوا الحصص عاماً بعد عام، فيحل كل محل الآخر فيما كان ينتفع به، أو مهايأة زمانية، بأن يأخذ كل واحد العين كلها زمناً ينتفع به، ويأخذها غيره زمناً آخر، وتكون مقادير الأزمنة بنسبة حصص كل واحد من الانتفاع به. ومصدر المادة هو مذهب الحنابلة، والشافعية في إطلاق حق الانتفاع، ومنع القسمة في حالة التضرر هو مذهبا الحنفية والمالكية.
المادة 268
قد يوصي الموصي بالمنفعة لشخص أو أشخاص، ويوصي بالرقبة لشخص آخر أو أشخاص، وفي هذه الحالة تكون نفقات العين الموصي بمنفعتها في مدة انتفاع الموصي له بالمنفعة عليه، سواء في ذلك نفقات الحفظ والصيانة، أو نفقات البناء، وذلك لأ��ه هو المنتفع، وهذه النفقا�� ضرورية لبقاء العين صالحة للانتفاع، وكذلك ضرائبها إن وجدت على المنتفع، لأنها مفروضة على الانتفاع، ولذلك تقدر نسبة ما تغله العين. وإذا لم تثمر العين الموصي بمنفعتها، أو لم تغل سنة من السنين لسبب خارج عن إرادة الموصي له، أو كان يزرع الأرض سنة، ويتركها سنة لمصلحة في الاستغلال فإنه يلزم بما يكون عليها من ضرائب في السنة التي لم تغل فيها، ومصدر المادة مذهب الحنفية.
المادة 269
تضمنت المادة أن الوصية بالمنفعة تسقط قبل تقررها أو بعده بما يأتي:
أولاً: إذا مات الموصى له المعين قبل بدء المدة، وكذلك إذا مات في أثنائها، ففي الحالة الأولى تبطل الوصية كلها، لعدم إمكانية تحقق إرادة الموصي، وفي الثانية تبطل في بعضها لنفس السبب.
ثانياً: بشراء الموصى له بالمنفعة العين الموصى له بمنفعتها، فإن كان شراؤه قبل ابتداء استحقاقه للمنفعة، بطلت الوصية في المدة كلها، وإن كان أثناء استحقاقه بطلت فيما بقي له.
ثالثاً: بإسقاط الموصى له حقه في المنفعة لورثة الموصى، وذلك بتنازله عنه، سواء أكان ذلك بالمجان، أم بعوض، كأن يدفعوا له مالاً مقدراً، على أن يترك لهم حقه في المنفعة، ذلك لأن من ملك حقاً ملك إسقاطه، ما لم يكن حقاً شخصياً ذاتياً، ولأن الإسقاط بعوض من قبيل المصالحة.
رابعاً: باستحقاق العين الموصى بمنفعتها، إذ يتبين أن الموصي قد أوصى بملك غيره.
المادة 270
بينت المادة أن لورثة الموصي حق بيع العين الموصي بمنفعتها من غير توقف على موافقة الموصي له، لأن ملكيتهم لها انتقلت إليهم بالميراث، وعلى ذلك فلهم حق التصرف فيها بكل التصرفات السائغة شرعاً، وإذا بيعت العين لغير الموصي له بالمنفعة، انتقلت إليه العين بجميع حقوقها، ما عدا حق الموصي له، فإن البيع لا يؤثر فيه، بل يستمر له حقه حتى تنتهي مدته، أو إلى آخر حياته إن كانت الوصية بالمنفعة مدة حياته.
المادة 271
إذا كانت الوصية بالمنفعة لعين مؤبدة، أو لمدة حياته، أو مطلقة عن الزمن، فإن الموصي له يستحق المنفعة مدة حياته، لأن الإطلاق عن المدة ينصرف إلى انتفاعه الكامل، وذلك يكون لمدة حياته، والتأبيد إذا ذكر يراد منه ما يناسب تقييد الوصية بانتفاع شخص الموصي له، وذلك لا يكون إلا بتقييد الانتفاع مدة حياته.
والوصية بالمنفعة ربما لا تبتدئ بالنسبة للموصى له من وقت الوفاة، بل قد تبتدئ بعد المدة، وذلك كما إذا كانت الوصية لمن يولد لفلان من أبناء. ففي هذه الحال يشترط لاستحقاق المنفعة ألا يمضي ثلاث وثلاثون سنة شمسية من وقت وفاة الموصي له إلى وقت وجوده واستحقاقه.
والحكم الوارد في هذه المادة لا يناقض ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 218 التي نصت على أنه يشترط في الموصي له أن يكون موجوداً عند الوصية إن كان معيناً، لأن المراد فيها وجود من كل معيناً بالذات لا بالوصف، والذي هنا معين بالوصف.
على أنه قد يتصور تراخي الاستحقاق إذا كان مقيداً بشرط، ولو يوجد في الموصي له، كأن يوصي الموصي بمنفعة دار يسكنها فلان ان أحيل على التقاعد، ومضت المدة الواردة في المادة قبل أن يحال فلان إلى التقاعد.
المادة 272
تضمنت هذه المادة بيان تقدير قيمة المنفعة الموصي بها، والحقوق العينية بالنسبة لقيمة العين ذاتها، فذكرت أنه إذا كانت الوصية بالمنافع كلها مؤبدة، أو مطلقة عن التقيد بزمن معين، أو لمدة حياة الموصي له، أو كانت لمدة تزيد على عشر سنين، فإن الحكم واحد في هذه الأحوال كلها. وهو أن تعتبر المنافع مساوية لقيمة العين نفسها، على معنى أن العين الموصي بمنفعتها على الوجه المذكور تحسب من الثلث، فإن كانت مساوية، أو أقل خرجت من التركة، وبقي للورثة ثلثاها.
فإن كانت الوصية لمدة عشر سنين فأقل، أو بمنافع العين، أو بعضها، فتقدر الوصية بالمنفعة في تلك المدة، أي بأجرة المثل.
وإذا كانت الوصية بحق من الحقوق، كحق الشرب، وحق التعلي، وحق الخلو، فإنه يقدر بمقدار أثره في العين التي حملته، فتقدر قيمة الحق، فإذا كان مقدار العقار غير محمل بالحق عشرة آلاف دينار مثلاً، أو قيمته محملاً تسعة آلاف دينار، كان مقدار الحق ألف دينار، وهو ما يستحقه الموصي له بالمنفعة.
الفصل الرابع
الوصية بالمرتبات
المواد 273 – 279
المرتب والراتب بمعنى واحد، ويراد بالمرتب قدر من المال يعطى في أوقات دورية متساوية في الزمن، كشهر أو سنة، كالوصية بمائة دينار شهرياً لفقراء مؤسسة مخصوصة. وقد تكون الوصية بالمرتبات لمدة معلومة، أو مدى الحياة، أو على التأبيد لجهة لا يظن انقطاعها كألفي دينار سنوياً للحرمين الشريفين.
وقد يكون المرتب لمعينين، أو معرفين بالوصف محصورين، أو لغير محصورين يظن انقطاعهم، أو لا يظن، والوصية بالمرتبات في أكثر أحوالها تكون من الغلة، فتدخل في الوصية بالمنافع.
وقد تكون الوصية بالمرتبات من قبيل الوصية بالأعيان، وذلك إذا كانت رأس مال التركة، وهو ما بينت المادة حكمه.
فذكرت أنه إذا كانت الوصية بالمرتب من رأس مال التركة، فإنها تقيد بالثلث، فلا تنفذ في أكثر منه إلا إذا أجازها الورثة، ولضمان تنفيذها تحبس عين من أعيان التركة تكفي غلاتها لسداد المرتب في أقساطه المختلفة، إذا كانت المدة المقررة للمرتب طويلة، وإذا كانت المدة قصيرة، حبست عين تضمن بقيمتها المرتب في المدة بحيث يستوفي من قيمتها، إن لم يكن استيفاؤه من غلاتها.
والمدة الطويلة هي ما زادت على عشر سنوات، والقصيرة هي عشر سنوات فأقل على ما مر في المادة السابقة.
وقد فرق بين المدة الطويلة والقصيرة في الحكم بالنسبة لحبس العين، فذكر أن العين في المدة القصيرة ينبغي أن تكون قيمتها مساوية للمرتب في المدة الموصي بها، لتكون ضماناً لاستيفاء المرتب منها، إذا كان الإيراد لا يكفي المرتب.
أما في المدة الطويلة، فيكفي أن يكون إيراد العين كافياً لتنفيذ الوصية منه حسب تقدير الخبراء، ولو كانت قيمتها أقل من المرتب في المدة، لأن وقف عين من التركة قيمتها مساوية للمرتب زمناً طويلاً يضر بالورثة في بعض الأحوال، كما إذا كانت غلة العين الموازنة أضعاف المرتب الموصي به، أو كان للورثة مصلحة خاصة في هذه العين مع وجود عين أخرى ذات إيراد يسع المرتب.
فإذا زادت الوصية على الثلث، وأجازها الورثة، خصصت العين الكافية، ولو كانت قيمتها أكثر من الثلث، وإن لم يجز الورثة الزيادة، خصصت عين تساوي الثلث فقط. ومصدر الوصية بالمنافع وبالأعيان مذاهب الأئمة الأربعة.
وبينت المادة (274) أن الوصية إذا كانت بمرتب من غلة التركة، أو من غلة عين منها لمدة معينة، تقوم التركة أو العين، محملة بالمرتب الموصي به، فإن خرج من ثلث المال، نفذت الوصية، وإن زاد عليه، ولم يجز الورثة الزيادة، نفذ منها بقدر الثلث، وكان الزائد من المرتب وما يقابله من التركة أو العين لورثة الموصي.
كما وضحت حكم الوصية بمرتب من غلة التركة، كما إذا أوصي بعشرة دنانير شهرياً من إيراد عمارته الكائنة بمنطقة كذا (وعينها) لأولاد فلان، وسماهم، أو لم يسمهم، أو لمسجد كذا لمدة عشر سنوات مثلاً، أو أكثر من ذلك، فذكرت أن الوصية تقدر بقيمة التركة كلها، أو العين الموصي بمرتب من غلاتها محملتين بالمرتب، وخاليتين منه.
والفرق هو مقدار الوصية، فإن خرج من الثلث نفذت الوصية، وإن زاد عليه، وأجاز الورثة الزيادة فالحكم كذلك، وإن لم يجزها الورثة نفذ من الفرق بين القيمتين ما يسعه الثلث.
فإذا كان الفرق بين القيمتين مثلاً ستة آلاف دينار، والثلث يساوي أربعة آلاف دينار، فإن الوصية تنقص إلى أربعة آلاف دينار، وعلى ذلك ينقص من المرتب ثلثه، فلا تتحمل التركة أو العين أكثر من أربعة آلاف دينار، تصرف إلى الموصي له في المواقيت المحددة، ويكون الزائد من المرتب وما يقابله من العين ملكاً للورثة.
ومصدر هذه المادة مذهب الشافعية.
وبينت المادة (275) حكم ما إذا كانت الوصية بمرتب لمعين مدة حياته، أو مطلقة، أو مؤبدة من رأس المال، أو الغلة.
فذكرت أن الوصية عند الاطلاق، أو التأبيد، أو المدة حياة الموصي له، تكون مدة حياة الموصي له، وتعتبر حياته سبعين سنة، ويستوي في ذلك أن تكون الوصية في رأس المال، أو الغلة، وذلك لحساب خروج الموصي به من ثلث التركة، فإن كانت في رأس المال، فقد بينت المادة (273) كيفية حساب الوصية منسوبة إلى رأس المال، وإن كانت في الغلة، فقد بينت المادة (274) كيفية حسابها، فيخصص من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة إذا كانت من رأس المال، وإذا كانت الوصية في الغلة تحسب حياة الموصي له سبعين سنة، لأن ذلك هو العمر الغالب في الناس.
وقد ذهبت بعض القوانين إلى أن الموصي له يعرض على الأطباء لتقدير كم يعيش، وحسب تقديرهم تحسب القضية.
ولم يؤخذ بهذا الرأي، لأن الأعمار بيد الله وحده، فلا يعرفها إلا هو سبحانه، ورأى الأطباء هو حدس وتخمين، فلا يصح تعليق حكم عليه في مثل هذه الحالة، وإن كان يؤخذ أو يستأنس بآرائهم فيما عداه.
والسند في العدول عن تقدير الأطباء في تحديد السبعين، هو قوله صلى الله عليه وسلم: “أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يحوز ذلك”، والمعتمد أيضاً في فقه مالك في سن التعمير، وما استحسنه الكمال من أئمة الحنفية. ومصدره الفقرة (جـ) مذهب المالكية.
وإذا مات الموصي له، أو انتهى وجوده قبل انتهاء المدة، انتهت الوصية تبعاً لذلك، لأن استحقاقه مربوط بحياته أو بقائه، وكان ما بقي بين الموصي به عيناً وغلة، أو عيناً فقط على حسب الأحوال لورثة الموصي ميراثاً عنه، لأنه جزء من التركة قد خلا من الوصية.
وإذا بقي الموصي له بعد السبعين سنة، فإن الوصية بالمرتب تجري عليه إلى نهاية حياته، وله أن يرجع بها على الورثة في حدود الثلث، خضوعاً لحكم الواقع. كما سار المشروع على حكم الواقع في حالة وفاة الموصي له قبل السبعين.
وكذلك ينتهي حق الموصي له بنفاذ المال الموقوف لتنفيذ الوصية، لأن الحق متعلق به دون غيره، فإذا نفذ انتهت الوصية، وفي جميع الأحوال أي سواء كانت الوصية مطلقة أو مؤبدة، أو مدة حياة الموصي له، في رأس المال، أو في الغلة، فإنه لا يجوز أن تقل مدة استحقاق الموصي له المرتب عن مدة عشر سنوات من تاريخ استحقاقه، لأن هذه هي المدة القصيرة التي قررها القانون.
وجاء في المادة (276) أن الوصية إذا كانت بمرتب من رأس المال، يستوفي الموصي له مرتبه من غلة العين المخصصة لذلك، فإذا لم تف الغلة بالمرتب، جاز للورثة إكماله من مالهم، لأن مصلحتهم في بقاء العين سليمة، فإذا لم يوفوا باع القاضي من العين بما يكمل قيمة المرتب.
وإذا زادت الغلة على المرتب في سنة ردت الزيادة إلى ورثة الموصى، وإذا كانت الوصية بمرتب من الغلة، فالموصي له يستوفي مرتبه من غلة العين المخصصة لذلك.
وإذا لم تغل العين في سنة ما يكفي المرتب، فإنه يستوفي ما نقصه من زيادة الغلة في سنة أخرى، لأن الموصي لم يجعل له حقاً إلا في الغلة، ولهذا يحبس الزائد في جميع السنين على حقه، ولا يسلم للورثة.
وهذا إذا لم ينص الموصي على أن الاستحقاق قاصر على الغلة سنة فسنة، أو وجدت قرينة على أنه أراد ذلك، كما إذا أوصى بعشرة دنانير كل سنة من غلتها، فإنه في هذه الحالة لا يستوفي ما نقصه من المرتب في سنة من غلة سنة أخرى، بل يعطي الزائد للورثة، أخذا من مذهب الحنفية في الحالتين.
وقررت المادة (277) أنه إذا كانت الوصية بمرتب لجهة لها صفة الدوام، كالحرمين الشريفين، وكانت مطلقة عن المدة، أو سبيل التأبيد، فإنه يوقف من مال الموصي ما تضمن غلته تنفيذ الوصية. بشرط ألا تزيد قيمته على ثلث التركة، إلا إذا أجازت الورثة الزيادة.
وفي هذه الحال تعتبر وقفاً على الجهة الموصي لها، فتكون غلة هذا القدر الموقوف للجهة المستحقة، زادت على المرتب أم نقصت عنه، ولا رجوع على ورثة الموصي عند نقص الغلة، ولا حق لهم في الزيادة، واعتبار العين وقفاً في هذه الحالة نتيجة ضرورية لدوام صرف المرتب، إذ لا يدوم صرفه إلا بوقف العين أبداً، وهذا معنى الوقف. وهذا أساس ما ذهب إليه الحنفية من اعتبار العين الموصي بغلتها للفقراء وقفاً ضرورة.
أما إذا كانت الوصية للجهة الدائمة لمدة معينة، فإنها حينئذ، أما أن تكون وصية لمعين، كالحرمين الشريفين، أو لموصوف محصور، كالعجزة الفقراء بدار المعوقين، وكطلاب مثلاً في تلك المدة وعلى ذلك تطبق عليها أحكام المادتين 274، 275.
وقررت المادة 278 أنه في الأحوال المبينة في المواد من 273 – 276 وهي الخاصة بالوصية بالمرتبات من رأس المال لمدة معينة، والوصية بمرتب من غلة التركة، أو من غلة عين منها لمدة معينة، والوصية للمعين بمرتب من رأس المال، أو الغلة، مطلقة أو مؤبدة، أو مدة حياة الموصي له، وحالة عدم وفاء غلة العين الموقوفة من التركة لتنفيذ الوصية.
وقررت المادة أنه في هذه الأحوال جميعها يجوز لورثة الموصي أن يطلبوا الاستيلاء على العين التي خصصت لاستيفاء المرتب من غلتها، وأن يودعوا نقداً جملة ما أوصى به من المرتبات في مصرف، أو أية جهة يختارها الموصي له، أو يعينها القاضي عند النزاع، ويخصص هذا المبلغ لتنفيذ الوصية، كما يجوز لهم عند قيامهم بذلك أن يتصرفوا في تلك العين، وبذلك ينتقل حق الموصي له إلى ذلك المبلغ المودع، يأخذ منه مرتبه كل شهر، أو كل سنة، حسب وصية الموصي، ولا يكون له بعد ذلك حق على التركة، فإذا هلك المال المودع لسبب من الأسباب، لم يكن للموصي له الرجوع على الورثة.
وحق الموصي له في هذا المال متعلق بذاته، يستوفي منه مرتبه عند استحقاقه، فليس له حق في نمائه، إذا نما في حالة من الحالات، وإنما يكون نماؤه للورثة، كما يكون لهم باقي المال إذا ما انتهت مدة الوصية قبل نفاذه بسبب وفاة الموصي له قبل نهاية المدة المحددة للاستحقاق.
وبينت المادة 279 حكم الوصية بالمرتبات أو من الغلة لقوم محصورين.
فقررت أنه إذا كانت الوصية لمحصورين، فيشترط أن يكونوا جميعاً موجودين وقت وفاة الموصي. هذا بخلاف الوصية بالأعيان والمنافع، إذ الوصية بهما لا يشترط فيها وجود الموصي لهم المعروفون بأوصافهم، لا وقت الوصية، ولا وقت وفاة الموصي.
لكن هنا اشترط وجودهم وقت وفاة الموصي لصحة الوصية، كما اشترط في الموصي له المعين وجوده وقت وفاة الموصي، وتقرر حياة كل من الموصي لهم بسبعين لسنة، حسبما نص عليه في المادة 275.
ومادام حكم المحصورين هو حكم الوصية لمعين، فإن الذي يطبق عليهم هو حكم المعين المبين في مواد القانون.
الفصل الخامس
الزيادة في الموصى به
المواد 280 – 284
بينت هذه المواد الخمس حكم الزيادة في الموصى به.
وقد سبق أن قررت المادة 229 من القانون أن إزالة بناء العين الموصي بها، لا يعتبر رجوعاً عن الوصية، كما لا يعتبر رجوعاً أيضاً كل فعل يزيل اسم الموصي به، أو يغير معظم صفاته.
ومثل ذلك الحكم، كل فعل يوجب زيادة في الموصي به لا يمكن تسليمه إلا بها.
وهذا كله إذا لم تدل قرينة، أو عرف على أن الموصي قد أراد بذلك الرجوع عن وصيته، وإلا عد ذلك رجوعاً منه.
والأحكام الواردة في المواد مصدرها بعض الآراء في مذهب الإمام مالك، التي رؤي أنها تحقق مصلحة، وتتسق وما تعارفه الناس في دولة الكويت.
وقد اشتملت هذه المواد على الأحكام الآتية:
أ – إذا غير الموصي معالم العين الموصي بها، كأن زاد في حجراتها بقسمة حجرة إلى حجرتين مثلاً، أو فتح فيها أبواباً أو نوافذ، أو قسمها إلى مساكن مستقلة، بإقامة جدر جديدة، وكذلك إذا جصصها أو دهن أبوابها، وأخشابها، فكل ذلك لا يغير من الايصاء بها، وتصير العين بحالتها التي آلت إليها موصي بها، لأن هذه الزيادة، والتغييرات تعد تحسيناً، وصيانة بقصد الزيادة في الانتفاع، فتكون تابعة لها، كأن العين لم يحصل فيها تغيير ولا زيادة، ومثل ذلك: في الحكم كل زيادة لا يمكن فصلها، أو يتعذر، أو إذا فصلت لا يكون لها أية قيمة بعد فصلها، وإن ترتب على ذلك زيادة في قيمة العين.
ب – إذا كانت الزيادة في الموصي به مما يستقل بنفسه، ويمكن تسليمه بدون الزيادة، وكان لها قيمة بعد فصلها فإن الزيادة تسلم للورثة، ويسلم الموصي به للوصي له.
جـ – إذا لم يمكن تسليم الموصي به بدون الزيادة، كالغراس والبناء، فإن العين تصير مشتركة بين الموصي له والورثة، فيكون للورثة قيمة الزيادة.
د – إذا كانت الزيادة مستقلة بنفسها، ولكنها مما يتسامح فيه عادةً، كبناء “مكان” للسيارة في العين الموصي بها، أو غرفة صغيرة على سطحها، أو غرس أشجار في حديقتها، أو تركيب أسلاك للكهرباء، أو أنابيب للمياه، ألحقت الزيادة بالوصية.
هـ – إذا زاد الموصي في الوصية زيادة صحبها قرينة تدل على أنه أراد إلحاقها بالوصية، كما إذا هدم بناء العمارة التي أوصى بها ثم جدده على وضعه، ولو مع تغيير معالمه. كأن كانت العمارة مكونة من طابقين، فأعادها كذلك، ولم يزد في مساحة البناء، ولو اختلفت مواد البناء، كأن كانت بالآجر، فبناها بالحجر أو بالعكس، أو كانت بالحجر فبناها بالحديد، ففي هذه الحال وأمثالها، يكون البناء الجديد موصي به بالوصية السابقة، وكأن الموصي قد أوصى به، ولم يحدث في العين الموصي بها أي تغيير.
و – إذا هدم الدار الموصي بها، وأعاد بناؤها على وضع لا يعد في العرف تجديداً، كأن كان الموصي به منزلاً، فجعله عمارة مثلاً، أو مصنعاً، فإن المبنى في هذه الحالة يكون مشتركاً بين الموصي له، وورثة الموصي، للورثة فيه بقدر قيمة البناء المستحدث، لأنه هو الذي زاد على الموصي به، ويكون الباقي للموصي له.
ز – إذا هدم الموصي بناء العين الموصي بها، وأضاف الأرض إلى أرض أخرى مملوكة له، وبنى عليهما بناء جديداً واحداً، فإن المبنى يكون شركة بين ورثة الموصي، والموصي له، للموصي في ذلك قيمة أرضه.
حـ – إذا جعل الموصي من بناء العين الموصي بها، ومن بناء عين مملوكة له، مبنى واحداً متحد المرافق، بحيث لا يمكن تسليم الموصي به منفرداً عما أضيف إليه، فإن الموصي له يشترك مع الورثة فيما استحدثه بقدر قيمة وصيته.
الفصل السادس
تزاحم الوصايا
المواد 285 – 287
معنى تزاحم الوصايا تعددها، وعدم اتساع الثلث لها كلها إن لم يجز الورثة، أو أجازوا، ولم تتسع لها التركة، فلا يمكن تنفيذها.
فإن وسعها الثلث أو وسعتها التركة، وقد أجازها الورثة. أو لم يكن ورثة قط، فلا يوجد تزاحم في هذه الأحوال، والحكم أنه عند التزاحم، يقدم حق أصحاب الوصية الواجبة، سواء أكان المتوفي قد أوصى لهم بحقهم أو لم يوصِ، إذ يستحقونها بحكم القانون، فإذا كانت تساوي الثلث، أخذوه، وإن كان نصيبهم أقل من الثلث استوفوه، والباقي من الثلث يكون لأصحاب الوصايا الاختيارية.
وإذا كانت الوصايا كلها اختيارية، فلذلك ثلاث أحوال:
الأولى: أن تكون كلها للعباد، وليس فيها شيء للقربات.
الثانية: أن تكون كلها للقربات.
الثالثة: أن يكون بعضها للعباد، وبعضها للقربات.
وحكم الحالة الأولى أنه إذا لم يسمع الثلث الوصايا، ولم يجز الورثة الزيادة، قسم الثلث بين أصحاب الوصايا بالمحاصة، وإن أجاز الورثة الوصايا كلها، وضاقت التركة عن تنفيذها، قسمت بالمحاصة أيضاً.
وفي الحالة الثانية أنه إن كانت القربات متعددة النوع، كأن كانت فرائض، كالوصية بما على الموصي من حج وزكاة، أو كانت واجبات كصدقة الفطر، والكفارات، والنذور، أو كانت كلها تطوعاً، كالصدقة على الفقراء، فإن الوصية في هذه الأحوال تكون للوصايا جميعها بالتساوي.
وفي الحالة الثالثة، فإن بين الموصي سهام كل جهة، ولم يسع الثلث الجميع، ولم يجز الورثة، وزع الثلث بنسبة السهام التي ذكرها، وان لم يبين كان لكل جهة بالتساوي، لأن الشركة عند الاطلاق تنصرف إلى المساواة، ومصدر هذه الأحكام مذهب الحنفية.
القسم الثالث
المواريث
الكتاب الأول
أحكام عامة
المواد: 288 – 294
للميراث شروط عامة، وشروط خاصة، والشروط العامة بينتها المادتان: 288، 281 وهي:
1 – أن يتحقق موت المورث فعلاً، أو أنه صار ملحقاً بالموتى تقديراً، كالمفقود الذي يحكم القاضي بموته.
2 – تحقق حياة الوارث وقت موت المورث، أو وقت الحكم باعتباره ميتاً، كما في الحمل الذي يولد حياً في وقت يبين أنه كان موجوداً عند وفاة المتوفى.
ويترتب على هذا أن المفقود لا يرث ممن مات بعد فقده، وقبل الحكم بموته، إذا كان بينهما سبب من أسباب الوراثة، وأنه لا توارث بين الغرقى ونحوهم ممن يموتون في وقت واحد في حادث أو حوادث متعددة، إذا كان لا يعرف من مات منهم أولاً قبل الآخر، وهو ما بينته المادة (290).
وقد بينت المادة (291) ما يؤدي من التركة مرتباً، فذكرت أنه يؤدى من التركة أولاً: ما يكفي لتجهيز الميت، وتجهيز من تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن، وقد قام تجهيز الميت، وتجهيز من تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن على أي حق آخر في التركة، وذلك مأخوذ من مذهب الحنابلة، فإنهم يقدمون تجهيز الميت على الدين المتعلق بعين من أعيان التركة، خلا للحنفية، والمالكية الذين يقدمون الدين المتعلق بالتركة على كفن الميت، ويرون أنه إن لم يكن في التركة غير العين التي تعلق بها دين، فإن كفنه يكون على من تلزمه نفقته في حال حياته. وكذلك يقدم تجهيز من تلزم الميت نفقته، كولد مات قبله، ولو بلحظة، ولم يجهز، وزوجته كذلك ولو غنية. وذلك مأخوذ من مذهب الحنفية فيما إذا ترك الميت غير العين التي تعلق بها الدين وما يكفي لتجهيزه، ومن تلزمه نفقته.
ثم يلي ما ذكر في أداء الحقوق المتعلقة بالتركة ديون الميت. والمراد بها الديون التي لها مطالب من العباد. أما ديون الله تعالى. كالزكوات، والكفارات فلا تؤدى من التركة، وذلك حسب مذهب الحنفية الذي جرى عليه القانون، خلافاً لجمهور الفقهاء الذين يرون إخراج ديون الله من كل التركة، سواء أوصى بها المتوفى قبل وفاته أم لم يوص.
والأصل في إخراج الديون من التركة بعد التجهيز قوله تعالى بعد ذكر الانصباء في سورة النساء: “من بعد وصية يوصى بها أو دين”، وأنه وإن قدم في الآية ذكر الوصية على الدين، فإن الدين مقدم عليها، لأن الدين واجب الأداء من أول الأمر على حين أن الوصية تبرع ابتداء من الموصى، والواجب مقدم على التبرع. وقد روى عن الإمام علي – كرم الله وجهه – أنه قال: “إنكم تقرأون الوصية قبل الدين، وقد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بالدين قبل الوصية”.
والديون الواجبة الأداء ليست في مرتبة واحدة، بل بعضها مقدم على بعض، على معنى أنه إذا ضاقت التركة عن أداء كل الديون، فيقدم الدين الموثق، كالدين المت��لق بعين، فإن الحنفية، والشا��عية، والمالكية يقدمونه على تجهيز الميت، خلافاً للحنابلة الذين يقدمون تجهيزه على كل دين. وإذا اتسعت التركة للديون كلها أخرجت منها، وإذا ضاقت أخرج الدين تعلق بعين، ثم دين الصحة، وهو كان ثابتاً ببينة، سواء أكان حال الصحة أم حال المرض، ثم دين المرض وهو ما ثبت بإقرار المريض، أو من هو في حكم المريض، كالذي يخرج للمبارزة. وهذا هو مذهب الحنفية.
وبعد الدين يؤدي من التركة ما أوصى به في الحد الذي تنفذ فيه الوصية، مع مراعاة ما نص عليه في مواد الوصية الواجبة.
ثم يأتي في المرتبة الثالثة بالنسبة لأداء الحقوق المتعلقة بالتركة بعد التجهيز، والدين، ما أوصى به الميت في الحد الذي تنفذ فيه الوصية، وهو الثلث، فإن اتسع الثلث لكل الوصايا أخرجت منك، وإن ضاق عنها، يقدم أصحاب الوصية الواجبة، سواء أكان المتوفى قد أوصى لهم بحقهم أم لم يوصي. واستحقوها، بحكم القانون، فإنهم يأخذونها، فإذا كانت تساوي أكثر من الثلث ولم يجز الورثة سواء، فإنهم يأخذون كل الثلث. وإن كانوا يأخذون أقل من الثلث، فإنهم يأخذون حصتهم كاملة، والباقي من الثلث يأخذه أصحاب الوصايا الاختيارية، فإن ضاق عنهم تحاصوا فيه بنسبة وصاياهم.
ثم بعد التجهيز، والديون، والوصية، يوزع ما بقي من التركة على الورثة.
فإذا لم يوجد ورثة باستحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره، ثم ما أوصى به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية، فإذا لم يوجد أحد من هؤلاء آلت التركة أو ما بقي منها إلى الخزانة العامة.
والإقرار بالنسب قد يكون للمقر له ابتداء، ثم يتعداه إلى غيره، مثل أن يقول: هذا ابني، فإنه بعد أن يثبت نسبه منه، متى توافرت في الإقرار شروط يكون أخاً لأولاد المقر، وابن الأخ لأخيه، وحفيداً لجده، وهكذا.
وقد يكون هذا الإقرار بنسب يحمله على غيره أولاً، ثم يتعدى إليه هو نفسه، مثل أن يقول المقر: فلان هذا أخي، إذ مقتضى هذا الإقرار أن يجعل المقر المقر له ابناً لأبيه أولاً، ثم بعد ذلك يكون المقر له أخاه، وهو ما ذكر بالفترة أولاً.
ويشترط لاستحقاق المقر له بالنسب على الغير في التركة أن يكون نسبه مجهولاً، وإلا كان الإقرار غير صحيح، وألا يثبت هذا النسب بالفراش أو البينة الشرعية، لأنه إن ثبت بأحد هذين الطريقين كان مستحقاً في التركة، باعتباره ابناً لمن حمل النسب عليه، كما يشترط أن يبقى المقر على إقراره حتى يموت، فإن رجع عنه كان مكذباً لنفسه، وحكم هذا الإقرار ألا يثبت لها إلا إذا ثبت بالبينة، أو يصدقه الغير الذي حمل عليه النسب، فإن لم يكن ذلك يعامل المقر بإقراره من ناحية الميراث وغيره من الحقوق التي ترجع إلى المقر نفسه.
فإن لم يوجد المستحق المقر له بالنسب على الغير، كان الاستحقاق لما أوصى به فيما زاد على الثلث، وذلك بإجماع الأئمة الأربعة، لأن امتناع جواز الوصية فيما زاد على الثلث إنما كان لحق الورثة، فإذا لم يوجد ورثة نفذت الوصية حسبما أوصى الموصي.
فإن لم يكن وارث، ولا مقر بالنسب، ولا موصى له بأكثر من الثلث، كانت التركة أو ما بقي منها للخزانة العامة.
وعند الشافعية أن بيت المال وارث من الورثة، فيأخذ كل التركة أو ما بقي منها.
وذهب الحنفية إلى أن بيت المال يأخذ التركة أو ما بقي منها على أنها من الضوائع التي لا يعرف لها مالك، ولذلك لا يشترط فيه شروط الميراث من اتحاد الدين، وغيره، بل يأخذ بيت المال تركة المسلم وغير المسلم، ويصرف في مصارف بيت المال، ولو كان ميراثاً ما أخذ تركة غير المسلم.
موانع الإرث:
نصت المادة (292) على موانع الإرث، فذكرت أولاً: القتل العمد، ويستوي من باشر القاتل القتل أو كان شريكاً، أو تسبب فيه، أو أمر به، أو دل عليه، أو حرض، أو شارك، أو راقب السكان أثناء مباشرة القتل، أو وضع السم، أو شهد زوراً، وحكم على المشهود عليه بالإعدام، ونفذ الحكم.
على أن القتل العمد لا يمنع الميراث دائماً، فهو لا يكون مانعاً منه، في هذه الأحوال، إذا كان القتل قصاصاً، أو حداً، أو كان القاتل في حالة دفاع شرعي عن النفس، أو المال، مما هو منصوص عليه في قانون الجزاء، وقتل الزوج زوجته والزاني بها عند مفاجأتهما، وكذلك قتل ذي الرحم المحرم محرمه والزاني بها، عند مفاجأتهما يزنيان، ولا يمنع من الميراث في حالة الدفاع عن النفس، ولو تجاوز حق الدفاع الشرعي. وذلك مأخوذ من مذهب الإمام مالك، كما أخذ منه أن القتل الخطأ لا يمنع من الميراث.
ثانياً: اختلاف الدين:
نصت الفقرة الأولى من المادة (293) على أنه لا توارث بين المسلم وغير المسلم، فالمسلم لا يرث غير المسلم، وغير المسلم لا يرث المسلم، لأن اختلاف الدين يمنع الميراث.
وحرمان غير المسلم من وراثة زوجه، أو قريبه المسلم أمر أجمع عليه المسلمون في كل العصور، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يتوارث أهل ملتين بشيء، ولا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم”.
وعدم وراثة المسلم الكافر قول أكثر الصحابة – رضوان الله عليهم – وهو رأي جمهور الفقهاء، من بعدهم، وذهب معاوية ومعاذ رضى الله عنهما إلى أن المسلم يرث من قريبه أو زوجه، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام يعلو ولا يعلى”، وفي الإرث نوع من الولاية للوارث لخلافته لمورثه في ماله، فلا تثبت لكافر على مسلم، وتثبت للمسلم على الكافر، فإنهم يرون أن يرث المسلم قريبه الكافر، وقد جرى القانون على رأي جمهور الصحابة، وهو أنه لا توارث مع اختلاف الدين.
ونصت الفقرة الثانية من المادة المذكورة على أن غير المسلمين يتوارث بعضهم وإن اختلفت دياناتهم، فالمسيحي يرث اليهودي، واليهودي يرث المسيحي.
وقد أخذ القانون في هذا بمذهب الحنفية، والشافعية، إذ يرون أن أهل هذه الملل، والديانات يعتبر كلها في مقابل الإسلام ملة واحدة، وديناً واحداً، ولذلك يتوارثون فيما بينهم، وإن اختلفت عقائدهم، لا فرق في هذا بين يهودي ونصراني، ولا بين واحد من أهل هاتين الديانتين ومجوسي، مثلاً.
وعند المالكية والحنابلة أن هؤلاء لا يتوارثون فيما بينهم إلا عند اتحاد الملة، والمقيدة، فاليهودي لا يرث قريبه إلا إذا كان يهودياً، وكذلك النصراني.
ونصت الفقرة الثالثة من المادة على أن اختلاف الدارين لا يمنع الإرث بين المسلمين، فالمسلم يرث المسلم، ولو كان أحدهما تحت سلطان دولة غير إسلامية، لأن الولاية الإسلامية تعم المسلمين، جميعاً بحكم الإسلام.
ونصت الفقرة الرابعة على أنه لا يمنع الوارث بين غير المسلمين اختلاف الدارين إلا إذا كانت شريعة الدار الأجنبية تمنع من توريث الأجنبي عنها، فإذا كانت لا تمنع، فإن اختلاف الدار لا يعد مانعاً، فإذا مات مسيحي بالكويت، وله ورثة في دولة أجنبية لا تمنع شريعتها ميراث الأجنبي عنها، فإن هؤلاء الورثة يرثون مورثهم الذي توفى بدولة الكويت.
ميراث المرتد:
بينت المادة (294) أحكام ميراث المرتد، فقد نصت الفقرة (أ) على أن المرتد لا يرث من أحد.
لا خلاف بين الفقهاء في أن المرتد، وهو من ترك الإسلام بإرادته واختياره لا يرث أحداً ممن يجمعه وإياهم سبب من أسباب الميراث المعروفة، لا من المسلمين بسبب اختلاف الدين، ولا من أهل الدين الذي انتقل إليه، أو أي دين آخر خلافه، لأنه لا يضر على الدين الذي انتقل إليه من ناحية، ولأنه صار في حكم الميت من ناحية أخرى، لإهدار دمه، بسبب الارتداد، لأنه يستتاب، فإن لم يرجع إلى الإسلام قتل، إن كان رجلاً، وإن كان امرأة تحبس حتى يدركها الموت.
أما ما له قبل الردة، أو بعدها، فقد نصت الفقرة (ب) على أنه يكون لورثته المسلمين عند موته، فإن لم يكن له ورثة من المسلمين يكون ماله للخزانة العامة، طبقاً لمذاهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة، الذين يرون أن ماله قبل الردة أو بعدها، إن مات أو قتل جزاء ردته، يكون فيئا، وحقا لبيت المال.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن ورثة المرتد المسلمين يرثون ماله الذي كان له قبل الردة. أما ماله الذي كسبه بعد الردة، فيكون لبيت المال، وذهب الصاحبان إلى أن ورثته المسلمين يرثون ماله كله قبل الردة وبعدها، وواضح أن القانون جرى على مذهب الصالحين.
الكتاب الثاني
أسباب الإرث وأنواعه
المواد: 295 – 310
قد نصت المادة (295) على أن أسباب الإرث الزوجية، والقرابة، وقد عبر بلفظ من أسباب الإرث، للإشارة إلى أن أسباب الإرث لا تنحصر في الزوجية والقرابة، إذ أن للإرث شرعاً سبباً آخر هو العصوبة السببية (ولاء العتاقة)، ولم يذكر ضمن أسباب الإرث في المادة، لأن الرقيق لا وجود له الآن، وقد ألغي الرق، ومنع بمعاهدات دولية، وممن وقع عليها دولة الكويت.
الباب الأول
الإرث بالفرض – إرث الزوجين
نصيب الزوجين في الميراث نص عليه في قوله تعالى في سورة النساء: “ولكن نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن، من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم”، فالزوج يأخذ نصف تركة زوجته المتوفاة إن لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى، فإن كان لها ولد استحق الربع فقط.
والزوجة تأخذ الربع إن لم يكن لزوجها المتوفى ولد، فإن كان له ولد استحقت الثمن، وتنفرد الواحدة بالربع أو الثمن، ويشترك فيه الأكثر من واحدة، الاثنتان، والثلاث، والأربع.
والولد هو من ينتسب إلى المتوفى ذكراً كان أم أنثى، وهم أولاده الصلبيون المباشرون ذكوراً كانوا أم إناثاً، وفروع أبنائه، أما فروع بناته فلا ينتسبون إليه، ولذلك قال الفقهاء: ان الذي ينقل نصيب الزوج من النصف إلى الربع، ونصيب الزوجة من الربع إلى الثمن هو الفرع الوارث، ويقصدون به صاحب الفرض، أو العصبة. أما إن كان من ذوي الأرحام فلا ينقل.
ويشترط في الفرع الوارث الذي يؤثر ذلك التأثير ألا يقوم به مانع من موانع الإرث، فإن كان للزوجة مثلاً ابن غير مسلم، أو كان هو الذي قتلها، فإنه يعتبر كالمعدوم، وكأنه ليس هناك فرع مطلقاً، وكذلك الشأن في كل ذي فرض يؤثر في نصيبه الفرع، فإنه يشترط ألا تتوسط بينه وبين الموت أنثى، وألا يقوم به مانع من موانع الإرث.
ويشترط في ميراث الزوجين أن تكون الزوجية قائمة وقت الوفاة حقيقة أو حكماً، بأن يكون المتوفى زوجاً عند الوفاة، أو تكون الزوجة معتدة من طلاق رجعي، أو يكون الشارع قد اعتبر المتوفى فاراً من الميراث، وكانت العدة قائمة. ونتيجة ذلك أنه يشترط في الميراث بالزوجية شرطان:
1 – أن تكون الزوجية صحيحة.
2 – أن تكون قائمة وقت الوفاة حقيقة أو حكماً، فإن كان الطلاق بائناً، فإنه لا توارث، ولو كانت الزوجة في العدة إلا إذا اعتبر المطلق فاراً من الميراث، وهذا كله في توارث المسلمين.
أما غير المسلمين ففي توارث الزوجين خلاف بين المذاهب.
الإرث بالقرابة:
يكون الإرث بالقرابة بطريق الفرض أو التعصيب.
والفرض سهم مقدر في التركة، كالنصف أو الربع، أو الثلث، أو السدس، أو الثمن، وصاحب الفرض هو من فرض له سهم في القرآن الكريم. أو السنة، أو الاجماع. والفروض المقدرة في القرآن الكريم سنة، النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس. ويبدأ في التوريث بأصحاب الفروض، وهم من ذكروا بالمادة 296. وقد بين في المواد من: 297 – 302 كيفية توريث أصحاب ا��فروض. وبينت المادة 303 أنه إذا ز��دت الفروض على التركة قسمت بينهم بنسبة أنصبائهم. ذلك أن الفرائض كما يقول بعض الفقهاء ثلاثة: فريضة عادلة. وفريضة قاصرة. وفريضة عائلة.
فالعادلة، هي أن تستوي سهام أصحاب الفروض مع سهام المال، كأن يترك المتوفى أختين شقيقتين، وأختين لأم، فيكون للشقيقتين الثلثان، وللأختين لأم الثلث.
والفريضة القاصرة، هي أن تكون سهام أصحاب الفروض دون المال، لكن توجد عصبة، فإنهم يأخذون الباقي بعد أصحاب الفروض.
والفريضة العائلة، هي أن تكون سهام ذوي الفروض أكثر من سهام المال، كأن يكون للمتوفى أختان شقيقتان، وزوج، فللشقيقتين الثلثان، وللزوج النصف، وعندئذ يوجد العول، وهو موضوع المادة (303).
وإذا كان لوارث جهتا إرث ورث بهما معاً، كزوج هو ابن عم وأخ لأم هو ابن عم.
الباب الثاني
الإرث بالتعصيب
المواد: 304 – 310
عصبة الرجل في اللغة قرابته، وكأنها جمع عاصب، وإن لم يسمح هذا الجميع مثل طالب وطلبة، وظالم وظلمة، من عصب القوم بفلان إذا أحاطوا به.
والعاصب في الميراث هو من ليس له فرض مسمى، وهو من يأخذ كل الميراث، إن لم يكن للميت وارث صاحب فرض أو الباقي، وإن وجد وارث صاحب فرض لم يستغرق فرضه التركة، ولا يأخذ شيئاً إن استغرقت الفروض التركة.
والأصل في ميراث العاصب قوله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم للذكور مثل حظ الأنثيين”، وقوله تعالى: “وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر”.
والعصبة نوعان: عصبة نسبية، وعصبة سببية.
والعصبة السببية المراد بهم المعتق، وعصبة الذكور، ولا ميراث لهم الآن، كما سبق القول.
والعصبة النسبية هم أقارب الميت الذكور، ومن ينزل منزلتهم من الإناث الذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى، كالابن، وابن الابن، والأب، والجد، والأخ الشقيق، والعم الشقيق، وفروع الذكور.
وهم ثلاثة أنواع:
1 – عصبة بالنفس.
2 – عصبة بالغير.
3 – عصبة مع الغير.
(1) العصبة بالنفس:
هم الذكور من الأقارب الذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى، كالابن، وابن الابن، والأب، والجد، والأخ الشقيق أو لأب، وهؤلاء هم الأصل في التعصيب، لأن العصبة في الأصل من قبل الرجال.
(2) العصبة بالغير:
هن النساء صاحبات الفروق اللاتي يكون في طبقتهن رجل ذكر، يكون عصبة بنفسه، فتكون عصبة به، ويكون للذكر مثل حظ الانثيين. فشرط العصبة بالغير أمران:
(1) أن تكون الأنثى صاحبة فرض.
(2) أن تكون مع من يعصبها في درجة واحدة، وقوة قرابة واحدة، كالأخ الشقيق مع الأخت الشقيقة، والأخ لأب مع الأخت لأب، ولا يستثنى من ذلك إلا حالة وجود ابن ابن الابن مع بنت الابن، فإنها إذا احتاجت إليه تكون عصبة به، مع اختلاف الدرجة، فإنها لو لم تعتبر عصبة به لا تأخذ شيئاً من الميراث، مع أنها أعلى منه درجة، فجعلت عصبة به حتى لا يكون شذوذ بتوريث الأبعد دون الأقرب، فإذا لم تكن في حاجة إليه فإنها لا تكون عصبة به، كما إذا كان معها في درجتها كم يعصبها من أخ، أو ابن عم.
(3) العصبة مع الغير:
هي كل أنثى احتاجت في عصوبتها إلى الغير الذي ليس عصبة أصلاً لا بنفسه، ولا بالغير، وهي اثنتان فقط: الأخت الشقيقة، والأخت لأب مع الفرع الوارث المؤنث، سواء أكانت بنتاً صلبية أم بنت ابن، وسواء أكانت واحدة أم أكثر، والأصل في هذا قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: “اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة”.
وقد بينت المادة (305) جهات العصوبة بالنفس وترتيبها في الإرث، وبينت المادة (306) كيفية توريث العصبة بالنفس في حالة الاتحاد في الجهة، واختلافها بما لا يحتاج إلى بيان.
ميراث الأب والجد:
بينت المادة (309) نصيب الأب والجد إذا اجتمع مع البنت أو بنت الابن وإن نزل بأنه السدس فرضاً، والباقي بطريق التعصيب.
ميراث الأب:
المقرر في أحكام الميراث أن للأب حالات ثلاثاً:
(1) بطريق الفرض.
(2) الإرث بطريق التعصيب.
(3) الإرث بهما معاً.
(1) فيرث بطريق الفرض وهو السدس إذا كان هناك فرع مذكر بقوله تعالى: “ولأبويه لكل واحد منها السدس مما ترك إن كان له ولد” فما دام الولد ابناً فللأب السدس فرضاً، لأن الولد الابن في هذه الحالة هو العاصب، فيأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض.
(2) يرث الأب بطريق التعصيب إذا لم يكن للميت فرع مطلقاً، وذلك ثابت بقوله تعالى: “فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث”، فإن التصريح بنصيب الأم يفيد أن للأب الباقي.
(2) يرث أب بطريق الفرض والتعصيب عند وجود الفرع الوارث المؤلف، فيأخذ السدس فرضاً، والباقي تعصيباً. أما السدس فلقوله تعالى: “ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد”، وأما الباقي فللحديث الشريف: “ما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر”، لأن الأب في هذه الحالة أقرب رجل ذكر، وذلك إذا كان في التركة باق، فإن لم يكن باق، فلا شيء له سوى فرض السدس. وذلك كما إذا توفى الميت عن أبوين، وزوجة، وبنتين، فإن للزوجة في هذه الحالة التمن، وللبنتين الثلثين، ولكل من الأبوين السدس، فلم يبق شيء من التركة بعد أصحاب الفروض، بل قد زادت الفروض عن التركة.
ميراث الجد:
الجد العاصب إذا لم يكن معه إخوة، ولا أخوات، فله الحالات السابقة التي للأب، لأن للجد عند فقد الأب كثيراً من الأحكام الشرعية التي للأب، فهو كالأب من حيث الولاية على النفس، ومن حيث الولاية المالية، وكالأب في أنه لا يقتل بولده، وفي أن حليلة كل من الآخرين لا تحل له، وفي عدم قبول الشهادة له، وفي أنه لا يجوز دفع الزكاة إليه، وهو يسمى أباً مجازاً عند عدم وجود الأب الحقيقي، ولذلك ينطبق عليه قوله تعالى: “ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد، وورثه أبواه فلأمه الثلث”، وهو في حال التعصيب أقرب ذكر.
أما إذا كان مع الجد إخوة أو أخوات أشقاء أو لأب، فنصيبه هو ما بينته المادة (310) التي نصت على أنه إذا اجتمع الجد مع الإخوة والأخوات لأبوين كانت له حالتان:
الأولى: أن يقاسمهم كأخ إن كانوا ذكوراً فقط، أو ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً عصبن مع الفرع الوارث من الإناث.
الثانية: أن يأخذ الباقي بعد أصحاب القروض بطريق التعصيب وإذا كان مع أخوات لم يعصبن بالذكور، أو مع الفرع الوارث من الإناث.
على أنه إذا كانت المقاسمة أو الإرث بالتعصيب على الوجه المتقدم يحرم الجد من الإرث، أو تنقصه عن السدس اعتبر صاحب فرض السدس، ولا يعتبر في المقاسمة من كان محجوباً من الإخوة، أو الأخوات لأب.
وميراث الجد مع الإخوة محل خلاف بين الصحابة، ومن بعدهم. فمذهب أبي بكر، وابن عباس، وابن عمر، وكثير من الصحابة أن الجد كالأب يحجب الأخوة والأخوات، فلا يرثون شيئاً معه، وذلك ما أخذ به الإمام أبو حنيفة، مستدلين بما سبق من أنه كالأب في كثير من الأحكام. ومذهب على بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت أن الجد يقاسم الإخوة والأخوات، فيعتبر أخاً شقيقاً مع الإخوة الأشقاء، وأخاً لأب مع الإخوة لأب، ويكون الميراث بالتعصيب، للذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان لا ينقص نصيبه في المقاسمة عن السدس، فإن نقص عن السدس أعطى السدس، ويأخذ الإخوة والأخوات الباقي، للذكر ضعف الأنثى… إلخ. وحجة سيدنا على، ومن معه أن ميراث الإخوة ثبت بالقرآن الكريم، فلا يحجبون إلا بنص. أو إجماع، أو قياس صحيح، ولم يوجد شيء من ذلك، والإخوة والأخوات تساووا مع الجد في سبب الاستحقاق، إذ أن كلاً من الجد، والإخوة يدلى إلى الميت بالأب، فالجد أبوه، والإخوة أبناؤه، وقرابة البنوة ليست أقل درجة من قرابة الأبوة، وواضح أن القانون جرى على ما هو مذهب علي بن أبي طالب – رضى الله عنه – ومن معه.
الكتاب الثالث
الحجب
المواد 311 – 317
الحجب لغة المنع مطلقاً، وفي اصطلاح الفرضيين منع شخص عن ميراثه كله، أو بعضه بوجود شخص آخر، وهو نوعان:
الأول: حجب نقصان عن الحصة من الإرث إلى حصة أقل منها؛ كانتقال الزوج لسبب وجود الولد من النصف إلى الربع، وكانتقال الزوجة لسبب وجود الولد من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس بوجود الإخوة.
الثاني: حجب حرمان من الميراث، كحجب ابن الأخ بالأخ، وابن العم بالعم.
والوارثون بالنسبة للحجب أنواع أربعة:
الأول: قسم مستحق لنصيب كامل لا ينقص، كالبنت عند انفرادها، فإنها تستحق النصف ما دامت منفردة، وهذا القسم هو الذي قام به سبب الإرث، وانتفت موانعه.
الثاني: من قام به سبب الإرث، وقام به مانع من موانعه، كأن يكون قاتلاً، أو مختلفاً في الدين مع المتوفى، أو مختلفاً في الدار، وهذا يعتبر في حكم المعدوم، فلا يرث شيئاً، ولا يؤثر في نصيب غيره بحال من الأحوال، فإذا كان للمتوفى ابن قاتل، أو غير مسلم، فإنه يكون كالمعدوم، لا ينقص نصيب الزوج، ولا الزوجة، ومثل هذا يسمى ممنوعاً، أو محرماً (المادة 312).
الثالث: ورثة قام بهم سبب، وانتفى المانع، ولكن وجد من هو أولى منهم بالميراث، فلم يأخذوا شيئاً، كالجد عند وجود الأب، والأخ لأب عند وجود الأخ الشقيق.
الرابع: من قام به سبب الإرث، وانتفت موانعه، ولم يوجد من هو أولى منه، ولكن وجد من اقتضى وجوده تعديل الأنصبة، فانتقص نصيبه من الأكثر إلى الأقل، كأحد الزوجين من الفرع الوارث.
الكتاب الرابع
الرد
المادة 318
الرد هو الدرجة الثالثة في توزيع الميراث، إذ يكون إذا لم تستغرق الفروض التركة، ولم توجد عصبة من النسب تأخذ باقي الميراث وهو ضد العول.
وللرد حسبما جاء في المادة مرتبتان:
أولاهما: الرد على أصحاب الفروض غير الزوجين، ويكون ذلك إذا لم توجد عصبات.
الثانية: الرد على الزوجين إذا لم يوجد أصحاب فروض ولا عصبة، ولا ذوو أرحام، ففي هذه الحالة يرد على الزوجين.
وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الرد على خمسة أقوال:
الأول: رأى عبد الله بن مسعود أنه يرد على أصحاب الفروض ما عدا الزوجين، والأخت لأب إن كان نصيبها السدس، وبنت الابن إن وجدت بنت صلبية، وأولاد الأم، والجدات، وحجته أن الرد لا يثبت إلا للأقوى من أصحاب الفروض الذي لم يحدد لهم نصيب بعينه في القرآن الكريم لا يقبل التخلف، كالبنت، والأم، والأخت الشقيقة، أو الأب إن لم توجد شقيقة، فإن هؤلاء لهم قوة في الفرضية بالنسبة لغيرهن، وأنصبتهم قابلة للتغيير فأشبهت العصبة.
الثاني: رأى عثمان رضي الله عنه أنه يرد على أصحاب الفروض جميعاً، لأن العول ينقص أنصبتهم بما فيهم الزوجان، فحيث يثبت العول يثبت الرد، لأن العزم بالغنم.
الثالث: قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في إحدى الروايتين عنه أنه يرد على كل أصحاب الفروض ما عدا الزوجين، والجدة، وذلك لأن فروض هؤلاء ثابتة بالنص، فلا يزاد عليها، لأن الرد زيادة من غير دليل.
الرابع: رأى زيد بن ثابت أنه لا يرد على أصحاب الفروض، لأن فروضهم ثابتة بالنص، والرد زيادة على ما جاء بالنص.
الخامس: رأى علي رضي الله عنه أنه يرد على أصحاب الفروض جميعاً، عدا الزوجين، لقيام الدليل على استحقاقهم بدليل آخر هو قوله تعالى: “وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض”، إذ الآية تثبت لذوي الفروض حقاً آخر غير الفروض، وكذلك لما روى أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله: إني تصدقت على أمي بجارية، فماتت، وبقيت الجارية. فقال عليه الصلاة والسلا��: “وجب أجرك، ورجعت إليك الجارية في الميراث”، فلو لم يكن ردها ما كانت تستحق الجارية كلها.
وقد اختار الحنفية، والحنابلة رأي الإمام علي. واختار مالك، والشافعي رأي زيد بن ثابت.
وجرى القانون على رأي علي – كرم الله وجهه – في الرد على ذوي الفروض جميعاً عدا الزوجين، مع رأي سيدنا عثمان في الرد على الزوجين أيضاً. لكنه جعل الرد على الزوجين بعد ميراث ذوي الأرحام إذ رأى من المصلحة تطوير الرد على أحد الزوجين مع تأخيره عن ذوي الأرحام، فإذا لم يوجد أحد من ذوي الفروض، ولا من العصبة النسبية، ولا من ذوي الأرحام مع أحد الزوجين، أخذ كل التركة فرضاً، ورداً، لأن صلة الزوجين في الحياة تقتضي في هذه الحالة الحق في مال الآخر بدلاً من المستحقين الآخرين.
واقتصر في الأخذ بمذهب عثمان بن عفان على ما إذا لم يوجد مع أحد الزوجين ذو فرض أو ذو رحم، محافظة على صلة القربى، التي تربط البيت بقرابته بقسمة ماله بينهم وبين أحد الزوجين. قال الله تعالى: “وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض”، وكذلك رأى أن من المصلحة تقديم الرد على ذوي الفروض، وتوريث ذوي الأرحام، والرد على الزوجين على غير العصبة من النسب، أخذاً برأي كثير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود.
الكتاب الخامس
الإرث بسبب الرحم
المواد 319 – 327
ذوو الأرحام وأولوا الأرحام بمعنى واحد في اللغة، هم الأقارب الذي تربطهم الأرحام، فتشمل الكلمة كل الأقارب مهما تكن درجات توريثهم.
أما في الاصطلاح فذوو الأرحام هم الأقارب الذين ليسوا أصحاب فروض، ولا عصبة، ويكونون الإناث أو الذكر الذين تتوسط بينهم وبين الميت أنثى غالباً، ومرتبتهم في التوريث كما جاء في القانون بعد الرد على أصحاب الفروض النسبيين، فهم في ميراثهم قد توسطوا نوعي الرد، فيقدم عليهم الرد على غير الزوجين، ويليهم الرد على الزوجين.
وذوو الأرحام أصناف أربعة، مقدم بعضها على بعض في التوريث، وقد بين ذلك في القانون في المواد: 319 – 325
وميراث ذوي الأرحام موضع خلاف بين الصحابة، ومن بعدهم، فذهب الإمام علي، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، عبد الله بن مسعود، وغيرهم من كبار الصحابة رضى الله عنهم إلى توريثهم بعد العصبات، والرد على ذوي الفروض النسبية.
وذهب زيد بن ثابت، ومعه بعض الصحابة إلى أنهم لا يأخذون شيئاً، ويكون المال لبيت مال المسلمين. وقد اختار القول الأول الإمامان: أبو حنيفة وأحمد – رضي الله عنهما – مستدلين:
أولاً: بقوله تعالى: “وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله”، وأولوا الأرحام كلمة عامة تشمل الأقارب جميعاً سواء أكانوا عصبات، أم ذوي سهام مقدرة، أم لم يكونوا من الفريقين. فذوو الأرحام الذين ليسوا أصحاب فروض، ولا عصبة داخلون في الأولوية التي ذكرها القرآن الكريم، ومن الأولوية أن يأخذوا مال بعضهم إن لم يكن سواهم، فهم أولى من غيرهم بنص كتاب الله. فيكونون بلا ريب أولى من بيت المال.
ثانياً: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى الخال عند عدم وجود غيره، وأسند ذلك الحكم إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ قال: “إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله ورسوله ولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له”، فكان هذا سنة صريحة في صحة توريث ذوي الأرحام، ولا يمكن لأحد من هذا النص أن يقول إن توريث الأرحام لا سند له.
ثالثاً: أنه إذا لم يأخذ ذوو الأرحام التركة أعطيت لبيت المال، أي جماعة المسلمين، ذوو الأرحام من جماعة المسلمين، ويزيدون أنهم من قرابة الميت، فيرجحون على غيرهم من المسلمين في أخذ ما تركه قريبهم.
واختار قول زيد بن ثابت رضي الله عنه الإمامان: مالك والشافعي – رضي الله عنهما – مستدلين بأن الله تعالى بين في محكم كتابه الورثة وأنصباءهم، ولم يعط ذوي الأرحام شيئاً، ولم تصح في ميراثهم سنة، فيكون إعطاؤهم من غير نص، ولا حمل على نص، ولا يعطى أحد حقاً بغير نص، ولا حمل على نص، بل لقد صح عندهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ميراث العمة، والخالة، فقال: أخبرني جبريل أن لا شيء لهما.
وقوله تعالى: “وأولوا الأرحام بعضهم أوى ببعض في كتاب الله”، وقوله تعالى: “للرجال نصيب ما ترك الوالدان، والأقربون، وللنساء نصيب ما ترك الوالدان والأقربون”، آيتان مجملتان بينتهما آيات الموارث، فلا تدلان بعمومهما على شيء زائد، لأنه إذا اجتمع عام وخاص، حمل العام على الخاص، كما إذا وجد المجمل، وما بينه حمل المجمل على المبين.
وإذ كان الأمر كذلك عند الإمامين: مالك والشافعي، وأن لا رد على ذوي الفروض كان بين المال عندهما أولى من الرد، ومن إعطاء ذوي الأرحام، وعندهما أن بيت المال يكون أولى من الرد، ومن ذوي الأرحام إذا كان القائم عليه عدلاً، يعطى كل ذي حق حقه، ويصرف مال بيت المسلمين في معارفه، أما إذا لم يكن بيت المال منظماً، ولم يكن القائم عليه عدلاً، يصرف المال في مصارفه الشرعية، فإن الأساس الذي بنيت عليه الأولوية قد تغير، وبذلك يتغير الحكم، ولذلك فإنه لما فسد نظام بيت المال في القرن الثالث الهجري، واستمر الفساد، أفتى بعض علماء المالكية، والشافعية بتوريث ذوي الأرحام بدل إعطاء بيت المال، وصار هذا الرأي هو المفتى به، وقد صرح الإمام الشافعي بأن أخذ ذوي الأرحام في هذه الحالة هو من باب رعاية المصلحة، لا من باب التوريث.
هذا والذين رأوا توريث ذوي الأرحام اختلفوا في ذلك على ثلاث طرائق: إحداهما الطريقة الواردة في القانون، وهي مذهب الإمام علي رضي الله عنه، وبه أخذ الحنفية، وهي طريقة أهل القرابة، أي ترتيبهم بحسب قرابتهم في ذاتها، من حيث قوة الأولوية في ذاتها، إذ أن القرابة مختلفة في قوتها، فالمستحق من ذوي الأرحام هو أول قريب، كما أن المستحق في التعصيب هو أقرب رجل ذكر، فقاسوا الأولوية في القرابة بالنسبة لذوي الأرحام على الأولوية في القرابة بالنسبة للعصبات، وعلى ذلك قسموا ذوي الأرحام إلى أصناف، كما قسمت العصبات، إلى جهات، واعتبروا الأولى من ذوي الأرحام الفرع، كما كان الحال بالنسبة للعصبات، واعتبروا الترجيح بقوة الدرجة، ثم بقوة القرابة، ثم يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، كما هو الشأن في العصبات، ولا اعتبار لتعدد وجهات القرابة في وارث من ذوي الأرحام إلا عند اختلاف الجهة، على معنى أن قرابة الأب جهة، وقرابة الأم جهة، فإذا اجتمع قريب من ذوي الأرحام من جهة الأب، وقريب من جهة الأم، كان لقرابة الأب الثلثان، ولقرابة الأم الثلث، كعمة لأب وأم، وخالة الأم، فإن للعمة الشقيقة ثلثي تركة الميت، وللخالة للأم الثلث. وهذا هو ما نصت عليه المادة 326.
الكتاب السادس
المقر له بالنسب
المادة 328
شمل هذا الكتاب مادة واحدة هي المادة “328”، وقد بين فيها ميراث المقر له بالنسب، سواء أكان الإقرار على النفس أم على الغير.
وقد سبق الكلام على المقر له بالنسب على الغير وشروط استحقاقه – عند الكلام على من يستحقون الميراث إذا لم يكن ورثة، فيكتفى به.
الكتاب السابع
أحكام متنوعة
الباب الأول
الحمل
المواد 329 – 331
بينت هذه المواد ميراث الحمل من أبيه وغير أبيه، والنصيب الذي يوقف له حتى ولادته، والشروط الواجب توافرها فيه، لاستحقاقه الميراث، وقد نصت المادة “289” من القانون على أنه “يشترط لاستحقاق الإرث تحقق حياة الوارث وقت موت المورث حقيقة أو حكماً”.
ويكون الحمل مستحقاً للإرث إذا توافر فيه ما نص عليه في المادة “330” من هذا القانون.
والحمل وهو في بطن أمه يتردد بين الوجود والعدم، لأنه إن ولد حياً استندت حياته إلى وقت وفاة المورث، وإن ولد ميتاً اعتبر معدوماً وقت الوفاة، وكذلك يتردد الحمل بين أن يكون ذكراً أو أنثى وفي أكثر الأحيان يختلف النصيب باختلاف الذكورة والأنوثة، وقد يكون فرضه ذكراً أحسن له، وقد يكون فرضه أنثى أوفر له.
ومن أجل ذلك فإنه إن وجد في الورثة حمل فلا يمكن توزيع التركة توزيعاً نهائياً قبل الولادة، بل لا يمكن قسمتها ولو بالسهام قبلها، وتأخير تقسيم التركة إلى ما بعد الولادة قد يلحق الضرر بمستحقيها، فتحقيقاً لمصلحة الحمل والمستحقين نصت المادة 329 على أنه يوقف للحمل من تركة المتوفي أوفر النصيبين على تقدير أنه ذكر أو أنثى.
وللحمل حالات أربع: الأولى: أنه لا يرث مطلقاً، كما إذا توفي رجل عن زوجة، وأختين شقيقتين، وأم وزوجة أب حامل، فإن الحمل هنا لا يرث على أي فرض ذكراً كان أو أنثى، لأنه إن كان ذكراً فهو أخ لأب يأخذ الباقي، وليس في المسألة باق، وإن كان أنثى فهو أخت لأب محجوبة بالأختين اللتين تأخذان الثلثين.
الثانية: أن يرث قدراً واحداً ذكراً كان أو أنثى، وذلك إذا كان من أولاد الأم، كأن يكون المورثة، أماً حاملاً من غير أبي المتوفي، وأختاً شقيقة، وأختاً لأب، ففي هذه الحالة يستحق الحمل السدس، لأنه من ولد الأم.
الثالثة: أن يرث على أحد الفرضين، ولا يرث على الفرض الآخر، كما إذا كان الورثة زوجاً، وأختاً شقيقة، وآخرين لأم، وزوجة أب حاملاً، فالحمل في هذه الحالة إن كان ذكراً لا يأخذ شيئاً، لأنه عاصب، وقد استغرقت الفروض التركة، وإن كان أنثى استحق السدس تكملة للثلثين مع الأخت الشقيقة.
الرابعة: أن يرث على فرض الذكورة، والأنوثة، ويختلف النصيب من كلا الفرضين، وفي هذه الحالة تحل المسألة حلين: حلاً على فرض الذكورة، وآخر على فرض الأنوثة، ويعطي للورثة الموجودين أبخس الأنصبة، ويحفظ للحمل أوفر النصيبين، مضافاً إليه فروق الأنصبة، ومن يتأثر بالتعدد يؤخذ منه كفيل.
وذلك كما إذا توفي عن زوجة حامل، وبنت، وأبوين، فللزوجة في هذه الحالة الثمن، ولكل من الأبوين السدس، والباقي للحمل إن كان ذكراً، وللبنت، للذكر، مثل حظ الأنثيين وإن كان الحمل أنثى، فللزوجة الثمن، ولكل من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، فنعول المسألة إلى 27.
هذا، ويشترط لميراث الحمل شرطان:
أولهما: أن يولد كله حياً، بأن تستمر حياته حتى تمام الولادة فإن مات قبل تمامها، فلا يرث. وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد. أما الحنفية فلا يشترطون ولادته كله حياً. بل يكفي لاستحقاقه الميراث أن ينزل أكثره حياً. وقد جرى القانون على مذاهب الأئمة الثلاثة.
ثانيهما: أن يثبت أنه كان في بطن أمه وقت وفاة المورث، وذلك يكون بطريقتين: إحداهما التأكد الحقيقي، وذلك بولادته لسبعين ومائتي يوم على الأكثر من تاريخ الوفاة.
ويكون هذا إذا كانت الزوجية قائمة وقت الوفاة بين الحامل وصاحب الحمل، ولا تتصور هذا الحالة إلا إذا كان الولد ليس صلباً للمتوفي، فإن ولدته لأكثر من هذه المدة فلا يرث. فإن كانت الحامل زوجة أو معتدة موت، أو فرقة، ومات المورث أثناء العدة، فإن الحمل يرث إذا ولد حياً لخمسة وستين يوماً وثلاثمائة يوم على الأكثر من تاريخ الموت أو الفرقة، ويثبت نسبه، وهذا هو التأكد الحكمي، وهو الطريقة الثانية.
وهذه هي الأحكام التي وردت بالمادة 330 وقد عول التأكد الحكمي، لأن الشارع حكم بثبوت النسب في هذه الأحوال، قيام الزوجية وقت الوفاة – الاعتداد من موت أو فرقة – وما دام قد ثبت النسب، فيحكم بما يترتب عليه، وهو الميراث. وقد نصت المادة 329 على أنه إذا نقص الموقوف للحمل عما يستحقه يرجع الباقي على من دخلت ا��زيادة في نصيبه من الورثة. وإذا زاد الموقوف للحمل مما يستحقه، رد الزائد على من يستحقه من الورثة.
الباب الثاني
المفقود
المادتان 332، 333
عرف الفقهاء المفقود بأنه الغائب الذي لا تعلم حاله أهو حي أم ميت. واختلف الأئمة في الوقت الذي يحكم فيه بموته، فذهب الإمامان، أبو حنيفة، ومالك إلى موته يكون من وقت حكم القاضي، ولكن حياته قبل ذلك لا تثبت له حقوقاً لم تكن، فلا يرث فيمن يورث قبلها، لأن حكم القاضي هو السبب، فيسري من وقته، وحياته قبل ذلك ثابتة – يقتضي استصحاب الحال، واستصحاب الحال يصلح حجة لبقاء الحقوق الثابتة، ولا يصلح حجة لإثبات حقوق غير ثابتة. وقال الشافعية، والحنابلة: إن المفقود يرث من يموت في حال فقده، وقبل الحكم بموته، لأن حياته قد فرضت قائمة ثابتة، وما دامت مفروضة، فإنه يثبت له كل الحقوق التي توجبها الحياة. وأصل الخلاف في استصحاب الحال، فالحنفية يقصرونه على إبقاء الحقوق الثابتة، ولا يأتي بحقوق لم تكن ثابتة، فهو يمنع انتقال ما يملكه المفقود إلى ورثته، ولكن لا يثبت ملكية المفقود في ما غيره. أما الشافعية. والمالكية فإنه يقولون: أن استصحاب الحال يثبت الحقوق كلها من غير تفرقة.
وهذا كله إذا لم يعلم تاريخ وفاته بدليل شرعي من بينة، أو ورقة رسمية تثبت وفاته، وتاريخها ولو بعد الحكم بموته، فإنه في هذه الحالة يكون الدليل هو المرجع الذي يرجع إليه، فإن أثبت أن الوفاة كانت قبل وفاة المورث، الذي وقف ميراثه فيه حتى يقضي القاضي، تقررت الأمور على ذلك. وإن كانت وفاته بعد وفاة ذلك المورث، وبذلك يتحقق شرط الميراث بإجماع الفقهاء، وهذا كله إن لم يكن قد صدر حكم، فإن كان قد صدر حكم بالوفاة، ثم ظهر الدليل على وفاته في ميقات معلوم ثابت، فإنه يتضمن الدليل على حياته قبل ذلك التاريخ، فيسير الأمر على مقتضى الدليل فالذي ظهر، فيرث إن كان يثبت حياته وقت وفاة مورثه، وإن أثبت الدليل أن موته كان بعد الحكم بوفاته، أي أن وفاته كانت لاحقة لتاريخ الحكم بوفاته، فيكون الأمر كما لو ظهر حياً بعد الحكم بوفاته، وعلى ذلك يأخذ ورثته وقت وفاته ما يكون قائماً من ماله، لأنهم قائمون مقامه في ماله الذي كان ثابتاً له قبل الغياب، أو اكتسبه بعد الغياب بقيام الدليل على الحياة.
وواضح مما سبق أن القانون أخذ بمذهب الحنفية، والشافعية بالنسبة لتاريخ الحكم بالوفاة، وإذا ظهر المفقود حياً بعد الحكم بوفاته فما يكون له من مال، سواء أكان ثابتاً له قبل الغياب أم اكتسبه بحكم الشرع، كالميراث والوصية، فإنه يأخذه إن كان قائماً بأيدي الورثة، وإن كان قد استهلك، فإنه لا يطلب بالقيمة، لأن المطالبة أساسها ضمانهم لهذه الأعيان، والضمان يكون بأحد أمرين:
(1) العقد كضمان المرتهن للعين المرهونة.
(2) التعدي، والعقد غير موجود، ولا تعدي من الورثة، لأن ما ثبت بأيديهم كان بسند شرعي هو حكم القاضي، وإن كان شيء بأيدي الورثة من نصيبه أخذه.
الباب الثالث
الخنثى
المادة 334
الخنثى آدمي تظهر فيه علامات تدل على الأنوثة، وعلامات أخرى تدل على الذكورة، ومن كان ذلك يكون له في الغالب فرج وذكر إذ هو الذي يعلن الذكورة، أو الأنوثة، فإن وجدا فقد تعارضت الأمارتان.
وإذا ولد إنسان على هذا النحو. فإن تبين أن إحدى العلامتين أغلب، وأبين، وأقوى تأثيراً حكم بمقتضاها. فيكون ذكراً إن غلبت عليه علامات الذكورة، ويكون أنثى إن غلبت عليه علامات الأنوثة، فإن لم تستبين حاله قبل البلوغ انتظر إلى البلوغ، حيث تظهر الأنوثة، أو الذكورة الكاملة، فيعرف أي العلامات أغلب، فيحكم بمقتضاها، فإن لم يعلم بعد البلوغ فإن حاله تكون مشكلة، ويسمى خنثى مشكلاً.
فقد اختلف الفقهاء في العلامات المميزة، فقيل يسبق البول، فإن بال من الذكر فهو ذكر وإلا فهو أنثى، هذا رأي أبو حنيفة، وقال الصاحبان: ينظر إلى الأكثر بولا.
وذهب الفقهاء المحدثون إلى الاستعانة في ذلك بأهل الخبرة، ويؤخذ برأيهم، فقد تقدمت العلوم الطبية، ويمكن بالجراحة وغيرها معرفة الحالة الغالبة من الذكورة أو الأنوثة، فإن لم يكن فحكم ميراث الخنثى المشكل ما نصت عليه المادة، وهو مذهب الحنفية، وأحد أقوال الشافعية.
وإنما كان نصيبه أدنى الحاليين، لأن الوصف الذي يستحق بمقتضاه يجب أن يعلم بيقين، لأن الأخذ به سيؤثر في نصيب غيره الثابتة حالاً قطعاً من غير شك، ولا ينقص شيء من حق الغير إلا لسبب قوي ويظهر ظهور السبب الموجب لذلك الحق، وإذا لم يوجد ذلك السبب بقي الحق الذي ثبت سببه كاملاً من غير معارض، وبتطبيق ذلك على الخنثى يكون الواجب إعطاؤه أخس النصيبين، لأنه لو أعطى أحظهما كان إنقاصاً من الآخرين بغير سبب له قوة أسبابهم.
وعند الإمام مالك، وقول لأبي يوسف من الحنفية أن الخنثى المشكل يأخذ متوسط النصيبين الأنثى والذكر، فتحل المسألة على اعتبار أنه أنثى. ويجمع النصيبان، ويعطى متوسطهما.
وعند الإمام أحمد أنه إن كان يرجى كشف حاله بعد زمن، فإنه يعطى الورثة الأقل من النصيبين، كما يعطى الخنثى الأقل، ويوقف الباقي إلى أن تنكشف حاله، وهو مذهب الشافعية. وإن لم يكن يرجى كشف حاله، فيكون التوزيع كالمذهب المالكي.
وقد اختير مذهب الحنفية، لأنه أعدل الآراء، وأضبطها، وكل ذلك لا يكون إلا بعد اليأس من كشف حاله، واستمرار الإشكال فيها.
الباب الرابع
ولد الزنى، وولد اللعان
المادة 335
نصت المادة على أنه مع مراعاة المدة المبينة في الفقرة الأخيرة من المادة 330 يرث ولد الزنا، وولد اللعان من الأم وقرابتها، وترثهما الأم وقرابتها، ذلك أن ولد الزنا ثبت صلته بأمه، وانتفت صلته بمن كان منه الحمل ظاهراً، فلا يثبت النسب منه، ولو كان معروفاً، ومقراً بأن الحمل منه زنا، لأن ثبوت النسب نعمة والنعمة لا يكون سببها جريمة من الجرائم.
والمقرر في الشريعة الإسلامية أن من يرمي محصنة بالزنى يجلد ثمانون جلدة إلا إذا رمى زوجته بالزنى، أو ينفي نسب الولد، فإنه لا يجلد إذا لاعن اللعان المنصوص عليه في سورة النور، فإذا تم اللعان كما هو مبين في الآيات الكريمة فرق بينهما، وكانت الزوجة حراماً عليه إلا أن يكذب نفسه فيجلد ثمانين جلدة، ويثبت النسب، وفي حال نفي النسب لا توارث بينهما، لعدم وجود سبب الميراث.
ولكن نسبه من أمه ثابت بيقين، فيثبت الوارث بينهما، وذلك باتفاق الفقهاء بالنسبة لولد اللعان. وعلى قول الجمهور بالنسبة لولد الزنا.
ويرث ولد الزنا، وولد اللعان كل قرابة الأم، سواء أكانوا أصحاب فروض أم ذوي أرحام، ويرثه ذوي الفروض، وذوو الأرحام من قرابة أمه، كل في طبقته من التوريث، فهو يرث أخاه لأمه، ويرثه أخوه لأمه، وهكذا.
وهذا كله مع مراعاة ما نص عليه في المادة (330)، وهو أنه يشترط لميراث الحمل من غير أبيه أن يولد حياً لخمسة وستين وثلاثمائة يوم على الأكثر من تاريخ الموت أو الفرقة إلخ. وذلك يوجب أمرين:
(1) أنها إذا كانت حاملاً بالزنى أو نفي نسب حملها بملاعنة فإنه لكي يكون له حق في ميراث من يموت، وهو حمل أن يثبت أنه كان في بطن أمه وقت موته، وذلك بولادته في المدة السابقة.
(2) فإذا ولد الحمل لأكثر من المدة السابقة، فلا يثبت نسبه من المطلق، أو المتوفي إذا كان ثمة فراش زوجية، ولم يثبت زنا، ولا لعان. وفي هذه الحال لا يرث المعتدة من صاحب العدة، ويكون حكمه كحكم ولد الزنا أو اللعان، فيرث أمه وقرابتها، وترثه عي وقرابتها إلا إذا ثبت نسبه بالإقرار الشرعي، فإنه يرث أباه.
الباب الخامس
التخارج
المادة 336
التخارج جائز شرعاً، لأنه عقد قسمة، أو عقد بيع وشراء.
وذكر عن عمرو بن دينار، أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية في مرض موته، ثم مات وهي في العدة، فورثها عثمان رضي الله عنه مع ثلاث نسوة أخر، فصالحتها عن ربع ثمنها، على ثلاثة وثمانين ألفاً، قيل: دنانير، وقيل دراهم.
وللتخارج حسب ما نصت المادة صور ثلاث:
الأولى: أن يتخارج وارث مع وارث آخر على أن يترك له نصيبه، نظير مبلغ من المال، وفي هذه الحالة تقسم التركة على الورثة جميعاً، ويوؤل نصيب المتخارج إلى من التزم بدفع المبلغ له من الورثة، لأنه في الواقع قد باع له نصيبه من التركة، نظير هذا البدل.
الثانية: وهي أكثر صور التخارج وعادة، أن يتصالح أحد الورثة مع باقيهم على أن يترك حصته، ويأخذ بدلها جزءاً معيناً من التركة، كدار مثلاً، ويكون باقي التركة لمن عداه من الورثة، فمتى حصل ذلك، ملك المتخارج الجزء المعين وملك باقي الورثة، ما عدا هذا الجزء، ويقسم الباقي من التركة على من عدا المتخارج من الورثة، بنسبة مهام كل منهم.
الثالثة: أن يتخارج أحد الورثة مع باقيهم على شيء من المال يدفعونه إلى من غير التركة، فيكون ذلك بيعاً، يأخذ أحكام البيع، إذ أن المتخارج قد باع نصيبه من التركة، نظير ثمن يدفعه باقي الورثة له من أموالهم الخاصة، لتخلص لهم التركة كلها، وقد يدفع كل وارث للمتخارج بنسبة سهامه في الميراث، أو بالتساوي فيما بينهم دون نظر إلى سهام كل منهم أو يكون كل منهم قد أسهم في البدل الذي جعلوه للمتخارج بقدر أقل أو أكثر مما يقابل سهامه، فالأحوال ثلاثة، وتقسيم نصيب المتخارج يكون حسب الأحوال، فإن كان المدفوع من مالهم، ولم ينص في عقد التخارج على طريقة قسمة نصيب المتخارج، قسم نصيبه على الورثة بنسبة ما دفعه كل منهم.
وقد ورد الحكم في التخارج عاماً فلا يخص تركة بعينها، ولا نوعاً من المال دون نوع، فيشمل التركات المعلومة على وجه اليقين، والتركات التي لم تصف، ولم يعلم مقدارها على التعيين، ويشمل التركات المدينة، كما يشمل التركات التي يكون بعضها ديوناً لدى الغير، والتركات التي ليس فيها ديون.
هذا وقد اختار المشروع اصطلاحات مستساغة في أبواب الميراث، فاستبدل:
الجد العاصب بالجد الصحيح.
والجد الرحمي بالجد الفاسد أو الجد غير الصحيح.
والجدة الثابتة بالجدة الصحيحة.
والجدة غير الثابتة بالجدة الفاسدة أو الجدة غير الصحيحة.
والجانب في ميراث ذوي الأرحام بالحيز.
أحكام جنائية
الفصل الأول
تدخل النيابة في بعض الحوال الشخصية
المواد 337 – 341
النيابة العامة والحسبة يتفقان في التكيف القانوني ووحدة الهدف، غايتهما الدفاع عن النظام العام ومصلحة المجتمع. فدعوى الحسبة أساسها ما أمرنا الله تعالى به من النهي عن المنكر، والتزام كل فرد بالإسهام في الحفاظ على قواعد النظام العام والدفاع عن حقوق الله، ولا تكون إلا بحق خالص له سبحانه، أو بحق يغلب فيه حق الله، ولا يقصد مدعيها المطالبة أو الدفاع عن حقوقه الذاتية، وإنما يدافع عن مصلحة النظام العام والقانون. فهو في نظر فقهاء الإسلام، إذ يشهد إزالة المنكر، قائم بالخصومة من حيث وجوب ذلك عليه، وشاهد من جهة التحمل، وهذا من أكد الفروض. ويغلب في عبارات الفقهاء إطلاق شاهد الحسبة عليه من دون مدعي الحسبة، وهو في الحقيقة مدعٍ وشاهد باعتبار جهتي الوجوب والتحمل، وتقبل دعواه في مسائل كثيرة، يعد منها في الأشياء أربع عشرة، وزاد عليها صاحب الدر أربعاً.
وقد لوحظ، مع التطور الزمني، أنه إذا ترك هذا الأمر للأفراد يستقلون به فإن منهم من يتخذ وسيلة للتشهير بالغير أو الكيد له مما لا ��تفق ومشروعيه الحسبة، بينما لا يجحد ا��دور المهم الذي تؤديه النيابة العامة دفاعاً عن مصلحة المجتمع، وهي هيئة عامة غير متحيزة، تسعى إلى حماية المركز القانوني، وهي إذ تدعي مباشرة أو تبدي رأيها قلما يجيد الحكم من الصحة والحقيقة. ومن ثم اختار المشروع أن تقوم النيابة العامة بوظيفتها في بعض قضايا الأحوال الشخصية بأن تدفع الدعاوي أو تتدخل فيها منضمة إلى المدعي أو المدعي عليه، حسب الأحوال في أي حالة كانت عليها الدعوى، وذلك في كل أمر يمس النظام العام إذا لم يتقدم أحد من ذوي الشأن.
والمراد بالنظام العام أحكام الشريعة الإسلامية في الأحوال التي نصت عليها المادة 339، وتدخل النيابة يعتبر ضماناً لتطبيق القانون حسب المصلحة العامة التي استهدفتها الفائدة القانونية المطبقة، وهي بذلك تساعد القضاء في تحقيق هذا الهدف.
وقد آثر المشروع أن يعرض عن تسميتها حينئذ بالطرف المنضم، لأنها إنما تسعى بتدخلها إلى تطبيق القانون، وقد يكون تطبيقه غير متفق مع المصلحة التي يدافع عنها المدعي والمدعي عليه، فلا تعتبر طرفاً، وإنما هي ممثلة للمصلحة العامة في خصومة بين آخرين، ومن الواضح أنها إذا لم تتدخل كان الحكم الصادر في الدعوى باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام.
وحتى تتفرغ النيابة لأداء رسالتها بينت المادة 339 أن حضورها ليس ضرورياً في حالات التدخل الوجوبي متى قدمت مذكرة برأيها، وأنه لا يلزم حضورها عند النطق الحكم.
وأوضحت المادة 340 أنه إذا عرضت أثناء سير الدعوى مسألة تقتضي تدخل النيابة فإنها تبلغ بذلك بأمر من المحكمة، لأنها هي التي تقدر ما إذا كانت هذه المسألة مما تتدخل فيها النيابة.
ونظمت المادة 341 ميعاد تقديم مذكرات النيابة بأقوالها. ولها حق الطعن في الحكم ولو لم تكن قد تدخلت.
الفصل الثاني
أحكام متفرقة
المادة 342
نحسب السنوات والأشهر الواردة في هذا القانون بالتقويم القمري.
المادة 343
كل ما يرد له حكم في هذا القانون يرجع فيه إلى المشهور في مذهب الإمام مالك، فإن لم يوجد المشهور طبق غيره، فإن لم يوجد حكم أصلاً، طبقت المبادئ العامة في المذهب.
المادة 344
الأحكام النهائية الصادرة من دوائر الأحوال الشخصية حجة أمام جميع الدوائر.
المادة 345
تطبيق أحكام هذا القانون من اختصاص دائرة الأحوال الشخصية، بالمحكمة الكلية والاستثنائية والتمييز.
المادة 346
أ – يطبق هذا القانون على من كان يطبق عليهم مذهب الإمام مالك، وفيما عدا ذلك فيطبق عليهم أحكامهم الخاصة بهم.
ب – أما إذا كان أطراف النزاع من غير المسلمين وكانوا مختلفين ديناً أو – مذهباً سرت عليهم أحكام القانون.
المادة 347
ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل به من أول أكتوبر 1984م.

* * *

No tags for this post.

Be First to Comment

    اترك رد

    هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.